مقالات

صندوق النقد ودمشق.. الإصلاح الذي يهدد بكسر المجتمع قبل إنقاذ الاقتصاد

مقال رأي – د. مشهور سلامة – صندوق النقد ودمشق.. الإصلاح الذي يهدد بكسر المجتمع قبل إنقاذ الاقتصاد

في الأسابيع الأخيرة، عاد الحديث بقوة عن زيارة بعثة صندوق النقد الدولي إلى دمشق، وما تحمله من إشارات حول بدء مرحلة جديدة من “الإصلاح الاقتصادي” في سوريا. للوهلة الأولى، يبدو الأمر وكأنه خطوة ضرورية لإعادة هيكلة الاقتصاد السوري واستعادته للاستقرار المالي، لكن خلف الشعارات التقنية تكمن معضلة عميقة تتجاوز الأرقام إلى جوهر السياسة والحوكمة.

بين الصندوق والبنك الدولي: شراكة تكاملية… ولكن!

تقليديًا، يتحرك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ضمن علاقة تكاملية واضحة:

فالأول يركّز على استقرار الاقتصاد الكلي من خلال سياسات مالية ونقدية قصيرة الأمد — ضبط العجز، إصلاح سعر الصرف، وإدارة الديون — بينما الثاني يهتم بالمشروعات التنموية طويلة الأجل في البنية التحتية، والتعليم، والصحة، والقطاعات الإنتاجية.

لكن في الحالة السورية، لا تكمن المشكلة في توصيات المؤسستين بحد ذاتها، بل في البيئة التي يُراد تطبيقها فيها. فالإصلاح المالي في بيئة يغيب فيها الحد الأدنى من الحوكمة والشفافية، قد يتحول من علاج إلى جرح جديد يفتح أزمات اجتماعية واقتصادية يصعب التنبؤ بنتائجها.

إصلاحات تقنية في بيئة سياسية هشة

سوريا اليوم تعاني من ضعف مؤسسي بنيوي واضح:

وزارات الاقتصاد والمالية والمصرف المركزي والأجهزة الرقابية تعمل ضمن منظومة تفتقر للاستقلالية، وتُدار غالبًا بمنطق سياسي أكثر من كونه اقتصاديًا. كما أن الفساد الإداري والمالي لا يزال متجذرًا، ما يجعل أي محاولة إصلاحية عرضة للالتفاف أو التسييس.

الأخطر من ذلك هو غياب الكوادر القادرة على التفاوض الفني مع صندوق النقد، لا سيما أن نجاح برامج الإصلاح في أي دولة يعتمد على قدرة الحكومات على التفاوض، لا على الامتثال الأعمى. فغياب الرؤية الوطنية في التفاوض قد يجعل شروط الصندوق تُطبق بحرفيتها دون مراعاة للواقع الاجتماعي الهش.

القطاعات والفئات تحت الضغط

الإصلاحات الاقتصادية عادة ما تبدأ بوقف الدعم ورفع الأسعار وتحرير سعر الصرف. في الحالة السورية، ستكون القطاعات الأكثر تضررًا هي الزراعة، والصناعات الصغيرة والمتوسطة، والتجارة الداخلية، والخدمات.
أما جغرافيًا، فسيدفع الريف الزراعي الثمن الأكبر نتيجة فقدان الدعم وارتفاع تكاليف الإنتاج، فيما ستشهد المدن الكبرى موجات ركود وغلاء معيشة متزايدة. وهكذا، يتحمل الفقراء ومحدودو الدخل فاتورة الإصلاح، بينما يبقى أصحاب النفوذ محصنين.

الخصخصة الفوضوية: خطر موازٍ

من المخاطر المقلقة كذلك التوجه المتسارع نحو الخصخصة لتغطية العجز المالي. فبدلًا من تطوير القطاع العام وتحسين كفاءته، هناك من يدفع نحو بيع الأصول العامة — الموانئ، الكهرباء، شركات الاتصالات — في غياب الضوابط والرقابة.
هذا النمط من “الخصخصة التشغيلية” قد يتحول إلى باب لنهب الموارد العامة، ما يخلق طبقة احتكارية جديدة تسيطر على الاقتصاد وتعمق فجوة الثروة.

الطريق إلى إصلاح حقيقي

إذا كان لا بد من التعاون مع صندوق النقد الدولي، فإن ذلك يجب أن يتم ضمن شروط وطنية واضحة، أهمها:

  1. بناء شبكات حماية اجتماعية فعّالة قبل أي إجراءات تقشفية.
  2. تعزيز الشفافية في إدارة الأصول العامة.
  3. تطوير مؤسسات الرقابة واستقلال القضاء.
  4. إشراك المجتمع المدني في مراقبة التنفيذ.

الإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد البنود المنفذة، بل بمدى قدرة الدولة على حماية مجتمعها أثناء التنفيذ. فالتجارب في اليونان والأرجنتين تؤكد أن الإصلاحات المالية دون عدالة اجتماعية تؤدي إلى انفجار اقتصادي يليه انهيار اجتماعي.

الإصلاح لا يعني العقاب

في النهاية، السؤال ليس ما إذا كانت سوريا بحاجة إلى إصلاح اقتصادي — فالجواب نعم بلا شك — بل كيف ومتى وبأي ترتيب.

الإصلاح في بيئة فاسدة بلا حوكمة هو كمن يصبّ الدواء في جرح مفتوح. المطلوب هو إصلاح بيئة الإصلاح نفسها: مؤسسات شفافة، بيانات دقيقة، وعدالة اجتماعية.

حينها فقط يمكن أن يصبح التعاون مع صندوق النقد فرصة إنقاذ، لا أداة عقاب.

اقرأ أيضاً: زيارة مجلس الأمن إلى سوريا وأسئلتها المفتوحة.. كل ما يجب معرفته!

—————————————————————————

يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى