عبيدة نحاس: سوريا الجديدة مسؤولية من؟

نشر السياسي السوري عبيدة نحاس مقالاً في صحيفة «الثورة»، تناول فيه سؤالاً محورياً يتصدر النقاش السوري اليوم: من يتحمل مسؤولية بناء «سوريا الجديدة»؟ وهل يمكن اختزال هذه المسؤولية في السلطة وحدها؟
بدأ نحاس مقاله بالتأكيد أن الهدف ليس الدخول في سجال سياسي، بل «محاولة للتفكير في سؤال يفرض نفسه اليوم على السوريين جميعاً: كيف يمكن تحويل سوريا من ساحة تنابذ وتنافس، إلى مساحة عمل مشترك لبناء الدولة؟».
نقد النقاش العام: تركيز على السلطة وتغييب المجتمع
يرى نحاس أن جزءاً كبيراً من النقاش الدائر حول أداء الحكومة قد يكون مشروعاً، إذ «ربما يحمل قدراً من الصحة، وقد يكون فيه مبالغة أو استعجال»، لكنه يشير إلى أن هذا النقاش يبقى ناقصاً لأنه لا يطرح سؤال الدور المجتمعي.
ويضيف: «النقاش العام السائد، قلّما يطرح سؤالاً عملياً وجوهرياً: ما دورنا نحن؟ وما الذي يمكن أن نضيفه؟».
وفي هذا السياق، ينتقد حالة الانتظار التي ظهرت لدى بعض الفاعلين، متسائلاً: «هل أصبحنا ننتظر دعوة أو استدعاء أو مكافأة لكي نقوم بدور وطني؟».
الإحباط السياسي وتوقعات ما بعد النظام
يُرجع نحاس جزءاً من الإحباط القائم إلى تراكم التوقعات خلال سنوات الصراع، حيث تشكلت لدى بعض الفاعلين قناعة بأن مرحلة ما بعد النظام ستمنحهم موقعاً طبيعياً في الدولة.
ويشرح ذلك بالقول: «ربما تكون قد ترسخت في لاوعي كثير من المناضلين… قناعة بأن الدولة بعد زوال النظام البائد ستؤول تلقائياً إليهم أو إلى كيانات سياسية تضمهم».
ثمّ عندما لم تتحقق هذه التوقعات، ظهرت «مشاعر خيبة أو إحساس بالإقصاء».
مجتمع المبادرة الفردية… من القوة إلى المشكلة
يتوقف عبيدة نحاس عند طبيعة المجتمع السوري، واصفاً إياه بأنه «مجتمع مبادرة فردية بامتياز»، وهو ما يفسر نجاحات كثيرة، لكنه في الوقت ذاته يولّد تنافساً حاداً يعيق العمل الجماعي.
ويستخدم في هذا السياق تشبيهاً لافتاً، عبر ما يعرف بـ«نظرية سطل السلطعون»، حيث «كلما حاول أحدها الخروج من السطل للنجاة، يقوم الباقون بشده إلى الأسفل».
ويشير إلى أن هذه الحالة تعكس سلوكاً مزدوجاً قائماً على الإحساس بالأحقية، موضحاً: «إذا امتلك أحدهم المكسب اعتبره حصاد جهده وحده، وإذا امتلكه غيره يرفع صوته مطالباً بحصته».
الدعوة إلى الشراكة بدل التنافس
ينتقل نحاس إلى نقد مقاربتين متقابلتين: الأولى هي «النقد من أجل النقد»، والثانية هي ميل السلطة إلى تجنب توسيع المشاركة السياسية.
ويحذر من أن مقاومة الضغوط الداخلية للمشاركة «على أمل أن تقدم الاستثمارات الخارجية الموعودة حلاً»، قد تؤدي إلى تعميق المشكلات، مؤكداً أن «التنازلات للآخر الوطني ليست بتنازلات، بل هي احتواء وتشاركية محمودة».
التحذير من التعويل على الخارج
في أحد أكثر مقاطع المقال وضوحاً، يحذر نحاس من الرهان على الخارج في إدارة التوازنات الداخلية، سواء سياسياً أو اقتصادياً.
ويكتب: «الدعم السياسي والدبلوماسي وحتى الأمني والإعلامي الخارجي يأتي ويذهب»، كما أن «الاستثمارات الخارجية قد تأتي، وقد تتأخر، أو قد لا تصل مطلقاً». ويعتبر أن التعويل على هذا العامل يشكل خطأً استراتيجياً في مرحلة حساسة.
الدولة كمرآة للمجتمع
يصل نحاس إلى خلاصة فكرية تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، رافضاً النظر إليها ككيان منفصل عن المجتمع.
ويقول: «الحكومة ليست جسماً منفصلاً عن المجتمع، بل هي في نهاية المطاف جزء منه».
ومن هنا، فإن تحميل السلطة وحدها مسؤولية الإصلاح يغفل حقيقة أن «الدولة في نهاية المطاف انعكاس لمجتمعها بقدر ما هي أداة لتنظيمه».
الخلاصة: من التنافس إلى الشراكة
ينهي نحاس مقاله بالتأكيد أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في السياسات، بل في نمط التفكير السائد داخل المجتمع.
ويختصر ذلك بالقول: «أحد أكبر التحديات التي نواجهها اليوم هو الانتقال من منطق التنافس على المكاسب إلى منطق الشراكة في البناء».
اقرأ أيضاً: مغامرة في لبنان لن تكون ضد حزب الله بل ضد السعودية وتركيا!









