سياسة

هل الانفتاح على صندوق النقد أمر يبشر السوريين بالخير؟!

الكاتب: أحمد علي

تبدّل وجه سوريا السياسي والاقتصادي دفعة واحدة حين طويت صفحة حكم الأسد واستلم الرئيس أحمد الشرع السلطة في بلد أنهكته الحرب والعزلة، وسقوط السلطة لحظة بدأ فيها السوريون يفتحون دفاتر السنوات الثقيلة بكل ما فيها من الدمار، النزوح، العملة المنهارة، والاقتصاد الذي عاش لوقت طويل على حافة الانهيار الكامل. وفي هذه اللحظة، برز اسم صندوق النقد الدولي في سوريا كأحد العناوين الجديدة في يوميات السوريين، بين من يراه باباً للإنقاذ ومن يخشاه بوصفه وصفة ثقيلة الثمن.

منذ 8 كانون الأول 2024 وحتى تشرين الثاني 2025، تشكّل مسار مختلف تماماً لعلاقة سوريا بالعالم، إذ حاولت السلطة الجديدة التحرك على خط المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد، بحثاً عن اعتراف سياسي غير مباشر، ودعم فني يواكب مرحلة إعادة ترتيب البيت الاقتصادي الداخلي.

في الشارع، كان السوريون يتابعون هذه التطورات بمزيج من الأمل والحذر، فمن جهة، هناك رغبة في الخروج من العزلة التي خنقت البلاد لسنوات، ومن جهة أخرى، هناك خوف من أن يتحول الانفتاح على المؤسسات المالية الدولية إلى عبء جديد يضاف إلى سلسلة الأعباء اليومية التي أثقلت حياة الناس.

صندوق النقد الدولي في سوريا

في الأشهر الأولى بعد تولّي أحمد الشرع الحكم، اتخذت علاقة صندوق النقد الدولي بسوريا شكلاً حذراً ومدروساً، أذ صدرت تصريحات من قيادة الصندوق تتحدث عن متابعة دقيقة للتطورات في دمشق، واستعداد للتعامل مع الحكومة الجديدة متى توفرت خارطة إصلاح واضحة وبيانات موثوقة عن الوضع الاقتصادي.

بالتوازي، بدأت الحكومة السورية تبعث بإشارات سياسية وإعلامية تعلن فيها استعدادها لفتح ملفات المالية العامة والديون والدعم، والتعامل مع الأسئلة التي جرى تجنّبها لسنوات.

وهذا التلاقي بين استعداد الحكومة وإشارات الصندوق دفع العلاقة إلى مستوى أعلى، وتحوّل التواصل غير المباشر إلى لقاءات رسمية على هامش فعاليات دولية، ثم إلى زيارات متبادلة لفرق فنية ومسؤولين، وصولاً إلى حضور واضح لعبارة صندوق النقد الدولي في سوريا في خطاب الوزراء والمسؤولين عند الحديث عن إعادة هيكلة الاقتصاد.

خلال هذا العام، انتقل الطرفان من مرحلة الجسّ المتبادل للنبض إلى رسم ملامح مسار تعاون طويل، مع إدراك واضح أن الطريق لن يكون سهلاً أو سريعاً.

سقوط الأسد وتبدل المشهد

سقوط الأسد لم يكن حدثاً معزولاً عن الواقع الاقتصادي، بل جزءاً من مشهد أوسع لانهيار نموذج حكم استنزف موارد الدولة وقادها إلى تضخّم قياسي وعملة منهارة وخدمات عامة في أسوأ حالاتها. فحين وصل الشرع إلى السلطة، وجد أمامه بلداً يعيش على المساعدات والتحويلات، وقطاعاً مصرفياً هشاً، ودولة مثقلة بالفساد والإدارات المترهلة.

الاستجابة الأولى جاءت عبر تشكيل فريق اقتصادي أقرب إلى الطابع التقني، واختيار وجوه تتمتع بحد أدنى من المصداقية لدى الشركاء الخارجيين، والهدف هو بناء ثقة أولية تسمح بفتح قنوات مع العواصم المؤثرة وصندوق النقد والبنك الدولي.

تحرّكت دمشق باتجاه دول الخليج وأوروبا، وشاركت في اجتماعات إقليمية ودولية قدّم فيها المسؤولون السوريون تصورهم الأولي لإعادة الإعمار وإصلاح المالية العامة، وفي هذه الفعاليات، كان حضور الصندوق لافتاً، بوصفه الطرف القادر على ربط سوريا مجدداً بشبكة التمويل الدولي إذا نجحت في إثبات جديتها.

بعثات فنية داخل دمشق

النقلة النوعية ظهرت حين قررت إدارة الصندوق إرسال بعثة فنية إلى دمشق للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، ولم يكن الحديث بعد عن قروض أو برامج تمويل، بل عن محاولة لرسم صورة دقيقة لوضع الاقتصاد السوري من الداخل. إذ زار خبراء الصندوق وزارة المالية والمصرف المركزي وهيئات الإحصاء، واستمعوا إلى شرح تفصيلي عن الموازنة، والعجز، وحجم ديون الدولة، وطبيعة الدعم المقدم للوقود والخبز والكهرباء.

وخرجت البعثة الأولى بتفاهم على خارطة طريق تقنية تشمل تحديث النظام الضريبي، تحسين شفافية الموازنة، إعادة النظر في دور المؤسسات الاقتصادية المملوكة للدولة، وتقوية موقع المصرف المركزي في رسم السياسة النقدية.

لاحقاً، جاءت بعثة ثانية أكثر جرأة في أسئلتها وتوصياتها، فلم يعد النقاش محصوراً في تشخيص المشكلات، بل امتد إلى تفاصيل موازنة العام التالي، وترتيب أولويات الإنفاق، والبحث عن مجال واقعي لزيادة الإنفاق الاجتماعي مع ضبط العجز.

في هذه المرحلة، يبدو أن وجود صندوق النقد الدولي أصبح في سوريا جزءاً من المشهد اليومي لصناعة القرار الاقتصادي، من خلال ورش العمل، والاستشارات الفنية، وتبادل الوثائق بين دمشق ومقر الصندوق، ورغم أن الطريق إلى برنامج تمويل رسمي لم يكتمل بعد، فإن البنية المؤسسية للعلاقة وضعت أسسها الأولى خلال هذا العام.

هل الانفتاح على صندوق النقد أمر يبشر السوريين بالخير؟

عند هذه النقطة يبرز سؤال مهم ولا يمكن تجاهله: هل انفتاح الدولة على صندوق النقد يعني تلقائياً أن السوريين مقبلون على مرحلة أفضل، أم أن التجارب السابقة في دول أخرى تحذّر من التفاؤل الزائد؟

النظر إلى تجارب دول عديدة تعاملت مع الصندوق يكشف صورة معقّدة، في مصر مثلاً، دخلت الحكومة في أكثر من برنامج مع صندوق النقد خلال العقد الأخير، رُفعت معه أسعار الوقود، وتحرّر سعر الصرف أكثر من مرة، وتعرّضت العملة لانخفاضات قاسية، وارتفعت معدلات التضخّم بشكل كبير.

صحيح أن الحكومة المصرية حصلت على قروض ودعم خارجي، لكن المشاكل البنيوية في الاقتصاد، مثل ضعف الإنتاجية، وضعف التصنيع، واعتماد شرائح واسعة من المجتمع على الأجور المحدودة لم تُحلّ، كثير من المصريين شعروا أن ثمن الإصلاحات سقط على كاهل الفئات المتوسطة والفقيرة أكثر من غيرها.

الأمر ذاته يمكن ملاحظته في دول أخرى لجأت إلى الصندوق، حيث شملت الوصفات غالباً تخفيض الدعم، ورفع أسعار الخدمات، وتقييد التوظيف في القطاع العام، وزيادة الضرائب بطريقة أو بأخرى.

وفي بعض الحالات تحسّنت مؤشرات رقمية مثل عجز الموازنة أو احتياطي النقد الأجنبي، لكن ذلك لم يُترجم دائماً إلى تحسّن ملموس في حياة الناس، بل أحياناً إلى سنوات صعبة من الغلاء وتراجع القدرة الشرائية.

لهذا السبب، لا يمكن القول إن الانفتاح على صندوق النقد الدولي في سوريا يبشر السوريين بالخير تلقائياً، فما يقدّمه الصندوق هو إطار تقني ومجموعة أدوات وسياسات، لكن كيفية استخدام هذه الأدوات هي مسؤولية الحكومة السورية نفسها، ومن دون رؤية وطنية واضحة، وآليات فعّالة لحماية الشرائح الأضعف، ومواجهة جدّية للفساد وتضارب المصالح، يمكن أن تتحول برامج الإصلاح إلى عبء يضاعف ألم الناس بدلاً من أن يخفّفه.

النتيجة الواقعية إذن هي أن الانفتاح على صندوق النقد ليس ضمانة لخيرٍ محتّم، بل خيار عالي الكلفة قد يحمل فرصاً ومخاطر في آن واحد، وربما المخاطر أكبر من الفرص، وإذا كان السؤال المطروح هو: هل يبشّر هذا الانفتاح السوريين تلقائياً بالخير؟ فالإجابة الأقرب إلى الحقيقة هي: لا، ما لم تُصغ الدولة سياساتها بما يضع مصلحة المجتمع قبل أي أرقام على الورق، ويجعل من وجود صندوق النقد الدولي في سوريا أداة مساندة لا بديلاً عن القرار الوطني المستقل.

اقرأ أيضاً: «ساخر» يتساءل: هل ستلوي الحكومة السورية يد صندوق النقد الدولي؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى