رواد

صوت حلب الأصيل.. رحلة صبري مدلل من المآذن إلى العالمية

بقلم هلا يوسف

على أرض حلب، التي طالما كانت مهداً للثقافة والفن، نشأت القدود الحلبية التي رفعت راية الفن السوري إلى مصاف الفنون العالمية. ولكن هذا الفن العريق لا يتقن إلا من قبل من يملك أصلاً موسيقياً عميقاً، ومن بين هؤلاء المبدعين الذين استطاعوا أن يرفعوا القدود الحلبية إلى أسمى مراتب الفن كان صبري مدلل. إذ يُعتبر مدلل أحد أبرز شيوخ هذا الفن، وصوته الذي جاب الأفق ليس فقط عبر الأذان في مساجد حلب والشام، بل أيضاً في المناسبات الدينية التي زينتها نغماته. في هذا المقال، نغوص في سيرة حياة هذا الفنان الاستثنائي، الذي ترك بصمته على فنون الطرب والموسيقى الدينية، وأصبح أحد أعلام الفن السوري الأصيل.

وُلد صبري مدلل في عام 1918 في حي المشارقة العريق بمدينة حلب، وتوفي في عام 2007. في عام 1930، اصطحب والده صبري إلى شيخ الكتاب لتعلم تجويد القرآن ضمن حلقة الشيخ أحمد المصري في أحد مساجد حلب الشعبية. ولم يستغرق الشيخ المصري أكثر من درسين أو ثلاثة حتى اكتشف أن لدى صبري حنجرة ذهبية، قادرة على تلاوة القرآن بصوت طويل ونغمات منسجمة. حتى وصل الأمر إلى أن يقف المصلون في فسحة المسجد للاستماع إلى صوت صبري العذب وهو يرتل آيات من القرآن الكريم. عندها أدرك الشيخ المصري أن صبري يمتلك موهبة يجب تنميتها، فاستأذن من والده وأخذ صبري إلى الشيخ عمر البطش، الذي يُعد أحد أبرز مؤسسي المدرسة الحلبية في الغناء. ومن اللحظة الأولى التي صدح فيها صوته عند ترديد الليالي، أعطاه الشيخ البطش أول موشح ليتعلمه، وهو موشح “كحل السحر عيوننا”. حفظه صبري وأجاد غناءه، وبعدها قرر البطش ضمه إلى تلاميذه مقابل نصف ليرة سورية عن كل درس فقط. ركز معه في تعلم الموشحات والمقامات والأوزان الموسيقية.

وخلال تلك الفترة، كان لصبري مدلل حرية اختيار تعلم آلة موسيقية، فتعلم العزف على آلة العود، لكنه فضل الآلات الإيقاعية مثل الدف. ومع التقدم السريع في أداء صبري، قرر أستاذه عمر البطش أن يتوقف عن أخذ أجرة دروسه، وبدلاً من ذلك بدأ يصطحبه معه إلى الحفلات ليغني، بينما كان يعزف خلفه على آلة الرق. كان يحصل على خمس ليرات عن كل حفلة، يعطي عمر البطش منها ليرتين ويأخذ الباقي. ومن ثم، أصبحت شهرة صبري مدلل تملأ أرجاء مدينة حلب.

كان رفع الأذان في المسجد يعد اختبارًا حقيقيًا لأي منشد ديني في بداية طريقه. فإذا استوقف الناس لسماع صوته، كان ذلك يعني إعجابهم به، وبالتالي يمكنه الانتقال إلى عالم الإنشاد. وهذه الطريقة تُسمى “التسميع”، وهي أسلوب ابتكرته المدرسة الحلبية في الغناء، حيث تجمع بين قوة أداء المنشد وبين الصوت العميق والشجي. فكان المنشد يصعد إلى مأذنة المسجد عند الفجر وينشد عددًا من الأذكار والتواشيح. فإذا استيقظ الناس على صوته، كان ذلك دليلاً على اجتيازه للاختبار. وهذا ما فعله صبري مدلل عندما صعد إلى مأذنة جامع “قسطال الحجارين” خمس مرات كل يوم.

ومع تأسيس إذاعة حلب في بداية الأربعينيات من القرن العشرين، والتي تم افتتاحها تزامنًا مع بداية بوادر الحرب العالمية الثانية، انضم صبري مدلل إلى الإذاعة بفضل أستاذه البطش الذي كان قد وظف العديد من الفنانين الذين يقدمون الوصلات الغنائية. وأصبح صبري أحد أعضاء الإذاعة الذين أنشدوا على أثيرها وصلات غنائية تراثية وبعض الأغاني الطربية. لكنه احتج على مدير الإذاعة لأنه كان يتقاضى راتبه الثابت فقط، بينما كان الآخرون يحصلون على أربعين ليرة عن كل حفلة. فطمأنه مدير الإذاعة بأن الأمر يتطلب قرارًا من المدير العام في دمشق. فانتقل صبري إلى دمشق حيث فحصته لجنة تتكون من الفنانين رفيق شكري ويوسف بتروني وعمر نقشبندي وغيرهم. استمعوا إليه وهو يؤدي على أنغام الرصد، ثم أطربهم بموشح “العذارى المائسات”، الذي غناه بتغييرات في النغمات والارتفاع والانخفاض، مما جعلهم يعجبون بأدائه. وأعطاه المدير كتابًا رسميًا يسمح له بالانضمام إلى حفلات الإذاعة، وبدأ اسمه يظهر في إعلانات المجلات.

على الرغم من ذلك، لم يكن والد صبري مدلل يرى له مستقبلاً غنائياً، بل كان يفضله منشداً دينياً فقط. ومع رفضه للغناء في الإذاعة، قرر صبري تأسيس فرقته الخاصة التي تخصصت في إنشاد المدائح النبوية والأذكار الدينية، وأصبحت تقدم حفلات دينية عامة وخاصة.

وكانت “سهرة السبت”، وهو تقليد اجتماعي يقام في البيوت العريقة والكبيرة بحضور نخبة من السميعة، هي الفرصة التي منحت صبري مدلل العودة إلى الغناء الطربي الأصيل. أصبح يغني بصوته الرصين والعميق العديد من روائع سيد درويش والقصبجي وزكريا أحمد، مع إضافة لمسته الخاصة من تلوين الألحان والارتجال بين المقامات والعرب.

ومن أبرز ما ميز أداء صبري مدلل هو قدرته على التحرر من القيود الموسيقية والمدارس الفنية التقليدية، لكنه كان يفعل ذلك بطريقة مدروسة. كان يحوّل الكلمات في حنجرته إلى نغمات مرنة وسلسة تنساب بسهولة إلى الأذن. كما امتاز بقدرته على المزج بين الموشحات الأندلسية والقدود الحلبية. وعلاوة على ذلك، أضاف دخوله إلى عالم الشعر الصوفي بُعدًا صوتيًا آخر. فقد كان لشعر ابن الفارض تأثير عميق في حياته، وانتقاءه للمقاطع الموسيقية التي تتناغم مع قصائده أضاف طابعًا روحانيًا عميقًا على المستمعين.

مع تميز المدرسة الحلبية وتفردها عن المدرسة المصرية والتركية، جذبت الأنظار إليها وأثارت اهتمام الباحثين الأجانب الذين اندفعوا لاكتشاف أسرارها وعوالمها الموسيقية الفريدة. كان من بين هؤلاء الباحثين الموسيقي الفرنسي كريستيان بوخيه، الذي جاء إلى حلب بهدف توثيق أصوات مؤذنيها. وعندما استمع إلى صوت صبري مدلل، أدرك على الفور أنه أمام خامة صوتية نادرة، تشكل جوهرة مخفية يجب أن تخرج من محيطها الضيق إلى الفضاء العالمي. ولشدة إعجابه بهذا الصوت الاستثنائي، دعاه إلى إحياء حفلة في باريس، والتي شكلت نقطة تحول جذرية في حياة صبري. ففي تلك الأمسية، خرج الجمهور الباريسي مدهوشًا، مطالبًا بإعادة إنشاد “أحمد يا حبيبي” عدة مرات، وهو النشيد الذي لحنه الشيخ الجليل منذ نحو ثلاث عقود، وامتاز بمزج الروحانيات بالطرب الأصيل، مما أصاب الحضور بنشوة صوفية أخاذة. وتكررت تلك التجربة مرة أخرى في بداية الثمانينات بدعوة من مهرجان التراث العربي في باريس، حيث تم تسجيل آلاف النسخ من اسطواناته التي سُجلت حقوقها باسمه.

توالت الدعوات بعد ذلك من هونغ كونغ وألمانيا والمغرب وتونس ومصر واليونان. وقد التقى صبري أيضاً مع عازف العود الشهير منير بشير مرتين: مرة في اليونان، ومرة في القاهرة. وعندما التقيا في القاهرة، قال له بشير: “أهلين بالصوت الحلو”، وأخذ صبري بين يديه وقبله، ولا تزال كلماته تلك تتردد في أذنه. وغنى له صبري: “يا عاقد الحاجبين على الجبين اللجين، قتلت غيري مرة، أما أنا فمرتين”.

ورغم هذه النجاحات العالمية، لم يكن صبري مدلل، في واقع الأمر، مهيئاً لتلك التحولات الكبيرة في حياته، وهو في أواخر الثمانينات من عمره. فقد كان قد اعتاد هواء حلب وأزقتها الشعبية، ورائحة توابلها وعطورها. لكن مع تزايد الدعوات التي انهالت عليه من مختلف أنحاء العالم، وتجاوزت حتى “دكان العطارة” الذي كان يديره في وسط حلب القديمة، وجد نفسه في مواجهة تحدٍ حقيقي، ولم يجد مفراً من الاستجابة لهذه المغامرة. فقرر توسيع فرقته لتشمل تختاً شرقياً كاملاً، يرافقه فرقة من راقصي المولوية. وبدأ يجوب العالم بطربوشه المميز وصوته القوي، الذي لم يَخذله الزمن بل زادته الأيام قوة وحلاوة. وكان يعود بعد كل جولة ناجحة إلى دكانه الصغير في حلب، وكأن الشهرة الواسعة التي حققها لم تكن تعنيه على الإطلاق. وفي النهاية، قرر اعتزال الغناء قبل خمس سنوات، تاركاً لابن أخته محمد حمادية مسؤولية إدارة الفرقة التي تحمل اسمه.

وفيما يتعلق بكثرة المغنين والعازفين في حلب، قال الشيخ صبري مدلل: “ذلك يعود إلى كثرة الزوايا التي تنشد فيها الأوراد والأذكار والمدائح”. ومن الجدير بالذكر أن المخرج محمد ملص أخرج فيلماً وثائقياً عن الفنان صبري مدلل، الذي أُطلق عليه لقب “آخر شيوخ الطرب”، لصالح إحدى القنوات الفرنسية.

الفرق بين القدود والموشحات والأذكار

تختلف القدود الحلبية عن الموشحات والأذكار بأنها أغنيات شعبية قديمة تُنقل عبر الأجيال من دون معرفة الملحن الأصلي لها، وهي تشكل منظومات غنائية تأسست على أعاريض وألحان معينة، أي على “قدود” وأغنيات أخرى دينية أو مدنية. يعود أصل “القد” إلى الأغنيات الدينية التي كانت تغنى في حلقات الذكر، ثم جرى استبدال كلماتها الدينية بكلمات غزلية، مع الحفاظ على اللحن الأصلي. لذلك الأغنية مبنية على “قد”، تعني على قدر، أي أغنية شائعة، فتأثرت بشيوعها. يُعتبر “القد” نوع من أنواع الموشحات الخفيفة من الدرجة الثانية، أخف وزناً وأسرع إيقاعاً، وهو يشبه الموشح في شكله الفني. ومن أشهر أمثلة القدود الحلبية: “قد تحت هودجها”، “تعانقنا صار ضرب سيوف”، “يا ويل حالي”، وهي مقتبسة من أغنية دينية كانت تقول: “يا إمام الرسل يا سندي، أنت باب الله معتمدي”. ويقال إن قدود حلب بدأت في حمص، إلا أن أهل حلب حافظوا عليها وطوروها إلى شكلها الحالي.

من أشهر مغني القدود في حلب: صباح فخري، أديب الدايخ، محمد بكري، وصبري مدلل. ومن الممكن تمييز نوعين من القدود: القدود الشعبية، وهي أغنيات قديمة متوارثة عن الأجداد، وغالبًا ما تكون كلماتها أو ألحانها مجهولة المصدر مثل: “عموري”، “يا حنينة”، “برهو”، “ربيتك زغيرون”، و”يا ميمتي”، والقدود المستحدثة مثل “يا طيرة طيري يا حمامة” لأبي خليل القباني، و”سيبوني يا ناس” لسيد درويش، و”الفل والياسمين” للصبري الجريدي، و”نويت أسيبك” لكاميل شمبير. ومن أبرز ما غنّي من القدود الحلبية: “صيد العصاري ياسمك بني”، “تلعب بالمية ولعبك يعجبني”، “سكابا يا دموع العين سكابا”، و”يا مال الشام يا لله يا مالي”. من أبرز ملحني حلب في هذا المجال: عمر البطش، الشيخ علي الدرويش، وبكري الكردي.

كما اشتهرت مدينة حلب بفن الموشح، وابتكرت شكلاً جديداً يختلف عن الموشح الأندلسي في بنيته اللحنية والبناء الشعري. تميزت الموشحات الحلبية بألحانها البسيطة التي تسهل تداولها، مما جعلها تندرج ضمن خانة الغناء الشعبي الراقي. وبرز في حلب عدد من كبار الملحنين لهذا الفن، على رأسهم عمر البطش الذي لحن نحو مئة وثلاثين موشح، وتعد من أجمل ما قدمته الموسيقى العربية في هذا المجال.

أما الأذكار، فهي طقس صوفي يؤدى فيه قصائد دينية ومدائح نبوية وأدعية، تغنى بصيغة المقام، ويصاحبها قرارات مجموعة مؤديي الذكر. تُقام حلقات الذكر في الأضرحة أو المساجد أو البيوت، وتختلف بحسب الشيخ والطريقة المتبعة. فمن أشهر الطرق الصوفية القادرية والرفاعية، وغيرها من الطرق التي تحمل طابعًا روحانيًا وموسيقياً خاصاً.

في الختام، يبقى صبري مدلل رمزاً من رموز الفن السوري الأصيل، حيث نجح في دمج الروحانية بالموسيقى الطربية ليترك بصمة لا تمحى في تاريخ الفن العربي. صوته الأنيق وأداؤه المميز جعل منه أحد أعلام حلب، وترك إرثاً موسيقياً سيظل حاضراً في وجدان الأجيال القادمة.

اقرأ أيضاً: التراث اللامادي في سوريا بين الارتباط بالهوية ومعركة الاندثار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى