سياسة

كيف ننقذ المصارف والبنوك من طوابير تبديل العملة؟

الكاتب: أحمد علي

الناس لا تختبر قيمة العملة في الأسواق فقط، بل تختبرها عند باب المصرف. دقيقة انتظار إضافية قد تعني خسارة يوم عمل، أو قلقاً على مدخرات صغيرة، أو شرارة شائعة تكبر أسرع من أي بيان رسمي. لذلك جاء قرار تبديل العملة في سوريا خلال كانون الأول 2025 كقرار نقدي وإداري: نجاحه يُقاس بقدرة المصارف على خدمة الجمهور دون أن تتحول طوابير تبديل العملة إلى أزمة ثقة جديدة.

طوابير تبديل العملة

طوابير تبديل العملة لا تظهر لأن الناس تحب الاصطفاف، بل لأن القواعد تكون غامضة أو لأن مسارات الخدمة قليلة. حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية قال إن المرسوم رقم 293 لعام 2025 منح المصرف المركزي صلاحية تحديد المهل والمراكز وآليات الاستبدال، وإن العملية ستبدأ في 1 كانون الثاني 2026، مع وعد بأن تكون «سلسة ومنظمة»، على أن تُشرح التفاصيل عبر مؤتمر صحفي.

قرار ديسمبر وحدود التنفيذ

من الناحية العملية، القرار لا يُنفَّذ في فراغ. «عنب بلدي» أشارت إلى ترتيبات إدارية في أواخر ديسمبر، وإلى معلومات من مصادر حكومية ومالية عن إغلاق المصارف بين 27 كانون الأول 2025 و2 كانون الثاني 2026، مع تعاميم داخلية تطلب من المصارف تسليم النقد المتوافر لديها إلى المصرف المركزي قبل نهاية الشهر.

الإغلاق قد يكون ضرورياً للجرد وتجهيز الأنظمة وتحديث البرمجيات ونماذج المحاسبة، لكنه يحمل مخاطرة واضحة: أي فراغ في الخدمة، ولو أياماً، قد يدفع الناس لتكديس النقد في المنازل بدل الحسابات، ويجعل طوابير تبديل العملة أطول في الأسبوع الأول بعد إعادة الفتح، حتى لو كانت الخطة منضبطة. هنا يصبح الإعلان المسبق عن نافذة زمنية واضحة للاستبدال، وعن مراكز بديلة خارج الفروع المكتظة، جزءاً من إدارة الزحام لا ملحقاً لها.

حين يتكلم البنك المركزي

الفوضى قد تبدأ من داخل السوق المالية نفسها. عندما امتنعت بعض المؤسسات عن قبول فئات معينة، تدخل المصرف المركزي مؤكداً أن كل الفئات المتداولة ما تزال تتمتع بالقوة الإبرائية الكاملة، وأن قرارات القبول والرفض لا تُتخذ بإرادة منفردة، مع تلويح بإجراءات قانونية بحق المخالفين.

هذه الرسالة ليست تفصيلاً قانونياً فقط، بل أداة مباشرة لتخفيف الازدحام: حين يثق المواطن أن ورقته مقبولة اليوم وغداً حتى صدور تعليمات رسمية، تقل الحاجة للاندفاع المبكر وتضعف ديناميكية «الكل يركض لأن الكل يركض» التي تصنع الطوابير قبل بدء التنفيذ.

وفي المقابل، يذكّر خبراء بأن تبديل العملة لا يغيّر الواقع الاقتصادي تلقائياً. يقول الخبير المصرفي الدكتور إبراهيم قوشجي إن الخطوة «إصلاح تقني» لا يخلق ثروة ولا يلغي الأزمات، وأن التضخم يرتبط بعوامل أعمق مثل عجز الموازنة وضعف الإنتاج، مع إقراره بأن القرار قد يمنح استقراراً مؤقتاً إذا ترافق مع سياسة نقدية منضبطة.

وهذا التمييز مهم حتى لا تُباع للناس وعود غير قابلة للتحقق، لأن تضخم التوقعات ينتج طوابير تبديل العملة بحثاً عن «فرصة» لا عن خدمة، ثم يترك خلفه خيبة وشائعات جديدة.

الدفع الرقمي كصمام أمان

إذا كان كل شيء سيُنجز نقداً وبالحضور الشخصي، فإن طوابير تبديل العملة تصبح شبه مضمونة. هنا تبرز قيمة ما يجري في الخلفية: رويترز ذكرت أن «فيزا» تعمل مع المصرف المركزي لتطوير منظومة مدفوعات رقمية، ضمن إصلاحات أوسع تشمل التعاون مع صندوق النقد لتحسين البيانات والضوابط المصرفية.

هذه المسارات لا تُنهي الحاجة للنقد فوراً، لكنها تفتح باباً عملياً لتخفيف الضغط أثناء الاستبدال عبر تحويل جزء من العملية إلى قيود حسابية بدل التسليم النقدي الفوري، وتوسيع استخدام المحافظ الإلكترونية للدفع بين الأفراد والمتاجر، مع إبقاء النقد خياراً انتقالياً لا الخيار الوحيد.

وتعزز هذا الاتجاه شهادات من داخل القطاع. إذ يذكر مدير «فرنسبنك سوريا» نديم مجاعص أن المشكلة ليست في إعادة الودائع بقدر ما هي في السيولة النقدية المتاحة، وأن نجاح الاستبدال يحتاج برنامجاً يراقب ضخ السيولة لتجنب الوقوع في «فخ التضخم النقدي»، مع دعوة لتشجيع الإيداع والانتقال تدريجياً من ثقافة «الكاش» إلى الدفع الإلكتروني مع بناء ثقة السحب عند الحاجة.

حين يصبح الخيار الطبيعي هو إيداع ما تم استبداله واستخدامه رقمياً في دفع الفواتير والشراء، ينخفض عدد الزيارات المتكررة للفرع الواحد، فتتراجع طوابير تبديل العملة إلى مستوى يمكن التحكم به.

عدالة التبديل ومكافحة المضاربة

الطابور ليس مشكلة خدمات فقط، بل مشكلة عدالة أيضاً، فأي شعور بأن فئة ستحصل على فرصة أسرع أو سقف أعلى سيدفع الآخرين إلى الازدحام لحماية أنفسهم. لذلك تبدو مهمة المصرف المركزي في تحديد المراكز والمهل حساسة للغاية، كما قال الحصرية.

ويضيف حاكم المصرف السابق والمتخصص المصرفي دريد درغام، أن نجاح طباعة عملة جديدة مرتبط بخطة اقتصادية واضحة وموارد كافية وتوقيت ومدد مدروسة، والأهم ألا يُعرض الناس لطوابير التبديل، مع ضرورة بناء تصور متكامل لوسائل الدفع الرقمي.

عملياً، يمكن تقليل الطوابير من دون قرارات صادمة عبر توزيع الضغط زمنياً وجغرافياً: مواعيد بحسب الرقم الوطني أو مناطق السكن، مراكز متعددة خارج الفروع المكتظة، وحدات متنقلة تصل إلى الأحياء والقرى، ومرونة خاصة لكبار السن وذوي الإعاقة. الأهم أن تُضبط مكافحة المضاربة برسالة واحدة للسوق: لا فئات تُلغى أو تُستثنى قبل إعلان رسمي، ولا قرارات منفردة من المؤسسات، وهي الفكرة نفسها التي شدد عليها المصرف المركزي في بياناته.

حتى لا يحصل ازدحام على تبديل الليرة

يرى الخبير الاقتصادي السوري جورج خزام أن تقليل طوابير تبديل العملة لا يحتاج فتح شبابيك إضافية بقدر ما يحتاج سحب الطلب من المصارف وتوزيعه على نقاط تعامل الناس اليومية لمدة شهر قابلة للتمديد؛ فبدلاً من أن يتكدس الجميع أمام الفروع، يُقترح إلزام تسعير المحروقات بالليرة القديمة وتسديدها بها حصراً لفترة انتقالية، أو ربط تعبئة الوقود بالتعامل بالليرة القديمة فقط، أو تحميل كل محطة مسؤولية استبدال ما تقبضه عند التعامل بالليرة الجديدة بحيث تتحول الكازيات عملياً إلى مراكز استبدال.

وبالمنطق نفسه، يقترح عدم قبول المدفوعات الحكومية كالضرائب والرسوم والمياه والكهرباء والهاتف وحتى فواتير الموبايل إلا بالليرة القديمة خلال الشهر الأول، أو أن تقوم جهات الجباية بالقبض بالليرة الجديدة ثم استبدالها إلى القديمة قبل توريدها، ما يجعل مراكز الجباية ومراكز الاتصالات نقاط استبدال إضافية ويمكن دعمها بمراكز داخل الدوائر الحكومية. ويضيف خزام أن مكاتب الحوالات يمكن أن تصبح جزءاً من الحل إذا أُلزمت، حين تُستلم الحوالات بالليرة القديمة، بتسليمها للمستفيدين بالليرة الجديدة بشكل دائم، بالتوازي مع إلزام المصارف ومكاتب الصرافة بعدم إعادة ضخ الليرة القديمة للمواطنين في أي تعاملات وجمعها حصراً بهدف استبدالها بالليرة الجديدة.

توصيات دريد درغام لتنظيم الاستبدال

في السياق نفسه، يقدّم دريد درغام مقاربة تُعامل الازدحام باعتباره نتيجة تراكم أخطاء قديمة في إدارة النقد أكثر من كونه تفصيلاً لوجستياً عابراً؛ فهو يذكّر بأن سوريا، برأيه، اعتادت طباعة النقود منذ تأسيس المصرف المركزي، بينما تأخر الانتقال إلى الدفع الإلكتروني مقارنة بدول الجوار، ويشير إلى أن الحكومة رفضت مطلع عام 2018 مقترحاً كان مطروحاً لبناء بنية دفع إلكترونية منخفضة التكلفة تعتمد “محولة وطنية” تشرف على المحولات المصرفية وتستوعب أي محولة جديدة، مع خطة لتعميمها خلال ثلاث سنوات لتشمل المستويات التجارية والعادية، بما كان سيدعم بيئة نقدية أقل اعتماداً على الكاش ويخدم منظومة ضريبية أكثر عدالة.

ومن هذا المدخل ينتقل درغام إلى الحاضر، فيقول إن الاطلاع على تعليمات استبدال الليرة القديمة بالجديدة يفرض المشاركة بملاحظات هدفها “راحة السوريين”، ويخص بالشكر العاملين في المصرف المركزي الذين نجحوا في كانون الثاني 2018 بتطوير نظام محلي للحوالات بين المصارف، معتبراً أن وجود هذا النظام خفّف العبء وأنه لولاه لكانت الكتلة المطلوب استبدالها أكبر بكثير. ويثمّن ما يصفه بالشفافية حين ذُكرت الكتلة المستهدفة للاستبدال (42 تريليون ليرة) لكنه يرى أن الناس والباحثين سيستفيدون أكثر إذا نُشر أيضاً حجم الإصدار النقدي سنوياً منذ 2011 وحتى نهاية 2025 لتكتمل الصورة.

ثم يتوقف عند بند “منع المعاملة التمييزية” في التعليمات، ويفسره عملياً بأنه حق للناس في الاعتراض على إدخال أكياس نقود “خلف الكونتوارات” خارج الدور، لكنه يربط نجاح ذلك بوجود نظام دور مؤتمت وبجاهزية العمل في بيئات تعاني نقصاً في المعدات والكهرباء والاتصالات والوقود، خصوصاً في المناطق النائية خلال الشتاء. ومن هنا يطرح درغام اقتراحه التنفيذي الأكثر مباشرة لتخفيف طوابير تبديل العملة: إتاحة برنامج بسيط، كتطبيق أو منصة إنترنت، يتيح للمواطنين تعبئة الاستمارات من منازلهم، تحديد المبلغ، وحجز موعد في الوقت المناسب والفرع الأقرب وفق السيولة المتاحة فيه والتي تتغير مع كل حجز جديد، مع قدرة النظام على التمييز بين استبدال لمرة واحدة وبين حالات متكررة مرتبطة بنشاط تجاري أو مبالغ كبيرة، بحيث يصل المواطن إلى موعده دون ازدحام متوقع في الظروف الراهنة.

ختاماً، طوابير تبديل العملة ليست قدراً سورياً ثابتاً، بل نتيجة فراغ معلوماتي ومسار خدمة واحد، لذلك يمكن تجاوزها كما يرى خبراء الاقتصاد، فعندما يضبط المصرف المركزي الرسائل، ويمنع القرارات المنفردة، ويحوّل جزءاً من العملية إلى مسار مصرفي رقمي، يصبح التبديل أقرب إلى خدمة عامة يمكن التنبؤ بها، لا حدثاً يُدار بالعشوائية والفوضى.

اقرأ أيضاً: اعتصامات الساحل السوري: حقائق وأفكار تقف خلف الباب!

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى