أعمال واستثمار

صندوق النقد ومصر في يوم واحد: هل بدأت مرحلة التحديث والشراكات؟

الكاتب: أحمد علي

شهدنا مؤخراً بعثة من صندوق النقد الدولي تناقش مع وزارة المالية السورية تحديث الضرائب والجمارك، ومسؤولون مصريون يتحدثون من معرض بيلدكس في دمشق عن إعادة الإعمار ومنطقة صناعية كبيرة. خبر فني هنا، وخبر استثماري هناك، لكن الجمع بينهما يطرح سؤالاً واحداً: هل تدخل سوريا مرحلة عنوانها تحديث أدوات الدولة وفتح باب الشراكات الإنتاجية؟

السؤال لا يحتمل جواباً سريعاً، فالبلد الذي يحتاج، وفق تقدير البنك الدولي، إلى نحو 216 مليار دولار لإعادة بناء أصوله المتضررة، لا ينتقل إلى التعافي بمجرد اجتماع مع صندوق النقد أو تصريح عن منطقة صناعية. لكن الخبرين يكشفان اتجاهين لا يمكن فصلهما. الأول يقول إن الدولة تحتاج إلى إدارة مالية قادرة على التحصيل والإنفاق والرقابة. والثاني يقول إن إعادة الإعمار تحتاج إلى شركاء ومصانع وعمل، لا إلى وعود عامة فقط.

صندوق النقد ومصر: خبران أم اتجاه واحد؟

في الثالث عشر من حزيران 2026، نشرت وكالة سانا أن وزير المالية محمد يسر برنية بحث مع بعثة من دائرة شؤون المالية العامة في صندوق النقد الدولي تعزيز التعاون الفني في إصلاح وتحديث الإدارة الضريبية والجمركية. لم يكن الحديث عن قرض. العنوان العملي كان أوضح: تحديث النظامين الضريبي والجمركي، تحسين الامتثال والتحصيل، تبسيط الإجراءات، الاستفادة من الخبرات الدولية في التحول الرقمي، وتطوير الإطار المؤسسي للإدارات الضريبية والجمركية.

هذه مفردات تبدو جافة. لكنها ليست كذلك. الضرائب والجمارك هما المكان الذي تلتقي فيه الدولة بالسوق كل يوم. إذا كانت القاعدة غامضة، يدفع المنتج الصغير أكثر مما يستطيع، ويفلت القوي بما يستطيع. وإذا كانت الجمارك بطيئة وغير واضحة، تصبح التجارة كلفة إضافية، لا قناة إنتاج. لذلك فإن إصلاح هذا الباب لا يعني زيادة الإيراد فقط، بل يعني تحديد العلاقة بين الدولة والمكلف والمستورد والمنتج.

في اليوم نفسه تقريباً، ومن أجنحة معرض بيلدكس الدولي في دمشق، قال القائم بأعمال السفارة المصرية محمد عمر عبد العزيز الفقي إن مصر تتطلع إلى توسيع التعاون مع سوريا، خصوصاً في إعادة الإعمار. وفي التصريحات ذاتها، أعلن هيثم حسين، رئيس مجلس إدارة مجمع مصر الصناعي، عن توجه لإنشاء منطقة صناعية كبيرة في سوريا خلال المرحلة المقبلة، تركز على الصناعات الغذائية والنسيجية والزراعية، إضافة إلى الصناعات المرتبطة بإعادة الإعمار، مع حديث عن اجتماعات مقبلة مع جهات حكومية سورية لبحث تنفيذ مشاريع مشتركة.

هنا تصبح الصورة أوضح. صندوق النقد يتحدث عن الأدوات، ومصر تتحدث عن الشراكة. الأول يذهب إلى بنية الدولة المالية، والثاني إلى بنية الإنتاج. وبين الاثنين يقع الاختبار الحقيقي. لا يكفي جذب مستثمر إذا كانت الإدارة بطيئة أو غير شفافة. ولا يكفي تحديث الجمارك إذا لم توجد حركة إنتاج وتجارة تعطي هذا التحديث معنى.

التحديث ليس كلمة جميلة

كلمة التحديث تتعرض للاستهلاك سريعاً. كل حكومة تستطيع أن تقول إنها تحدث مؤسساتها. لكن التحديث في الحالة السورية له معنى ملموس جداً. يعني أن تعرف الدولة ما يدخل خزائنها، ومن أين، وبأي قانون. يعني أن تقل مساحة التقدير الشخصي في الجمارك والضرائب. يعني أن تصبح المعاملة أوضح، والزمن أقصر، والكلفة أقل، والرقابة أقوى. هذا ليس ترفاً إدارياً.

صندوق النقد كان قد عاد إلى دمشق في حزيران 2025 في أول بعثة منذ عام 2009، وضمّت تلك البعثة ثمانية خبراء من خمس دوائر، شملت المالية العامة، والإحصاء، والشؤون النقدية وأسواق المال، والشؤون القانونية، ودائرة الشرق الأوسط. امتد عملها خمسة أيام، وركزت على المالية العامة، الإصلاح الضريبي والجمركي، إدارة الدين العام، الإحصاء، الإصلاح النقدي والمصرفي، الرقابة المصرفية، الاستقرار المالي، وسياسات النزاهة المالية ومكافحة غسل الأموال.

في شباط 2026، قال الصندوق إن الاقتصاد السوري يواصل إظهار علامات تعاف، وإن النشاط ازداد خلال الأشهر الأخيرة، بدعم من تحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين، وعودة لاجئين، وزيادة الكهرباء، وعودة تدريجية للاندماج الإقليمي. لكنه أشار أيضاً إلى مسائل لا يمكن تجاوزها، بينها الحاجة إلى حماية الإنفاق الاجتماعي، وتحسين شفافية الإنفاق العام، وتقييم المشاريع الاستثمارية الكبرى، واحتواء الالتزامات المحتملة على المالية العامة.

هذه النقطة مهمة. المساعدة الفنية لا تعني شهادة نجاح مفتوحة. هي تعني أن المشكلة معروفة: دولة خرجت من حرب طويلة، بمؤسسات ضعيفة، وحاجات هائلة، وسوق تريد أن تتحرك بسرعة. إن لم تلحق القوانين والإدارات بهذه الحركة، سيولد الاستثمار في بيئة مضطربة. وعندها تصبح الشراكة باباً للربح السريع، لا لإعادة بناء الاقتصاد.

الشراكات لا تعوض الدولة

معرض بيلدكس يعطي مثالاً على اندفاع السوق نحو ملف الإعمار. الدورة الرابعة والعشرون انطلقت في العاشر من حزيران 2026 على أرض مدينة المعارض بدمشق، وتحدثت سانا عن مشاركة 710 شركات و1400 علامة تجارية من 51 دولة، بينها مشاركة مباشرة من 20 دولة. الرقم لافت. لكنه لا يكفي وحده. كثافة الحضور في معرض لا تعني أن الإعمار بدأ فعلاً، لكنها تقول إن السوق يراقب، ويختبر، وينتظر شروط الدخول.

في هذا المعنى تأتي الفكرة المصرية عن منطقة صناعية كبيرة في سوريا. إن تحولت إلى مشروع حقيقي، فهي قد تضيف أكثر من مجرد حضور تجاري. الصناعات الغذائية والنسيجية والزراعية قريبة من حاجات السوق السورية، وقادرة على تشغيل يد عاملة واسعة، وربط الإنتاج المحلي بسلاسل توريد عربية. أما الصناعات المرتبطة بإعادة الإعمار، فقد تكون جزءاً من خفض كلفة البناء إذا جرى إنتاج مواد أو تجهيزات داخل البلاد بدلاً من استيرادها كلها.

لكن الشراكة لا تعوض الدولة. هذه قاعدة أولى. المستثمر يريد ربحاً، وهذا طبيعي. أما الدولة فعليها أن تحدد المصلحة العامة، وتضع شروط العمل، وتحمي المنافسة، وتمنع تحويل المناطق الصناعية إلى امتيازات مغلقة. لا بد من أرض واضحة الملكية، طاقة متاحة، نقل، جمارك مفهومة، ضرائب لا تتغير كل شهر، وقضاء أو تحكيم قادر على حل النزاعات. من دون ذلك تصبح المنطقة الصناعية إعلاناً طموحاً أكثر مما هي مشروعاً قابلاً للحياة.

الرقم الكبير الذي وضعه البنك الدولي، 216 مليار دولار، يشرح حدود أي تفاؤل سريع. تكلفة الإعمار المقدرة تتوزع بين 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 ملياراً للمنشآت غير السكنية، و82 ملياراً للبنية التحتية. كما قدّر البنك أن الأضرار المادية المباشرة بلغت 108 مليارات دولار، وأن البنية التحتية شكلت 48 في المئة من هذه الأضرار. هذه ليست فجوة تمويل فقط. إنها فجوة إدارة، وقدرة تنفيذ، وترتيب أولويات.

لذلك تبدو دلالة يوم صندوق النقد ومصر في مكان آخر. ليست في أن سوريا حصلت على حل، بل في أن طريق الحل بدأ يأخذ شكلين متلازمين. تحديث مؤسسات الدولة من الداخل، وفتح شراكات إنتاجية من الخارج. الأول بلا الثاني قد يتحول إلى إصلاح ورقي. والثاني بلا الأول قد يتحول إلى فوضى مصالح.

المسألة الآن في التنفيذ. هل سيترجم التعاون مع صندوق النقد إلى نظام ضريبي وجمركي أبسط وأكثر عدالة؟ هل ستتحول التصريحات المصرية إلى اتفاقات واضحة، ثم إلى أرض ومصانع وفرص عمل؟ هل ستكون الشراكات جزءاً من إعادة بناء الإنتاج، أم مجرد حضور موسمي في المعارض؟

الجواب لن يأتي من البيانات. سيأتي من الشباك الجمركي، ومن فاتورة الضريبة، ومن رخصة المصنع، ومن عدد العمال الذين يدخلون إلى مشروع جديد ولا يخرجون منه بعد شهر. عند هذه التفاصيل فقط يمكن القول إن مرحلة التحديث والشراكات بدأت فعلاً. أما قبل ذلك، فنحن أمام إشارة مهمة، لا أكثر. لكنها إشارة لا ينبغي إهمالها.

اقرأ أيضاً: الصندوق السيادي السوري: هل يتحول من مؤسسة مالية إلى “محرّك سياسي للتعافي”؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى