المجتمع السوري

صورة واحدة أعادت السؤال… أين مكان المرأة في المشهد السياسي؟

بقلم هلا يوسف

لم تكن المرأة السورية في أي وقتٍ على الهامش في المعادلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بل كانت جزءاً أساسياً من نسيج المجتمع ودوره العام. فعلى امتداد التاريخ السوري، لم يقتصر حضور النساء على المجال الخاص أو الأسري، بل شاركن أيضاً في الشأن العام عندما استدعت الحاجة ذلك. وعند استذكار هذا التاريخ، تظهر أسماء نساء تركن بصمات واضحة، ابتداءً من نازك العابد التي شاركت في مقاومة الاحتلال الفرنسي، وصولاً إلى السنوات الأخيرة التي برزت خلالها ناشطات ومدافعات عن قضايا المجتمع والحقوق.

غير أن هذا الحضور لا يعني بالضرورة صراعاً مع القيم الاجتماعية أو خروجاً عليها، إذ إن كثيراً من النساء السوريات ينظرن إلى مشاركتهن في الحياة العامة بوصفها امتداداً طبيعياً لدورهن الاجتماعي، لا بديلاً عنه. فالمشاركة في العمل العام بالنسبة لهن لا تنفصل عن قيم المسؤولية تجاه المجتمع والأسرة معاً.

وفي يوم المرأة العالمي الذي صادف يوم أمس، أعادت بعض المشاهد والنقاشات طرح سؤال قديم يتجدد في كل مرحلة انتقالية: كيف يمكن توسيع حضور النساء في المجال العام وفي مؤسسات القرار، بما يعكس دورهن الحقيقي في المجتمع السوري؟ وأعاد فوق ذلك هذا الأمر للنقاش العام صورة “المرأة الواحدة” التي حضرت مأدبة الإفطار الرمضاني مع الرئيس أحمد الشرع.

لقاء أعاد فتح النقاش

خلال مأدبة إفطار في قصر الشعب جمعت عدداً من الشخصيات السورية مع الرئيس أحمد الشرع، لفت انتباه كثيرين وجود امرأة واحدة فقط بين الحضور.

قد يبدو الأمر عادياً في ظاهره، إلا أن الصورة التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي سرعان ما تحولت إلى مادة للنقاش. فبالنسبة لكثيرين لم يكن الأمر مجرد صدفة، بل انعكاساً لصورة أوسع تتعلق بمكانة النساء داخل المساحات السياسية الرسمية.

وأعاد المشهد إلى الواجهة سؤالاً يتكرر منذ سنوات: لماذا ما يزال حضور النساء محدوداً في اللقاءات الرسمية؟ والأصح أين تمثيلها الحقيقي في مواقع صنع القرار؟

وزاد من حدة النقاش أن الحكومة الحالية تضم وزيرة واحدة فقط، وهو ما أثار عند إعلانها جدلاً مشابهاً حول تمثيل النساء في المناصب العليا. لتتحول هذه الصورة إلى أسئلة يشوبها التوقعات والتبريرات.

لم أتوقع أن أكون المرأة الوحيدة

الناشطة في المجتمع المدني وصال الإبراهيم، وهي من مدينة الرقة، كانت تلك المرأة الوحيدة في اللقاء. تقول إنها لم تكن تتوقع ذلك عندما تلقت الدعوة. فبحسب ما تروي، كانت الدعوات قد تم توجيهها إلى المحافظات المختلفة، وكان من المفترض أن يمثل كل محافظة شخصان على الأقل. لذلك توقعت أن يكون هناك حضور نسائي من مناطق أخرى. لكن بعد وصولها إلى اللقاء اكتشفت أنها المرأة الوحيدة بين الحضور، وهو ما فاجأها بالفعل.

ورغم ذلك حاولت استثمار الفرصة لطرح قضايا تتعلق بالواقع الخدمي والمعيشي، خصوصاً في مدينة الرقة التي عانت دماراً واسعاً خلال الحرب. كما تحدثت عن الحاجة إلى إعادة الإعمار، وعن نقص الخدمات وارتفاع البطالة، إضافة إلى المخاطر الأمنية المستمرة في بعض المناطق بسبب الألغام.

وترى الإبراهيم أن وجود صوت نسائي في مثل هذه اللقاءات يظل مهماً حتى لو كان محدوداً، لأنه يتيح نقل هموم الناس وقضاياهم بشكل مباشر. لكنها تعتقد أيضاً أن ضعف الحضور النسائي قد يكون مرتبطاً بآلية الدعوات نفسها، إذ يبدو أن الترشيحات وصلت عبر المديريات السياسية في المحافظات، وربما لم يرشح عدد كافٍ من النساء.

حضور متأخر داخل المؤسسات

بالنسبة للإبراهيم، فإن المشكلة لا تتعلق بهذا اللقاء وحده. فبرأيها ما يزال تمثيل النساء في المؤسسات الرسمية محدوداً بشكل عام، سواء على المستوى المحلي أو في مؤسسات الدولة. وتضيف أن كثيراً من التعيينات ما تزال تذهب إلى الرجال، رغم وجود كفاءات نسائية قادرة على أداء أدوار قيادية.

وتستعيد الإبراهيم بدايات الثورة السورية لتؤكد أن النساء لم يكنّ بعيدات عن الشأن العام. فقد شاركن في العمل السياسي والمدني، وكنّ جزءاً من الحياة اليومية التي تأثرت بالحرب مثل باقي السوريين.

وتقول إن النساء دفعن ثمناً كبيراً خلال سنوات الصراع، سواء من خلال النزوح أو فقدان أفراد من عائلاتهن أو تحمل أعباء الحياة اليومية في ظل الظروف الصعبة. لذلك ترى أن المرحلة الحالية تحتاج إلى دعم جديد يعيد النساء إلى المجال العام ويشجعهن على المشاركة في العمل السياسي والإداري.

المشكلة ليست في وجود النساء

من جهتها ترى الإعلامية والناشطة براء صليبي أن النقاش حول تمثيل المرأة في سوريا غالباً ما يبدأ من زاوية خاطئة. فبرأيها، المرأة السورية لم تغب يوماً عن المجتمع، بل كانت حاضرة في التعليم والعمل المدني وحتى في النشاط الاقتصادي غير الرسمي الذي ساعد كثيراً من العائلات على الاستمرار خلال سنوات الحرب.

لكن المشكلة الحقيقية، كما تقول، تكمن في موقع هذا الحضور داخل هرم السلطة. فالنساء موجودات بكثرة في مستويات العمل والتنفيذ، لكن وصولهن إلى مواقع القرار يبقى محدوداً. وهذا ما تصفه صليبي بظاهرة “السقف الزجاجي”، حيث تبدو الفرص متاحة نظرياً، لكنها في الواقع تبقى صعبة الوصول.

وترى أن أحد أسباب ذلك يعود إلى النظرة التقليدية التي تضع المرأة في أدوار مساندة أكثر من كونها قيادية، إضافة إلى شبكات النفوذ والتحالفات السياسية التي غالباً ما تُبنى في دوائر مغلقة. وتعتقد أن الحل لا يقتصر على زيادة عدد النساء في المناصب، بل يتطلب تغييراً أوسع في طريقة إدارة الحياة السياسية نفسها.

سياق سياسي لا يمكن تجاهله

الناشطة وعضو الحركة السياسية النسوية نور سلام تنظر إلى القضية من زاوية أوسع. فتقول أنه لا يمكن فصل وضع النساء في سوريا عن السياق السياسي العام الذي تعيشه البلاد. فالحروب والصراعات الطويلة عادة ما تؤثر بشكل مباشر على النساء، سواء من ناحية الأمان أو الحقوق أو المشاركة في الحياة العامة.

وتشير إلى إن الاحتفاء بيوم المرأة العالمي يفقد جزءاً من معناه إذا لم يترافق مع خطوات حقيقية نحو العدالة، خصوصاً لعائلات الضحايا والمفقودين. كما أن كثيراً من السوريات ما زلن يواجهن تحديات أساسية تتعلق بالأمن والاستقرار والحقوق اليومية.

مجلس الشعب وتمثيل المرأة

يبرز الحديث عن تمثيل المرأة أيضاً عند النظر إلى نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة. ففي أول انتخابات تُجرى بعد التحرير، لم تتمكن سوى ست نساء من الفوز بمقاعد في مجلس الشعب، وهو رقم لا يتجاوز أربعة في المئة من إجمالي الأعضاء. كما أن محافظات كبيرة مثل دمشق وحلب لم تشهد فوز أي امرأة، رغم مشاركة نسائية واسعة في الهيئات الناخبة.

الباحثة والمرشحة السابقة كنده الحواصلي ترى أن هذا الضعف يعود إلى عدة عوامل، من بينها شدة المنافسة في أول استحقاق انتخابي بعد سنوات طويلة، إضافة إلى التحالفات المحلية التي يصعب على النساء الانضمام إليها أو اختراقها.

أما الصحفية والمرشحة السابقة هالة القدسي فتشير إلى عامل آخر يتمثل في النظرة المجتمعية إلى دور المرأة في السياسة، والتي ما تزال في بعض الأحيان تحد من فرصها في المنافسة.

الأمان شرط أساسي للمشاركة

إلى جانب مسألة التمثيل السياسي، تبرز أيضاً قضية الأمان كعامل مهم في مشاركة النساء في الحياة العامة. وهنا نستذكر قصة الناشطة والصحفية آلاء المحمد نقلاً عن BBC، حيث عادت إلى سوريا بعد سنوات من الإقامة في تركيا على أمل المشاركة في بناء مستقبل البلاد، وعملت لفترة مستشارة لوزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات.

لكنها غادرت البلاد مرة أخرى بعد تلقيها تهديدات بالقتل بسبب آرائها ومنشوراتها على وسائل التواصل الاجتماعي. وتقول المحمد إنها تلقت تهديدات بسبب خلعها للحجاب، كما وصفت أنها “مرتدة”. وأشارت أن كثيراً من المدافعين عن حقوق الإنسان يشعرون بالقلق من احتمال تهميش النساء في عملية صنع القرار خلال المرحلة المقبلة.

في النهاية، لم يكن حضور المرأة السورية في المجتمع يوماً طارئاً أو هامشياً، بل ارتبط دائماً بقدرتها على التكيّف مع التحولات الكبرى التي مر بها البلد. وخلال سنوات الحرب وما بعدها، تحملت النساء أعباء اقتصادية واجتماعية وإنسانية كبيرة، ما جعل مشاركتهن في المجال العام مسألة تتعلق بواقع المجتمع نفسه لا بمجرد مطالب رمزية.

غير أن النقاش الدائر اليوم لا يتعلق فقط بعدد النساء في المواقع الرسمية، بل بطبيعة هذا الحضور أيضاً. فهناك شريحة واسعة من السوريات اللواتي يرغبن في الإسهام في الحياة العامة ضمن إطار يحترم قيم المجتمع وتقاليده، ويرى في مشاركة المرأة في الشأن العام امتداداً لمسؤوليتها الاجتماعية ودورها في خدمة مجتمعها، لا خروجاً عنه.

وبين حضور نسائي واضح في المجتمع، وتمثيل ما يزال محدوداً داخل مؤسسات القرار، يبقى السؤال مفتوحاً أمام المرحلة المقبلة في سوريا: هل ستتمكن الحياة السياسية من استيعاب هذا الدور المتنامي للنساء وترجمته إلى مشاركة فعلية في صنع السياسات، أم سيبقى حضورهن محصوراً في مساحات رمزية لا تعكس واقع مساهمتهن في المجتمع؟

اقرأ أيضاً: المرأة السورية في مجلس الشعب: نضال تاريخي مستمر لتحصيل الحقوق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى