سياسة

“صويمعة” نوى تعود للعمل: دلالات إعادة تأهيل البنية الزراعية في درعا

الكاتب: أحمد علي

لا تعود المنشآت الزراعية إلى الحياة كما تعود الآلات إلى الدوران. في سوريا، كل صومعة تُرمم تفتح سؤالاً أبعد من التخزين، وكل مركز حبوب يعود إلى الخدمة يختبر ما إذا كانت الدولة قادرة على الاقتراب من الفلاح لا من محصوله فقط. في نوى، غرب درعا، تبدو الصويمعة التي أُعيد تشغيلها أشبه بإشارة صغيرة داخل ملف كبير: كيف يُعاد بناء الطريق بين الأرض والمخزن، وبين الموسم والسياسة الزراعية؟

صويمعة نوى.. منشأة صغيرة في ملف كبير

حين تعود صويمعة نوى إلى العمل، لا يعود معها مبنى معدني فقط. تعود حلقة غابت طويلاً من سلسلة القمح في غرب درعا. والحلقة هنا ليست تفصيلاً إدارياً، لأن القمح في سوريا لا يُقاس بوزنه وحده. يقاس بما يتركه من أثر في ثقة الفلاح، وفي كلفة النقل، وفي قدرة الدولة على استلام محصول تقول إنها تريده لحماية الأمن الغذائي.

أجرت المؤسسة السورية للحبوب في 23 أيار 2026 تشغيلاً تجريبياً لصويمعة الحبوب في مدينة نوى، بعد انتهاء أعمال الصيانة وإعادة التأهيل. بدأت الأعمال في 4 نيسان، وشملت الجسم المعدني للصويمعة، والمحركات، واستكمال النواقص، وتجهيز غرفة التحكم، إضافة إلى الأعمال المدنية في المبنى الإداري ومرافقه. هذه تفاصيل فنية في ظاهرها، لكنها تعني عملياً أن مركزاً متوقفاً منذ عام 2013 عاد إلى شبكة الاستلام بعد أكثر من عقد من الغياب.

السعة المعلنة للصويمعة تقارب 10 آلاف طن من القمح. وتذكر بيانات أخرى أن مركز نوى، مع الصويمعة، يمكن أن يصل إلى قدرة استيعابية بحدود 14 ألف طن. الرقم ليس ضخماً إذا قورن بحاجات سوريا كلها، لكنه مهم في مكانه. فهو يخدم نوى والمنطقة الغربية من درعا، ويخفف انتقال المزارعين إلى مراكز أبعد، حيث تتحول المسافة إلى كلفة إضافية في موسم ضيق أصلاً.

المزارع لا يحسب الموسم كما تحسبه الجداول الرسمية. يحسبه بسعر البذار، وأجرة الحراثة، وكلفة الحصاد، وسعر المازوت، وأجور النقل، ومدة الانتظار أمام مركز التسليم. لذلك فإن تقليل المسافة ليس خدمة هامشية. هو جزء من سعر القمح الفعلي، حتى لو لم يظهر في قرار التسعير.

درعا بين الموسم والسلسلة الناقصة

حددت المؤسسة السورية للحبوب أربعة مراكز لاستلام القمح في درعا لموسم 2026، هي إزرع والصنمين ونوى وبصرى الشام. مركز إزرع مخصص للقمح الدوكما بطاقة تقارب 85 ألف طن، والصنمين لاستلام القمح بأكياس الخيش بطاقة تقارب 3 آلاف طن، وبصرى الشام بطاقة نحو 5 آلاف طن، بينما يعود مركز نوى إلى الخدمة في لحظة تحتاج فيها المحافظة إلى توزيع الضغط على أكثر من نقطة.

هذا التوزيع لا يخص المؤسسة وحدها. في سنوات الاضطراب، تراجعت القدرة على ربط الحقل بالصومعة. خرجت منشآت من الخدمة، وتغيرت طرق التسويق، واعتاد كثير من المزارعين على حلول مؤقتة. بعض هذه الحلول كان مكلفاً، وبعضها جعل المحصول أقرب إلى السوق المفتوحة منه إلى مركز الدولة. لذلك تحمل عودة صويمعة نوى دلالة تتجاوز الصيانة. إنها محاولة لإعادة تثبيت طريق رسمي للمحصول.

الموسم نفسه جاء محملاً بأسئلة. مديرية الزراعة في درعا تحدثت عن زراعة نحو 10,584 هكتاراً من القمح البعل، بنسبة تنفيذ تجاوزت 106 بالمئة من الخطة، ونحو 78 هكتاراً من القمح المروي بنسبة تقارب 90 بالمئة، إلى جانب 3,570 هكتاراً من الشعير بنسبة تنفيذ تجاوزت 87 بالمئة. هذه الأرقام جاءت بعد فترة قلق من انحباس المطر، ثم هطولات أعادت الأمل إلى جزء من الموسم.

لكن الأمل المطري لا يكفي. إذا وصل المحصول إلى الحصاد ولم يجد طريقاً منظماً للاستلام، يصبح الموسم ناقصاً. القمح الذي ينتظر طويلاً يخسر من جودته. والفلاح الذي ينتظر يخسر من وقته وماله. والدولة التي لا تملك قدرة استلام قريبة ومرنة تترك فراغاً يملؤه الوسطاء أو القنوات غير الرسمية.

الصويمعة لا تكفي وحدها

أطلقت المؤسسة السورية للحبوب منصة إلكترونية لتنظيم حجز أدوار توريد الأقماح لموسم 2026، بما يتيح تسجيل البيانات، وحجز المواعيد، والاستعلام عن الفواتير. إذا عملت هذه الخطوة بسلاسة، فإنها قد تخفف الازدحام وتحد من الفوضى والانتظار. لكنها، مثل الصويمعة، ليست جواباً كاملاً.

السؤال الأكبر يبقى عند السعر والدفع. حددت وزارة الاقتصاد والصناعة سعر شراء طن القمح القاسي من الدرجة الأولى المشوّل لموسم 2026 بمبلغ 46 ألف ليرة سورية جديدة. وفي العام السابق كانت الأسعار محددة بالدولار، عند 320 دولاراً للطن للقمح القاسي درجة أولى، و300 دولار للقمح الطري درجة أولى. هذا التحول من التسعير الدولاري إلى التسعير بالليرة الجديدة يفتح حساباً حساساً لدى المزارع، لأن كثيراً من مدخلات الإنتاج لا تزال مرتبطة بسوق متقلبة وبكلف تتبدل سريعاً.

في تقارير محلية، ظهر ترقب واضح لدى فلاحي درعا لتسعيرة تغطي جزءاً مقبولاً من كلفة الموسم. الكلام هنا لا يدور حول ربح كبير. يدور حول قدرة الفلاح على العودة إلى الأرض في الموسم التالي. فإذا كانت الصويمعة تقرب المسافة، فإن السعر وسرعة السداد يحددان ما إذا كانت هذه المسافة المختصرة ستتحول إلى ثقة فعلية.

إعادة تأهيل البنية الزراعية لا تقاس بالمحركات والدهان والإسمنت فقط. تقاس بما تفعله في علاقة الفلاح بالدولة. هل يصبح التسليم أسهل؟ هل يقل الانتظار؟ هل تُصرف المستحقات في وقتها؟ هل يشعر المزارع أن زراعة القمح خيار يمكن الاستمرار به، لا واجباً وطنياً يدفع كلفته وحده؟

صويمعة نوى عادت إلى العمل. هذه خطوة مهمة في محافظة تحتاج إلى ترميم ما انقطع بين الأرض والمؤسسة. لكنها بداية لا نهاية. فالبنية الزراعية الحقيقية تبدأ من الحقل، وتمر عبر مركز الاستلام، ولا تكتمل إلا عندما يشعر الفلاح أن محصوله وجد طريقاً عادلاً، لا طريقاً أطول بثوب جديد.

اقرأ أيضاً: المحاصيل العلفية في درعا.. موسم واعد يصطدم بسوق مضطرب

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى