أعمال واستثمار

صناعيون في حلب.. تحسن في بعض الخدمات لكن كلفة الإنتاج ما تزال تعرقل التعافي

بقلم: ريم ريّا

بعد مرور أكثر من عام ونصف على التحرير في سوريا والتغييرات التي شملت كافة المجالات، يبدو الوضع في المناطق الصناعية بحلب مختلفاً عما كان عليه في الفترة التي أعقبت التحرير مباشرةً. فقد استأنفت بعض المنشآت عملياتها، وتحسنت خدمات الكهرباء في عدة مناطق، وأصبح الوضع الأمني ​​أكثر استقراراً. مع ذلك، لم يصل هذا التحسن بعد إلى المستوى الذي كان يأمله الصناعيون. فالمشكلة التي تواجه أصحاب المصانع لا تكمن فقط في توفير الكهرباء أو إعادة فتح منشآتهم، بل في قدرتهم على تشغيلها بتكلفة تسمح لهم بمواصلة العمل وبيع منتجاتهم بأسعار معقولة للمواطنين، مع القدرة في الوقت نفسه على منافسة البضائع المستوردة. وهنا تحديداً تبرز الفجوة بين بعض التحسينات في الظروف العامة والواقع اليومي الذي تواجهه المصانع.

صناعيون في حلب.. الطاقة تستهلك جزءاً كبيراً من الإنتاج

تعتبر تكلفة الطاقة على رأس قائمة شكاوى الصناعيين في حلب. ولا يقتصر ارتفاع أسعار الكهرباء وزيت التدفئة والديزل والبنزين على فاتورة الطاقة فحسب، بل يمتد ليشمل كل مرحلة من مراحل الإنتاج. يجب على المصانع تشغيل الآلات، ونقل المواد الخام، ثم توصيل المنتج النهائي إلى الأسواق. أي ارتفاع في أسعار الوقود يعني زيادة تكاليف النقل والتشغيل، وبالتالي ارتفاع أسعار السلع النهائية. يقول الصناعيون إن خفض أسعار الطاقة من أكثر التدابير فعالية لمساعدة الصناعة على استعادة قدرتها التنافسية، لا سيما وأن المنتجات السورية تواجه حالياً سوقاً حرة، بينما تتذبذب أسعار السلع المستوردة.

لماذا لم تُحل هذه المشكلات بعد؟ يرجع جزء من المشكلة إلى اعتماد الحكومة على مؤسسات قديمة تعاني من نقاط ضعف ومشاكل مزمنة، في الوقت الذي تسعى فيه إلى الانتقال إلى سياسات اقتصادية جديدة تعتمد بشكل أكبر على السوق الحرة. مع ذلك، لا يتم الانتقال من نظام اقتصادي إلى آخر بقرار واحد. لا تزال القوانين المالية والتأمين والضرائب والجمارك وغيرها من الأنظمة بحاجة إلى مراجعة لتتوافق مع الواقع الجديد.

يعتقد المصنّعون أن بعض الأنظمة القديمة أصبحت عبئاً إضافياً، خاصةً مع إضافة الضرائب والرسوم إلى تكاليف الإنتاج المرتفعة أصلاً. يُفسر هذا جزئياً بطء وتيرة الحلول. المشكلة ليست قضية واحدة يمكن حلها بقرار واحد، بل هي شبكة معقدة من القوانين والطاقة والتمويل والجمارك والنقل والصادرات المترابطة.

اقرأ أيضاً: من إغلاق مستشفى إلى مراكز التجميل.. لماذا تشدد حلب رقابتها على المنشآت الصحية؟

 التمويل مشكلة أخرى كامنة خلف أبواب المصانع

حتى المصانع القادرة على تغطية تكاليف التشغيل تواجه تحدي تأمين السيولة والمواد الخام. صعوبة المعاملات المالية والتحويلات الدولية تُعقّد شراء بعض المواد أو دفع تكاليف النقل، بينما تحتاج المصانع إلى سيولة نقدية سريعة للحفاظ على الإنتاج.

عندما تتأخر المواد الخام أو يصعب تمويلها، لا يتوقف التدفق النقدي فحسب، بل قد تتوقف الآلات أيضاً. ومع انخفاض ساعات العمل، ترتفع تكلفة المنتج حيث يوزع المصنع تكاليفه الثابتة على حجم إنتاج أقل. لهذا السبب، تعمل بعض المصانع بأقل من طاقتها الإنتاجية بدلًا من المخاطرة بزيادة الإنتاج في سوق غير مستقرة.

وتُشكل المنافسة مع الواردات تحدياً آخر. فتح السوق أمام المنتجات الأجنبية يعني أن المصانع السورية مُلزمة بتقديم أسعار وجودة تنافسية، في حين أنها لا تملك دائماً الموارد اللازمة. كما لا يرغب الصناعيون في إغلاق السوق أمام الواردات، بل يسعون إلى تحقيق توازن يمنح المنتجات المحلية فرصة حقيقية. فتدفق كميات كبيرة من السلع الرخيصة أو منخفضة الجودة قد يجبر المصانع المحلية على خفض الإنتاج، أو تسريح العمال، أو حتى الإغلاق.

ويتفاقم الوضع هنا بخسارة صاحب المصنع، إذ أن إغلاق منشأة صناعية يعني أيضاً فقدان فرص العمل وانخفاض الطلب على المواد والخدمات ذات الصلة.

الصادرات هي الحلقة المفقودة في الاقتصاد

يعتقد المصنّعون أن زيادة الصادرات قد تكون سبيلاً رئيسياً للخروج من الركود الحالي. فالسوق المحلية وحدها قد لا تكفي لاستيعاب زيادة الإنتاج، بينما يتيح فتح أسواق جديدة للمصانع فرصة زيادة المبيعات والعمل بطاقة إنتاجية أعلى. مع ذلك، تتطلب الصادرات تكاليف إنتاج تنافسية، ونقلاً مبسطاً، وإجراءات جمركية شفافة، وتحويلات مالية أسهل. لذا، تبدو مطالب المصنّعين مترابطة، فمن المستحيل زيادة الصادرات قبل خفض تكاليف الإنتاج، ولا يمكن خفض التكاليف دون معالجة قضايا الطاقة والنقل، كما أن توسيع الإنتاج مستحيل دون تمويل. لم تعد الصناعة في حلب إلى وضعها الطبيعي، لكنها لم تتعافَ تماماً أيضاً. وقد لاحظ الصناعيون تحسناً في بعض الخدمات.

بالنسبة للصناعيين، لا يقاس نجاح أي إصلاح بعدد القرارات الصادرة، بل بما يحدث داخل المصنع.. هل انخفضت تكاليف تشغيل الآلات؟ هل أصبحت المواد الخام متوفرة؟ هل يستطيع المنتج منافسة الواردات؟ وهل يستطيع صاحب المصنع بيع منتجاته في الخارج؟

هذه الأسئلة هي الاختبار الحقيقي للمرحلة القادمة. لا تتعافى الصناعة بمجرد إعادة فتح المصانع، بل عندما تصبح مجدية اقتصاديًا، ويتمكن أصحابها من الإنتاج والبيع والتوظيف والتوسع بدلاً من قضاء أوقاتهم في ضبط التكاليف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى