المجتمع السوري

عام على التحرير.. تحولات المجتمع السوري بين الأمل والانقسام

بقلم هلا يوسف

كان لسقوط النظام السابق أثر بالغ في المجتمع السوري. فبينما توقع كثيرون اندلاع معارك مدمّرة تقضي على الأخضر واليابس، جاء التحرير في النهاية بأقل خسائر بشرية ممكنة. وأسهمت سياسة “اذهبوا فأنتم الطلقاء” في خلق شعور عام بالارتياح، إذ اعتبرها الناس نهايةً لحرب استنزفت البلاد أربعة عشر عاماً. ومع بدء التحرير، غصّت المدن السورية بالوافدين من المهجّرين العائدين، فعادت شاحنات محمّلة بأثاث المنازل إلى البيوت الصالحة للسكن، بينما اتجه أصحاب البيوت المدمرة إلى الإيجار بحثاً عن مأوى.

هذا الحراك السريع خلق نوعاً من إعادة التلاقي بين أبناء المجتمع الواحد الذين تفرقوا داخل سوريا وخارجها. ونشأت لقاءات بين سكان مناطق مختلفة لم يعتادوا التواصل فيما بينهم خلال سنوات الصراع، حيث التقى ابن إدلب بابن اللاذقية، وزار ابن طرطوس مناطق الشمال، فظهرت ملامح أمل تشير إلى أن السوريين لم ينسوا أنهم عاشوا على هذه الأرض كإخوة. وأعطى انطباعاً بإمكانية استعادة الروابط الاجتماعية السابقة.

فتحت الحكومة السورية الجديدة باب التسويات أمام أفراد وعناصر وضباط جيش النظام السابق، تلا ذلك عمليات تفتيش واسعة للمنازل أسفرت عن اعتقالات كثيرة أُفرج عن جزء منها لاحقاً. نورد هذه التفاصيل لفهم المشهد السوري في تلك المرحلة وترتيب الأحداث وتأثيرها على المجتمع.

ورغم أن هذه الفترة كانت قصيرة نسبياً، إلا أن عمليات الخطف والقتل بدأت بالظهور، خصوصاً في المناطق التي كانت توصف سابقاً بأنها حاضنة للنظام السابق. ومع غياب العدالة الانتقالية وانتشار الفوضى الأمنية بعد سقوط النظام، تصاعدت هذه الحالات حتى باتت “الحالات الفردية” العنوان الأبرز لتلك المرحلة. حاول المجتمع الظهور بمظهر مستقر، لكن الاحتقان الشعبي كان في ازدياد. فغياب العدالة الانتقالية زاد الرغبة بالانتقام، وغياب الأمن غذى الخوف والتوتر.

وشكلت أحداث الساحل نقطة تحول بارزة. ففي 7 آذار قُتل أكثر من 1500 مدني على يد أشخاص غير منضبطين، وهو ما أقرت به الحكومة الجديدة. بينما قُتل مئات من عناصر قوى الأمن نتيجة هجمات شنتها فلول النظام. وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع توثق عمليات قتل جماعي على أساس طائفي، ما ساهم في رفع منسوب التوتر الطائفي بشكل غير مسبوق، على الرغم من التعاطف الواسع من مختلف مكونات المجتمع مع عائلات الضحايا. غير أن صوت الخطاب الطائفي ظل أعلى من كل محاولات التهدئة.

ومع مرور الوقت، ازداد انقسام المجتمع السوري، وارتفع الخطاب الطائفي على المنابر، ما عزّز الخوف لدى فئات معينة. ثم جاءت أحداث السويداء في 12 تموز، إثر توتر بين العشائر والأهالي هناك. وكان لافتاً أن هشاشة المجتمع بلغت حد أن حادثة سرقة أو تسجيل مفبرك كانت كافية لإشعال فتنة طائفية واسعة. وأسفرت أحداث السويداء عن مئات القتلى من الطرفين، وتغييب نساء وأطفال، وتهجير عائلات عادت إلى دوامة النزوح. وفي النهاية، انكفأ مجتمع السويداء على نفسه وابتعد عن بقية السوريين، ما عمق الشرخ الاجتماعي أكثر.

ويجدر التذكير بأن الخطاب الطائفي لعب دوراً حاسماً في تفاقم الوضع. ورغم أن كثيرين من السوريين كانوا يدركون خطورة هذا الخطاب ويحاولون مواجهته، فإن أصوات المحرّضين والمؤثرين الطائفيين كانت للأسف أعلى وأشد حضوراً.

تغييرات كبيرة رغم تعقيد المشهد في المجتمع السوري

على الرغم من المشهد المتوتر الذي أعقب سقوط النظام، فإن مساحة الحرية التي ظهرت في المرحلة الجديدة فتحت المجال لقدر من الأمل بإصلاحات حقيقية وتصحيح أخطاء الماضي. وقد برز ذلك في المظاهرات التي خرجت في الساحل وحمص وريف حماة للمطالبة بالأمن والإفراج عن المعتقلين، وهي احتجاجات حظيت بحماية قوات الأمن الداخلي، في خطوة لم يعتد عليها السوريون من قبل.

وفي موازاة ذلك، بدأ العمل المدني في الظهور تدريجياً بعد أن ظل لسنوات موجهاً وخاضعاً لرقابة شديدة. ويرى واصل حمادة، أحد مؤسسي مبادرة “خيم الحقيقة”، أن هذا المسار ما يزال صعباً، وهو أمر طبيعي نظراً إلى ارتباط معظم مؤسسات المجتمع المدني سابقاً بالسلطة، وإلى القيود التي حكمت عملها لعقود طويلة.

ويشير حمادة إلى أن المجتمع السوري لم يكن معتاداً على انتقاد السلطة أو التعبير عن آراء مخالفة دون خوف من الاعتقال أو الإخفاء القسري. لذلك يؤكد أن المرحلة الجديدة تتطلب مجتمعاً مدنياً مستقلاً يتمتع بحرية النقد والقدرة على الضغط باتجاه اتخاذ قرارات عامة، رغم أن الطريق نحو نموذج مثالي ما يزال بحاجة إلى وقت, خاصة مع وجود كوادر قيادية جاءت من خلفيات عسكرية وثورية.

ومن أبرز مؤشرات التغيير، بحسب حمادة، قدرة السوريين اليوم على التظاهر دون الحاجة إلى موافقات رسمية، كما حصل خلال احتجاجات دمشق إثر أحداث السويداء في تموز الماضي. ويعتبر ذلك خطوة إيجابية لكنها غير كافية، إذ ما يزال الخطاب الطائفي والتعبوي ينتشر في المجتمع، ويتطلب إجراءات واضحة للحد من تأثيره.

وفي السياق ذاته، يرى الناشط عبد الله سلوم من كفرنبل أن أحد أهم مكاسب مرحلة ما بعد الثورة هو ترسيخ حرية التعبير. فبعد سقوط النظام لم يعد الصحفيون يواجهون الاعتقال لمجرد آرائهم السياسية، حتى وإن كانت متطرفة أو غير منسجمة مع التوجه العام للدولة، بل أصبح التعامل معهم يتم وفق إجراءات قانونية بديلة عن الممارسات الأمنية السابقة.

ويؤكد حمادة أن البلاد بحاجة اليوم إلى وعي جماعي يقوم على أن لا وجود لمنتصر أو مهزوم، بل وطن منكوب يحتاج إلى تكاتف الجهود لإعادة بنائه. ويشدد على ضرورة توسيع الحريات السياسية عبر السماح بتأسيس الأحزاب، وتنظيم التجمعات، وضمان حماية الفعاليات الاحتجاجية. كما يدعو إلى ضبط الخطاب التحريضي على وسائل التواصل ومحاسبة مروّجيه، إلى جانب تسريع ملفات العدالة الانتقالية ومحاسبة جميع المتورطين بالانتهاكات منذ عام 2011 وحتى أحداث الساحل والسويداء.

من جانبه، يرى الصحفي أحمد بريمو، مؤسس منصة “تأكد“، أن البلاد تشهد تقدماً واضحاً في مستوى الحريات مقارنة بالسنوات الماضية. ويشير، بصفته عضواً في رابطة الصحفيين السوريين، إلى عدم رصد أي حالات اعتقال أو ملاحقة لصحفيين بسبب نشرهم قضايا فساد أو مواد تكشف حقائق حساسة، معتبراً أن هذا التطور يعود إلى إرث انتفاضة عام 2011 التي رفضت كل أشكال الإخضاع.

ومع ذلك، يشدد بريمو على ضرورة وجود ضوابط واضحة تنظم العمل الإعلامي، لأن غيابها قد يفتح المجال لانتشار خطاب الكراهية والطائفية. ويقترح إصدار مواثيق شرف إعلامية تمنع تأجيج الصراعات وإعادة فتح جراح الحرب، محذراً من أن غياب القواعد المهنية قد يفاقم الانقسامات. ويرى أن الإعلاميين والمؤسسات ووزارة الإعلام يتحملون مسؤولية مشتركة في صياغة هذه الضوابط والاستفادة من المكتسبات الحالية.

كما يؤكد بريمو أن الإعلام لم يعد محصوراً بالمؤسسات التقليدية، بل يشمل أيضاً المؤثرين وصناع المحتوى على منصات التواصل، ما يستدعي إخضاعهم لقواعد واضحة تفصل بين حرية التعبير والتحريض. ويرى أن تعزيز دور الإعلام الرقابي ضرورة لبناء دولة حديثة تمنع نشوء منظومات جديدة من الفساد أو القمع.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن تقرير “مراسلون بلا حدود” صنّف سوريا في المرتبة 177 من أصل 180 في مؤشر حرية الصحافة لعام 2025، مشيراً إلى أن المشهد الإعلامي ما يزال بعيداً عن التحول العميق المنشود بسبب استمرار بعض القيود وغياب بيئة مستقرة لإعلام حر ومستقل.

باختصار، مشهد المجتمع السوري معقد ومتأرجح بين بوادر التغيير والانقسام، وعلى الرغم من ذلك يبدو أن هناك بداية صحوة لأهمية بناء عقد اجتماعي جديد قائم على العدل والمواطنة والمساواة أمام قانون يحكم الجميع بطريقة واحدة.

اقرأ أيضاً: المجتمع السوري وأزمة المواطنة: هشاشة تعرّت أم اكتسبت

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى