عبد الرحمن الحاج يسأل عن الديمقراطية.. والخوف يبدأ من تصدع الثقة

بقلم: ضياء الدين صلاح
تكشف الأزمات أحياناً ما لا تستطيع النقاشات السياسية الطويلة كشفه.
رفعت الحكومة أسعار المحروقات، فخرج محتجون إلى الشارع. يمكن أن تنتهي الحكاية هنا: قرار اقتصادي قاسٍ، وغضب مفهوم، ثم إجراءات تخفف الصدمة ويعود الناس إلى أعمالهم. ويمكن أن يكون ما حدث أكثر تعقيداً بقليل.
اختار الأكاديمي والباحث عبد الرحمن الحاج الاحتمال الثاني في مقال رأي نشرته صحيفة «الثورة السورية» في 21 أيلول بعنوان «هل نحن ذاهبون نحو نظام ديمقراطي؟». وصف احتجاجات المحروقات بأنها «إنذار مبكر» عن تراجع الثقة، لكنه حذر في الوقت نفسه من تحميلها ما لا تحتمل، ومن اعتبارها دليلاً قاطعاً على تحول سياسي شامل في المجتمع.
يبدو التحفظ مفهوماً. لا يصنع ارتفاع سعر المازوت تحولاً سياسياً كاملاً، ولا تصلح تظاهرات محدودة، مهما اتسعت، لاستنتاج موقف مجتمع كامل. لكن ربما يستحق ما جرى أن نحمله قليلاً أكثر مما يحتمل في ظاهره، لا أقل.
فقد تكون موجة الغضب طارئة في سببها المباشر، وقد تخمد سريعاً بشكل أو بآخر. لكن الخوف لا يتعلق هنا باستمرار المظاهرات بقدر ما يتعلق بما أظهرته. يمكن للصدع أن يبدأ صغيراً جداً قبل أن يعرف أحد إن كان سيغلق أم سيتسع.
ويذهب الحاج نفسه قريباً من هذا المعنى عندما يكتب عن «مشكلة تتراكم في العلاقة بين المجتمع والدولة»، ويسأل عمن يشارك في القرار ويراقب الإنفاق ويحاسب السلطة حين تتخذ قراراً غير شعبي. كما يلفت إلى أن خريطة الاحتجاجات مست، بحسب قراءته، جزءاً من القاعدة الاجتماعية الصلبة للحكم الانتقالي.
وهذا بالضبط ما يجعل الأمر حساساً. لا تخسر الحكومات الثقة دفعة واحدة، فهي تخسر أجزاءً منها في ملفات صغيرة ومتفرقة، وقد تستعيد بعضها، وقد لا تفعل. ولا يدفع المجتمع ثمن تراجع الثقة وحده؛ تدفعه الدولة أيضاً، لأن كل قرار لاحق يصبح أصعب في شرحه وتمريره، حتى عندما يكون القرار ضرورياً.
لن يكون ثمن اتساع هذا الصدع جيداً لأحد، وقد يوصلنا إلى ما لا يريده أحد من الحريصين على استقرار سوريا.
أين يذهب الناس باعتراضهم؟
يضع الحاج إصبعه على مسألة أكثر وضوحاً عندما ينتقل من الاحتجاج نفسه إلى المؤسسات الغائبة عن المشهد.
يعدد المجالس المحلية والنقابات والاتحادات والروابط والبلديات ومجالس المحافظات ومجلس الشعب، ويرى أنها القنوات التي يفترض أن تعبر من خلالها فئات المجتمع عن مصالحها، وأن تعمل في موازاة السلطة التنفيذية، لا بوصفها جزءاً منها. كما يلفت إلى أن هذه الهياكل لم تصل بعد إلى نموذج انتخابي مكتمل.
يصعب الاختلاف كثيراً مع هذا الجزء. يحتاج صاحب العمل إلى جهة تمثله عندما يرفع قرار حكومي تكاليف إنتاجه. ويحتاج الموظف إلى نقابة لا تكتفي بإبلاغه بالقرار بعد صدوره. ويحتاج سكان المدينة إلى مجلس يعرفون أنهم اختاروه، ويمكنهم تحميله المسؤولية عندما تفشل الخدمات.
أما المواطن الذي لا يجد شيئاً من ذلك أمامه، فلديه هاتف وشارع. يستطيع الشارع أن يعلن رفض قرار، لكنه لا يستطيع أن يجلس لثلاثة أسابيع لمناقشة موازنة. ويستطيع منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أن يجمع آلاف الغاضبين، لكنه لا يستطيع التفاوض على ضريبة أو مراقبة عقد أو تمثيل مصالح فئات تختلف حتى في ما بينها.
تقوم المؤسسات بهذا العمل.
ولهذا تبدو فكرة الحاج عن انتقال الشرعية من لحظة الثورة إلى شرعية شعبية مستقرة شديدة الصلة بالموضوع. لا يكفي أن تقبل السلطة بحق الاعتراض؛ تحتاج أيضاً إلى طرق يستطيع الاعتراض أن يسلكها من دون أن يضطر في كل مرة إلى إثبات وجوده في الشارع.
وتبقى كلمة «الديمقراطية»
يطرح الحاج بعد ذلك مسألة أكثر حساسية.
يقول إن الإعلان الدستوري تجنب لفظ «الديمقراطية»، ويربط هذا الأمر بإرث بعض مكونات القوى العسكرية التي قادت «ردع العدوان»، والتي كان لدى بعضها، في مرحلة سابقة، موقف عدائي من الديمقراطية، سواء كمصطلح أو كمفهوم. ويعتقد أن هذه المسألة يمكن أن تنتهي لاحقاً عندما يُكتب الدستور الدائم ويُسمى نظام الحكم بوضوح.
يصعب عليّ الاكتفاء بهذا التفسير.
إذا كانت المشكلة في الكلمة، فيمكن الاستغناء عنها بسهولة.
يمكن أن نقول إن الناس يحكمون أنفسهم بأنفسهم، مباشرة عبر الاستفتاء حين يكون ذلك ممكناً، ومن خلال ممثلين ينتخبونهم حين لا يكون. ويمكن أن نتحدث عن مؤسسات مستقلة، وسلطة تأتي من المواطنين، وعن حقهم في تغيير ممثليهم ومحاسبتهم، وعن تداول للسلطة لا يحتكره فرد أو جماعة.
هذه كلها طرق لشرح الديمقراطية من دون استخدام كلمة «الديمقراطية» مرة واحدة. أما إذا كانت المشكلة في هذه المعاني نفسها، فالأمر مختلف، ومخيف بعض الشيء.
يصبح تفسير الحاج عندها سبباً لطرح سؤال لا لإغلاقه: إذا كان موقف بعض القوى العسكرية من الديمقراطية قد فرض قدراً من الحذر في صياغة الإعلان الدستوري، فما مقدار نفوذ هذه الرؤية اليوم؟
هل انحسر؟
هل تغير أصحابه؟
هل جرت مراجعة تلك الأفكار بعدما تحولت الفصائل إلى مؤسسات دولة؟
أم تأجل الخلاف فقط إلى وقت لاحق؟
لا نملك من المقال إجابات عن ذلك، ولا يصح اختراعها. لكن يصعب أيضاً اعتبار المسألة مجرد حساسية لغوية.
لا تكفي الثقة وحدها
يربط الحاج بين الشرعية والثقة والشفافية، ويستعيد عبارة «النفط في أيدٍ أمينة» التي ارتبطت في الذاكرة السورية بعهد سابق لتوضيح مشكلة السلطة التي تطلب من المجتمع أن يثق بها من دون أن تمنحه ما يكفي من المعلومات.
ويصعب العثور على سبب يدعو إلى الاعتراض على أصل هذه الفكرة.
تنخفض حاجة الناس إلى الشائعة عندما ترتفع قدرتهم على الحصول على المعلومة. وتصبح اتهامات الفساد أسهل في الاختبار عندما تكون الأرقام والعقود وطرق الإنفاق متاحة. أما مطالبة الجمهور بأن يثق فقط، فلا تصنع شفافية مهما كانت درجة الثقة عالية في البداية.
ويعرف السوريون هذه المسألة جيداً.
بدأت السلطة الجديدة برصيد اجتماعي كبير جداً بعد حدث بحجم سقوط النظام السابق، لكن لا يوجد رصيد سياسي لا ينفد إذا جرى السحب منه من دون تجديده.
يجدد الإنجاز جزءاً منه، وتجدد العدالة جزءاً، وتجدد المشاركة جزءاً، وتحمي الشفافية ما تبقى.
ولعل هذه النقطة تعيدنا إلى احتجاجات المحروقات.
قد ينتهي الاحتجاج وينخفض السعر أو يتكيف السوق معه، ثم لا يحدث شيء آخر. وهذا احتمال قائم.
لكن يمكن أيضاً أن نكتشف لاحقاً أن الاحتجاج كان إحدى أولى اللحظات التي انتقل فيها جزء من المجتمع من سؤال «ماذا ستفعل السلطة؟» إلى سؤال «من أعطاها القرار، وكيف نستطيع التأثير فيه؟».
يفرق السؤالان كثيراً. ولا تجعل المطالبة بانتخابات للنقابات أو مجالس محلية أو مؤسسات مستقلة نظاماً كاملاً ديمقراطياً بين ليلة وضحاها. لكنها تمنح الناس شيئاً ضرورياً جداً في المرحلة الانتقالية: مكاناً يذهبون إليه عندما يختلفون مع الدولة.
أما ترك الاختلاف بلا عنوان، ثم الاطمئنان كل مرة إلى أنه موجة غضب وستمر، فقد ينجح مرة واثنتين، لكن يصعب ضمان نجاحه دائماً.
ولهذا أصاب عبد الرحمن الحاج حين سمى ما حدث «إنذاراً مبكراً». وقد يكون الاختلاف معه في مقدار الإنذار، لا في وجوده.
أما سؤاله الأكبر، «هل نحن ذاهبون نحو نظام ديمقراطي؟»، ستجيب عنه أشياء وأحداث من قبيل: من ينتخب المجلس المحلي، من يختار النقابي، من يستطيع الوصول إلى معلومة عامة، من يراقب المال، من يعترض على القرار، وماذا يحدث للمسؤول حين يخطئ.
ويبدأ الحكم الذي يدير الناس فيه شؤونهم بأنفسهم من هذه التفاصيل تحديداً.
—————————————————————————
يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.
اقرأ أيضاً: عبيدة نحاس يدعو إلى المصارحة الاقتصادية.. لكن ماذا تعني المصارحة عملياً؟








