صناعة السفن في سوريا: فرصة اقتصادية واعدة أم اختبار صعب للواقع الراهن!

بقلم هلا يوسف
يأخذ الاستثمار الصناعي حيزاً كبيراً من نشاطات الحكومة لكونه يحرك عجلة الإنتاج ويدفع بالاقتصاد نحو الأمام في ظل تحديات كبيرة. وتتجه تحركات الحكومة نحو إدخال صناعات ثقيلة لم تعتد عليها سوريا التي كانت قابعة في ظل الحروب والعقوبات. يأتي في هذا الصدد توقيع اتفاقية إنشاء حوض سفن متكامل في مرفأ طرطوس، وهو مشروع يعد الأول من نوعه على هذا المستوى في البلاد. إلا أن هذه الاتفاقية فتحت نقاشاً واسعاً حول فرص إدخال صناعة السفن إلى سوريا، وما تحمله من فوائد اقتصادية واجتماعية، في مقابل ما يمكن أن تواجهه من تحديات ومخاطر مرتبطة بتنفيذها في ظل الواقع الاقتصادي والبنية التحتية الحالية. وبالتالي يتناول هذا المقال تفاصيل الاتفاقية، وآراء الخبراء، وانعكاساتها المحتملة على الاقتصاد السوري.
اتفاقية استراتيجية في مرفأ طرطوس
وقعت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية اتفاقية مع شركة Kuzey Star Shipyard Denizcilik Sanayi ve Ticaret A.S التركية، وهي شركة مساهمة محدودة المسؤولية مسجلة في تركيا، لإنشاء وبناء وتجهيز وتشغيل حوض سفن متكامل في مرفأ طرطوس، وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT). وجرى التوقيع بحضور رئيس الهيئة السيد قتيبة أحمد بدوي.
تهدف الاتفاقية إلى إدخال صناعة السفن بمختلف أحجامها وأشكالها إلى سوريا وفق أحدث المعايير الفنية والهندسية العالمية، بما يشمل أعمال بناء السفن وإصلاحها وصيانتها، في خطوة تسعى إلى توطين صناعة بحرية متقدمة بعد غياب طويل.
وبحسب بنود العقد، تمتد مدة الاستثمار ثلاثين عاماً اعتباراً من تاريخ التوقيع، بينما تلتزم الشركة المستثمرة بضخ ما لا يقل عن 190 مليون دولار خلال خمس سنوات كحد أقصى، لتغطية كامل أعمال البناء والتجهيز، بما في ذلك الأرصفة والمعدات الثقيلة والمستودعات والمنشآت التشغيلية، من دون أي أعباء مالية على الهيئة العامة للمنافذ والجمارك.
وتعقيباً على هذه الاتفاقية، يرى الباحث في الشؤون الاقتصادية والسياسية المهندس باسل كويفي أن الاتفاقية تشكل خطوة مهمة لتعزيز قدرات الصناعات الوطنية، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد. ويشير إلى أن من أبرز الفوائد المتوقعة تنويع القاعدة الصناعية عبر إدخال صناعة استراتيجية جديدة، ما يعزز الاقتصاد الوطني ويقلل الاعتماد على الصناعات التقليدية.
يوفر المشروع نحو 1700 فرصة عمل مباشرة و3500 فرصة عمل غير مباشرة في مجالات متعددة، مثل صناعة الصلب والكهرباء والخدمات اللوجستية، ما يسهم في خفض معدلات البطالة. كما تلتزم الشركة بنسبة عمالة سورية لا تقل عن 95% من إجمالي القوى العاملة، إلى جانب برامج تدريب وتأهيل ونقل خبرات فنية وتقنية تشمل جميع مراحل الصناعة البحرية، من التصميم والهندسة إلى البناء والصيانة والإدارة.
بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يسهم المشروع في تحسين الميزان التجاري في المستقبل عبر التصدير، وتنشيط قطاعات النقل البحري والصيد وخدمات الموانئ، عدا عن تحديث أسطول النقل البحري السوري، ما قد يؤدي إلى خفض أجور نقل البضائع وتسريع وصولها.
اقرأ أيضاً: أمن المرافق الاستراتيجية في سوريا: كيف نحمي المرافئ ومحطات الطاقة؟
بنود داعمة للقطاع العام
نصت الاتفاقية على اقتطاع خاص بنسبة 20% من إجمالي قيمة الفاتورة قبل الضرائب لأعمال بناء أو إصلاح أو صيانة السفن التابعة للحكومة السورية، في خطوة تهدف إلى تخفيف الأعباء المالية عن القطاع العام البحري وتعزيز كفاءة التشغيل.
وأكدت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك أن المشروع يشكل ركيزة أساسية في تطوير المرافئ السورية وتعزيز موقع سوريا على خريطة الصناعات البحرية الإقليمية، مع طموح لتحويل مرفأ طرطوس إلى مركز صناعي بحري متكامل يخدم السوق المحلية والأسواق المجاورة.
وقد لاقى الإعلان عن المشروع ارتياحاً واسعاً بين أهالي محافظة طرطوس، ولا سيما في الأوساط العمالية والشبابية. وقال مروان المواس، وهو عامل سابق في المرفأ، إن المشروع يعيد الحياة إلى المرفأ ويوفر فرص عمل ثابتة بعد سنوات من الوعود غير المنفذة. كما عبرت سمر خضور، خريجة هندسة بحرية، عن أملها في أن يفتح المشروع آفاقاً حقيقية للكفاءات المحلية، بعد سنوات من الدراسة دون وجود بيئة عمل متخصصة.
من جانبه يرى الخبير الاقتصادي نادر حسن أن الاتفاقية لا يمكن قراءتها كمجرد منشأة صناعية، بل كمشروع سيادي يؤسس لتوطين صناعة السفن داخل البلاد، ما يقلص الاعتماد على الخارج ويخفض التكاليف التي كانت تستنزف العملات الأجنبية. ويؤكد أن اشتراط نسبة مرتفعة من العمالة السورية مقرونة بنقل المعرفة يمنح المشروع بعداً تنموياً طويل الأمد، فيما يعكس اعتماد نموذج BOT توجهاً عملياً لتخفيف العبء عن الخزينة وجذب استثمار خارجي منتج.
تحديات البنية التحتية والواقع الاقتصادي
على الرغم من التفاؤل يواجه المشروع تحديات حقيقية. فقد عانى القطاع البحري السوري خلال السنوات الماضية من تراجع كبير في البنية التحتية والخدمات الفنية، ما رفع كلفة النقل والصيانة وأضعف القدرة التنافسية للمرافئ. كما أن إقامة صناعة ثقيلة ومعقدة كصناعة السفن تتطلب بنية تحتية متينة تشمل الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية، وهي عناصر لا تزال تعاني من اختناقات واضحة.
ويلفت الباحث الاقتصادي ملهم جزماتي في شركة كرم شعار للاستشارات إلى أن سوريا لم تعرف سابقاً صناعة متكاملة لبناء السفن، بل اقتصر النشاط على الصيانة والإصلاح. وتشير الدراسات الفنية، بما فيها تقارير أممية، إلى أن سوريا كانت تعامل كحالة محتملة لتطوير مرافق إصلاح سفن لا كدولة تمتلك منظومة متكاملة للبناء.
ويضيف أن محدودية الطلب المحلي تفرض التوجه نحو التصدير، وهذا يتطلب استقراراً قانونياً وتنظيمياً وقدرة تنافسية عالية في سوق دولي حساس، مؤكداً أن نجاح المشروع لا يتم قياسها بسرعة إطلاقه، بل بقدرة الدولة على تحويله إلى جزء من سياسة صناعية متكاملة.
نموذج BOT بين الفرصة والمخاطر
يشير كويفي وجزماتي إلى أن نموذج BOT مستخدم عالمياً ولا يعد سلبياً بحد ذاته، خاصة في الدول التي تعاني من محدودية التمويل العام. غير أن المخاطر تكمن في غياب الشفافية والتفاصيل الواضحة المتعلقة بتوزيع المخاطر والعوائد، ودور الدولة الرقابي، وشروط نقل الأصول والمعرفة في نهاية العقد. فغياب الحوكمة الرشيدة قد يحول المشروع إلى امتياز طويل الأمد يصعب مراجعته.
وهنا يشدد كويفي على أهمية وضع خارطة اقتصادية تنموية شاملة للمحافظات السورية تراعي الظروف المعيشية واللوجستية، وتدعم الاستقرار والسلم الأهلي، مع توسيع الاستثمارات لتشمل قطاعات أخرى كالتكنولوجيا والطاقة المتجددة.
كما يشير إلى أهمية الاستفادة من التجربة الصينية في بناء السفن، حيث تهيمن الصين على هذا القطاع بدعم حكومي وسياسات صناعية واضحة، وقد استحوذت أحواضها على 74% من طلبات بناء السفن الجديدة في عام 2025، مؤكداً أن نقل بعض دروس هذا النموذج قد يساعد في تطوير الصناعة البحرية السورية.
باختصار، تبدو اتفاقية إدخال صناعة السفن إلى سوريا خطوة جيدة تحمل معها فرصة حقيقية للتنمية والتنويع الاقتصادي. لكن في الوقت نفسه لا يمكن اعتبارها حلاً سحرياً للاقتصاد. حيث إن نجاحها مرتبط بقدرات الدولة على إدارة المشروع بشفافية، ومعالجة التحديات في البنية التحتية، وضمان أن تتحول هذه الاتفاقية من مشروع استثماري محدود إلى جزء من مسار تنموي متكامل يخدم الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.
اقرأ أيضاً: جدل تحت المجهر.. حماية الصناعة الوطنية تحمي المستهلك أم تلهب الأسعار؟









