ثقافة وتراث

صوت المطرقة في دمشق القديمة يروي حكاية النحاسيات السورية

النحاس الدمشقي حرفة تصنع الذاكرة السورية

بقلم: ريم ريّا

صناعة النحاسيات في سوريا، ولا سيما في دمشق، واحدة من أعرق الحرف التقليدية التي تشكل جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية والاقتصادية للمدينة. فمنذ قرون، تحولت أزقة دمشق القديمة إلى ورش مفتوحة تنبض بصوت المطرقة على النحاس، حيث لم تكن هذه الصناعة مجرد وسيلة للرزق، بل فناً متوارثاً يحمل بصمات الحرفي وخبرته وذائقته الجمالية. ومع أن النحاسيات ارتبطت بالحياة اليومية للسوريين، من أدوات المطبخ إلى الزخارف المعمارية، فإنها اليوم تمثل ذاكرة حية لتراث عميق يواجه تحديات الحداثة وتراجع الحرف التقليدية، ما يطرح تساؤلات حول سبل حمايته واستمراره.

تاريخ صناعة النحاسيات في دمشق

تاريخ صناعة النحاسيات في دمشق عريق جداً، يعود للألف الثانية قبل الميلاد، وازدهرت كحرفة تراثية رئيسية في دمشق، التي أصبحت مركزاً لهذه الصناعة، وتشتهر بـ “سوق النحاسين” وتتميز بتقنيات النقش والتفريغ. كما أن تاريخ سوق النحاسين إلى نحو 300 سنة، وكان يقع في منطقة السنجقدار، أما اليوم فهو في شارع الملك فيصل قبالة “سوق المناخلية”، ويضم سوقين ضيقين متجاورين، ويعتبر من أقدم أسواق المدينة.

تعد حرفة النحاسة من أقدم الصناعات التقليدية في سوريا، وتعود إلى الألف الثانية قبل الميلاد، وازدهرت في بلاد الشام، حافظ صناعها على تقاليدها القديمة، وطوروا أدواتها لتناسب احتياجات العصر، لكن واقع اليوم يهدد بزوالها في حال استمر غياب الدعم والإهمال. لكن رغم كل شيء هذه التحف تلقى رواجاً اليوم لتزيين مكاتب المنازل، وبعضها يُزيّن بخيوط ذهبية وفضية.

قبل الحرب والحصار، كانت هذه القطع تُصدر إلى الخارج، وتعرض في السفارات والمضافات العربية، وقبل اندلاع الثورة في عام 2011، كان هناك أكثر من 2000 حرفي متقن لهذه الصناعة.

اقرأ أيضاً: صناعة العود الدمشقي بين التمسك بالبقاء وحمى الاندثار

تأثير الحرب على صناعة النحاسيات وخسائرها

الحرب في سوريا لم تترك زقاقاً ولا ورشة بلا أثر، وصناعة النحاسيات كانت من بين الحرف التقليدية التي طالتها نيران الحرب ودفعت ثمن الصراع السوري. قبل الحرب كان لورشات النحاس في العاصمة دمشق حضور لافت وقوي في الأسواق الشعبية، وكانت تصدر بعض القطع كمنتج تراثي إلى آخر البلاد.

مع تصاعد العنف، تعطلت سلاسل الإمداد بالمواد الخام، وتدفق الزبائن المحليين والسياح قد تراجع، ما أدى إلى إغلاق العديد من الورش. الحقيقة لا تقديرات رسمية بحجم الخسائر لكن وفق التقارير الإعلامية ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعي فإن حجم الخسائر كان كبيراً جداً، وانخفض تبعاً لذلك إنتاج ورش النحاس إلى حد كبير بسبب ارتفاع الكلفة وتزايد المنافسة من المنتجات البلاستيكية والمستوردة، رغم أنها لا تقارن بالنحاس ولا من أي جانب. ونتيجة تصاعد الوضع الاقتصادي وما أصاب المهنة اضطر بعض الحرفيين للتحول إلى أعمال أخرى أو تقليص حجم العمل إلى مشغولات صغيرة.

بالنسبة للمهتمين بالتراث السوري، خسائر صناعة النحاسيات ليست مجرد أرقام، بل فقد حقيقي لجزء من نسيج المدينة العتيق، فالنحاس كان له صداه في أغلب أزقة دمشق وكل نقش عليه يحمل حكاية دمشقية عريقة. فقد طور الدمشقيون هذه الحرفة، وأضافوا عليها الزخارف والنقوش النباتية والهندسية، وأدخلوا فيها عروقاً من الفضة أو الذهب. كما أن هذه الصناعة تحتاج الكثير من الصبر والدقة والحرفية، إذ تعتمد بشكل كبير على الخط والرسم الزخرفي، حتى باتت من أجمل ما زُيّنت به القصور الدمشقية التاريخية العريقة، والكنائس والمساجد، من ثريات وفوانيس نحاسية.

المخاوف من اندثار الحرفة تلاحق الدمشقيين

تتطلب صناعة قطعة نحاسية واحدة أكثر من أسبوع من العمل الشاق، وتتسبب في أضرار صحية للعاملين فيها، أبرزها ضعف السمع بسبب الطرق المستمر، وآلام في الظهر واليدين. ومع ذلك، ينسى الحرفيون ألمهم عندما ينتهون من العمل، ويتأملون النقوش التي رسموها، والتي تتنوع بين آيات قرآنية ونقوش عربية ومجسمات للجِمال والخيول والغزلان.

لكن لا يخفي حرفيو النحاس قلقهم على مستقبل مهنتهم، فالنحاس ليس مجرد معدن بل لغة لحياتهم اليومية. أحد حرفيي المهنة يقول أن “طلب المطاعم ومحلات الفول على القطع النحاسية لم يختفِ، لأن الطعم والمظهر والصوت عند التقليب في قدور الفول له نكهة خاصة لا يضاهيها الألومنيوم أو البلاستيك”.

في حين يقول حرفي آخر، أن الزبائن الذين يعرفون قيمة النحاس يأتون خصيصاً لشراء الأواني، وما زال البعض يفضل النقش على الصواني النحاسية لأنه جزء من الإرث الدمشقي. لكن رغم ذلك، يشعر العديد من الحرفيين أن الجيل الجديد أقل اهتماماً بالحرفة بسبب صعوبة العمل، انخفاض الأجور مقارنة بالمخاطر المهنية، وانتشار المواد الرخيصة في الأسواق، ما يجعل مستقبل النحاسيات مرهوناً بإعادة التقدير الثقافي والاقتصادي لهذه الصناعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى