سياسة

صناعة السيراميك السورية: هل يجب دعمها وإنقاذها أم تركها لتنهار؟

بقلم: ديانا الصالح

تشهد صناعة السيراميك في سوريا اليوم تراجعاً حاداً أشبه بالموت الإنتاجي وفقاً لما يصفه خبراء اقتصاديون، حيث توقفت كبرى المعامل عن الإنتاج بشكل جماعي، إلى جانب انخفاض قدرة البقية على مقاومة المنتجات المستوردة وتكاليف التشغيل، مما يهدد بالشلل الصناعي الوطني، دون وجود سياسات واضحة تنقذ ما تبقى من أعمدة الاقتصاد المحلي، مقابل ازدهار حركة التجار.

وفي هذا السياق، يقف قطاع صناعة السيراميك أمام مفترق طرق يحدد مصير أهم الصناعات الحيوية المرتبطة بشكل مباشر ببناء البلاد، مما يطرح عدة تساؤلات ملحة: هل توجد خطط واضحة للإنقاذ؟ وماذا عن الوعود الرسمية بالنظر في مشاكل الصناعيين بعين الجدية ودعم الاقتصاد السوري؟

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

شلل صناعة السيراميك في سوريا

خرجت عدة معامل سيراميك معروفة مثل “إشبيليا” و”زنوبيا” إضافة إلى “بلقيس” من الإنتاج نتيجة لارتفاع التكاليف التشغيلية والإنتاجية وفتح باب الاستيراد بجمارك منخفضة، وعلى الرغم من التوقعات الاقتصادية المُسبقة بالمستقبل الصناعي المهدد بالانهيار، إلا أن خروجها المفاجئ شكل صدمة قوية للصناعة الوطنية.

وفي هذا السياق، يؤكد مدير شركة “بلقيس” عبد الرحمن أورفه لي، أن القطاع يحتوي على مصانع كبرى ورؤوس أموال ضخمة تجعلها من الأهم على مستوى الشرق الأوسط، موضحاً أن الإغلاق يأتي نتيجة لمجموعة من التحديات، أبرزها ارتفاع التكلفة الإنتاجية علاوة على إغراق الأسواق بالمنتجات المستوردة غير الخاضعة للفحص الدقيق، رغم عدم مطابقتها للمواصفات.

من جانبه، يصف الخبير الاقتصادي جورج خزام ما يحصل بالجريمة الاقتصادية، نتيجة للتوجه المتزايد نحو البدائل المستوردة مع تهميش المنتجات الوطنية، مشيراً إلى مقومات المعامل المتوقفة سواء من حيث الخبرات المتراكمة عبر السنوات أو بما تملكه من استثمارات ضخمة.

وتجدر الإشارة إلى أن التحديات التي يواجهها صناعيو السيراميك قد طُرِحت خلال اجتماع سابق منتصف العام الماضي، مع مسؤولين في وزارة الاقتصاد والصناعة، حيث أعرب من خلالها مستشار الوزير مازن ديروان عن تفهمه لمطالب الصناعيين وسعيه لرفعها إلى الجهات المسؤولة بأسرع وقت ممكن.

منافسة ظالمة وتحديات

تتمثل تحديات صناعة السيراميك في سوريا بتراجع القوى العاملة وتوقف التصدير فضلاً عن ارتفاع أسعار المحروقات، والاعتماد على الغاز المسال المستورد عوضاً عن الطبيعي المحلي، مما يزيد من التكلفة الإنتاجية ويرهق كاهل الصناعيين المحليين.

وفي هذا الإطار، ينتقد ناشطون محليون السياسات الاقتصادية التي تعمّق الأزمة الصناعية بدلاً من تذليلها، ليتحول القطاع الذي كان يغطي الحاجة السورية ويصدر الفائض إلى ورقة خاسرة في ظل المنافسة غير العادلة مع المستوردات المدعومة من بلدانها.

وهذا ما يؤكده مدير شركة “بلقيس”، حيث يسلط الضوء على ارتفاع أسعار الطاقة التي تمثل 45% من تكاليف صناعة السيراميك في سوريا، محذراً من مخاطر الاستمرار بسياسة فتح الأسواق أمام المنتجات المستوردة، مما يقود إلى عواقب اجتماعية واقتصادية كبيرة، حيث تؤدي إلى المزيد من الإغلاقات وفقدان فرص العمل.

وبرأي موافق، يرى الباحث خزام، أن الجهات الاقتصادية المسؤولة تعمل على قتل الصناعة الوطنية لا سيما السيراميك، نتيجة للقيود المفروضة على إمكانية استيراد المحروقات مما يؤدي إلى رفع تكلفة الإنتاج بشكل أكبر، فضلاً عن دعم الاستيراد لصالح المستوردين على حساب مستقبل الصناعيين المحليين

ويبين خزام أن السياسات الاقتصادية الحالية، التي تقوم على دعم الاستيراد وتخفيض الرسوم الجمركية مقابل رفع تكاليف الإنتاج، أدت إلى تغيير موازين القوى داخل السوق، لصالح المستوردين على حساب الصناعيين المحليين لإحداث تغيير في ميزان القوى ضمن السوق.

البدائل التركية على حساب الوطنية

يتخوف مراقبون من إحلال المنتجات التركية عوضاً عن الوطنية، لا سيما بعد الإغراق المتزايد للأسواق بالمستوردات الأجنبية في ظل دعم رسمي لحركة الاستيراد مع انخفاض الرسوم الجمركية، في ظل ما يُعرف بانفتاح الاقتصاد الحر.

وإلى ذلك، حذر الخبير خزام في وقت سابق عبر منشور له على فيسبوك، من تداعيات التضخم النقدي الذي تعانيه تركيا اليوم على الأسواق السورية، مشيراً إلى احتمال تخفيف التضخم التركي على حساب ارتفاع معدل تضخم الاقتصاد السوري، من خلال زيادة وتيرة إغراق الأسواق المحلية بالبضائع والمنتجات التركية.

عواقب اقتصادية واجتماعية

وفقاً لتصريحات مدير “بلقيس”، فإن معامل السيراميك توفر فرص عمل لحوالي 5 إلى 6 آلاف موظف، إضافة إلى تشغيل 5 آلاف عامل ضمن ورش النايلون والخراطة والصيانة مع الكرتون، بالتالي فإن توقف معظمها أثر بشكل سلبي على السلاسل الإنتاجية، خاصة مع ضياع الأيدي العاملة الماهرة ذات الخبرة المتراكمة، فهي خسارة اقتصادية بحدّ ذاتها.

إذاً، إن أبرز العواقب الاجتماعية والاقتصادية تكمن بفقدان فرص العمل، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة البطالة وازدياد معدل الفقر الذي يشكل نسبة 90% تقريباً وفقاً لتقارير أممية، وهذا ما يمكن أن يؤثر على الصحة وإعادة التكيف الاجتماعي، لا سيما في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور وتراجع القدرة الشرائية.

تعقيباً على الآثار السلبية لخروج معامل من الخدمة، يتوقع خزام زيادة الطلب على الاستيراد، بالتالي خروج المزيد من القطع الأجنبي وارتفاع قيمته مقابل تدهور الليرة السورية بشكل حادٍّ، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد في الأسواق وإرهاق كاهل المستهلكين بشكل مضاعف، مبيناً أن خسارة الصناعي الذي يشكل عمود الإنتاج المحلي وتشغيل العاطلين عن العمل لن تكون أكبر من فاتورة المواطن المُرتقبة.

حلول مقترحة

خلال اجتماع سابق مع وزارة الاقتصاد والصناعة، طالب صناعيون في معامل السراميك بمجموعة من الحلول المنطقية لتجنب العزوف عن العمل وانهيار الإنتاج الوطني، أبرزها ما يلي:

  • إعادة النظر في أسعار حوامل الطاقة لتكون متوافقة مع نظيرتها العالمية، فهي تُباع للمصانع المحلية بسعر أعلى، علماً أنها تشكل نحو 45% من التكاليف الإنتاجية.
  • مراجعة الرسوم الجمركية على البضائع المستوردة لحماية المنتج المحلي من المنافسة غير العادلة التي تفرضها التكاليف الإنتاجية، ومحاولة خلق توازن في القوى ضمن السوق
  • تسهيل القدرة على توفير مادة الغضار الأساسية لصناعة السيراميك، مع دراسة إلغاء الوسطاء خلال التعامل والتواصل مع المؤسسة العامة للجيولوجيا.

كما طالب أورفه لي عبر تصريح إعلامي بالسماح للمعامل باستيراد المشتقات النفطية، إلى جانب تشديد فحص البضائع المستوردة لتتوافق مع المواصفات القياسية في سوريا، فضلاً عن رفع الرسوم الجمركية على السيراميك المستورد مؤقتاً ريثما يُعاد التوازن للسوق، أملاً بإعادة التعافي لصناعة السيراميك في سوريا.

أما بالنسبة للحلول المستدامة، فيقترح خبراء الاقتصاد دعم الإنتاج الزراعي والصناعي بخطط حقيقية تدمج الحلول الإسعافية وطويلة الأجل لتعزيز المنتج الوطني قبل فوات الأوان، وذلك من خلال توجيه الاستثمارات نحو هذين القطاعين، مع العمل على دعم الفلاحين والصناعيين بتلبية مطالبهم المشروعة.

يبدو أن أزمة صناعة السيراميك في سوريا لا تقتصر على نطاق صناعي محدود، وإنما لها عواقب اقتصادية واجتماعية تتعدى حدود إغلاق المعامل، لتشمل ارتفاع معدل الفقر والجوع والبطالة، فضلاً عن تدهور الاقتصاد الوطني بشكل أكبر مما هو عليه الآن، نتيجة للفاتورة التي يشكلها الاستيراد وما يرافقه من ضعف بقيمة الليرة السورية، وترجيح كفة ميزان القوى لصالح المستوردين على حساب الصناعيين القدامى، فهل يمكن للسياسات الاقتصادية تعديل مسارها وتنقذ ما تبقى من رمق الإنتاج المحلي قبل اندثاره؟ هذا ما ستجيب عليه منجزات الأيام القادمة.

اقرأ أيضاً: الليرة السورية بين التعافي الوهمي والتراجع الحقيقي .. ماذا ينتظر الاقتصاد السوري؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى