أعمال واستثمار

صناعيو حلب.. احتجاج صامت وأولويات محتلفة عن المذكرات الجديدة

بقلم: ريم ريّا

في 26 شباط الفائت، تم توقيع أربع مذكرات تفاهم لإنشاء وتطوير مناطق صناعية جديدة في محافظة حلب، بحضور وزير الاقتصاد والصناعة والسفير التركي وعدد من الفعاليات الاقتصادية. وقد قُدمت هذه الخطوة بوصفها مؤشراً عملياً على دعم التعافي الصناعي وتعزيز البيئة الاستثمارية في المحافظة، في سياق حديث رسمي متكرر عن رفع الجاهزية الإنتاجية وتوسيع فرص العمل.

غير أن هذه الخطوة، رغم ما تحمله من طموح استثماري، أثارت تساؤلات حقيقية داخل الوسط الصناعي الحلبي. فبينما تتجه الحكومة نحو رسم خارطة صناعية جديدة، يرى عدد من الصناعيين أن الأولوية يجب أن تكون مختلفة، وتنحصر في: دعم المصانع القائمة، ومعالجة المشكلات التشغيلية المتراكمة، وإعادة تأهيل المناطق الصناعية التي ما تزال تعاني من اختناقات بنيوية وخدمية. ومن هنا يتشكل جوهر النقاش القائم في حلب اليوم، هل يبدأ التعافي الصناعي بالتوسع، أم بإصلاح الأساس القائم؟

ما مضمون المذكرات الموقعة بين حلب والشركات التركية

وفقاً لما أعلنته محافظة حلب ووزارة الاقتصاد والصناعة، تضمنت مذكرات الاتفاقيات الأربع مشاريع لإنشاء منطقة صناعية متنوعة في المحافظة.

الاتفاقية الأولى، تتضمن إنشاء منطقة صناعية متخصصة بصناعة الأثاث في منطقة جبرين شرقي حلب، بمساحة تتجاوز 20 هكتاراً مع قابلية للتوسع مستقبلاً. أما الاتفاقية الثانية، استهدفت تطوير منطقة صناعية قائمة داخل الشيخ نجار، في حين جاءت المذكرة الثالثة مع شركة “تكوين وإنماء” السعودية لتطوير مشروع صناعي متكامل ضمن الشيخ نجار على مساحة تقديرية تقارب 32.79 هكتاراً، رهن استكمال الدراسات والموافقات النظامية. أما المذكرة الرابعة، فقد تضمنت اتفاقاً مع شركة “إسرى” التركية لتطوير حدائق صناعية في بلدة الكمونة بريف حلب الشمالي الغربي. ووفق بيانات الوزارة.

هذه المذكرات لا تقتصر على تخصيص الأراضي، بل تشمل أيضاً إعداد دراسات فنية واقتصادية وبيئية، ووضع مخططات تنظيمية، وتطوير بنية تحتية حديثة، فضلاً عن اقتراح نماذج حوكمة وإدارة تشغيل تعتمد صيغ شراكة استثمارية متقدمة. بهذا، تسعى الجهات الرسمية إلى تقديم صورة عن مشروع صناعي متكامل يقوم على تحديث الإدارة وتعظيم القيمة المضافة للصناعة الوطنية.

اقرأ أيضاً: حلب تعيد تشغيل محركاتها.. أربع مذكرات تفاهم تضع المناطق الصناعية على طاولة الاستثمار

أبرز ما قاله الصناعيون وأهم مطالبهم

عبر عدد من الصناعيين في حلب عن موقفهم حيال المذكرات. مؤكدين أن القطاع الصناعي ما يزال يواجه تحديات جوهرية تجعل أي توسع جديد محفوفاً بالمخاطر ما لم يعالج الواقع القائم أولاً. وأشاروا إلى ارتفاع أسعار الكهرباء، والمواد الأولية، والانقطاعات المتكررة في الخدمات، وضعف البنية التحتية في بعض المناطق الصناعية.

إلى جانب، حوادث سرقة المعدات والمنشآت، بوصفها معوقات يومية تؤثر بشكل مباشر على استمرارية العمل. كما اعتبروا أن التحديات اللوجستية والإدارية، وارتفاع تكاليف التشغيل، تشكل عبئاً إضافياً على المصانع القائمة، لا سيما تلك المتوقفة أو المهددة بالتوقف.

من وجهة نظرهم، فإن تعزيز القدرة الإنتاجية للمصانع العاملة حالياً سيحقق أثراً اقتصادياً أسرع وأكثر فاعلية من إطلاق مشاريع جديدة قد تستغرق سنوات قبل أن تدخل حيز التنفيذ الفعلي. لذلك، يطالبون بخطوات عملية قابلة للتطبيق، لا بمجرد مذكرات تفاهم أو دراسات مُطوّلة.

اجتماع شباط.. مؤشر على أولوية القطاع في المدينة

عقد مطلع شباط اجتماع طارئ في غرفة صناعة حلب، وكان بمثابة مؤشر مبكر على توجهات القطاع الصناعي. فقد ركز الصناعيون خلاله على ضرورة إنعاش المصانع المتوقفة وتأمين مستلزمات الإنتاج، ومعالجة العقبات التشغيلية التي تعيق استعادة النشاط الصناعي.

توسع النقاش في الاجتماع من الجانب النظري إلى الجانب العملي، ولامس تفاصيل العمل اليومي، مثل أسعار الأراضي والمقاسم الصناعية، وضمان سهولة الوصول إلى المدن الصناعية، إضافةً إلى تكاليف تركيب ألواح الطاقة الشمسية كبديل جزئي عن أزمة الكهرباء. كذلك تم طرح مسألة ارتفاع أسعار الكهرباء التي تعتبر العقبة الأكبر للصناعة السورية، وتم التطرق إلى ضعف الخدمات في المناطق الصناعية بوصفها ضغوطاً متراكمة تهدد استمرارية المنشآت.

بالمحصلة، أجمع المشاركون على أن أي خطة توسعية لا يمكن أن تنجح ما لم تترافق مع معالجة هذه الملفات بصورة متكاملة، تضمن بيئة إنتاج مستقرة وقابلة للاستدامة. فالقطاع، بحسب ما عبّر عنه المجتمعون، لا يحتاج إلى وعود إضافية بقدر حاجته إلى إجراءات تنفيذية واضحة ومحددة زمنياً.

مطالب متكررة.. بين السياسات التجارية وحماية الإنتاج المحلي

إنها ليست المرة الأولى التي يرفع فيها صناعيو حلب الصوت، ويؤكدون مطالبهم بإصلاح البيئة الصناعية. في آب 2025 وخلال الاجتماع السنوي للهيئة العامة لغرفة صناعة حلب، شدد المشاركون على ضرورة إعادة النظر في السياسات الجمركية، والحد من دخول البضائع المستوردة منخفضة الجودة التي تنافس المنتج المحلي بصورة غير عادلة. تحديداً في قطاعي الألبسة والأحذية، فهما يوفران فرص عمل واسعة لأبناء المحافظة.

كذلك، يرى الصناعيون أن استمرار دخول المنتجات التركية والصينية منخفضة الجودة يفاقم الضغوط على المصانع المحلية، في ظل تمتع القطاع التجاري بهوامش حركة أوسع. وعبروا عن استيائهم من أن مخرجات الاجتماعات الرسمية تبقى في غالبيتها ضمن إطار الدراسات والورقيات دون أي أثر فعلي على أرض الواقع.

في ذات السياق، تبدو الاحتجاجات الحالية للصناعيين الحلبيين امتداداً لسلسلة مطالب متراكمة عبر السنين ومتفاقمة حالياً، تتعلق بحماية الإنتاج الوطني، وضمان عدالة المنافسة، وتأمين شروط بقاء المصانع القائمة قبل الانطلاق نحو مشاريع توسعية جديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى