أعمال واستثمار

صناعة الجلود في سوريا.. ثالث مورد للاقتصاد يصارع من أجل البقاء

تعود جذور صناعة الجلود في سوريا إلى آلاف السنين، حيث تطورت هذه الحرفة على مدى عقود لتصبح صناعة متقدمة ورافداً أساسياً للاقتصاد الوطني، كما لاقت منتجاتها رواجاً واسعاً في الأسواق العربية والأوروبية. إلا أنه خلال السنوات الأخيرة باتت هذه المهنة تواجه خطر الاندثار بسبب مجموعة متشابكة من العوامل سوف نستعرضها في هذا المقال، كما سوف نناقش مجموعة من الحلول المقترحة للنهوض بهذا القطاع الحيوي.

تراجع قطاع صناعة الجلود في سوريا بشكل كارثي

لطالما كانت صناعة الجلود في سوريا تحظى بمرتبة عالمية متقدمة، حيث اشتهرت منتجات الجلد الطبيعي السورية بجودتها العالية، حيث يتم تصنيعها ببراعة خلال آلاف السنين. إلا أن هذا القطاع يشهد حالياً نكسة غير مسبوقة بعد أن كان يُشكل ثالث أهم مورد لخزينة الدولة بعد النفط والقمح، حيث كان يساهم بنحو 40% من الدخل المحلي.

ومن الجدير بالذكر، أن استعادة هذا القطاع الحيوي لأمجاده السابقة بات غير ممكناً دون تدخل إسعافي من خلال إجراءات تعيد تنظيمه وتوجيهه، خصوصاً ممارسات النظام البائد التي أدت إلى انحداره، فهو اليوم بأمسّ الحاجة إلى خطة اقتصادية فعلية تعيد له اعتباره.

أسباب تراجع قطاع صناعة الجلود في سوريا

يعود التدهور الكبير في قطاع صناعة الجلود في سوريا إلى العديد من العوامل، والتي يقف على رأسها قرار السماح باستيراد جلود الأحذية غير السورية، الأمر تسبب في التخلي عن المنتج المحلي وتوقف آلاف ورش دباغة الجلود في حلب وحماة ودمشق عن العمل وذلك بحسب ما أفاد به رئيس لجنة صناعة الجلود في غرفة تجارة دمشق، محمد خير درويش، في تصريحات إعلامية.

بالإضافة إلى ذلك، يواجه قطاع صناعة الجلود في سوريا، تحدياً كبيراً يتمثل في الارتفاع الهائل في تكاليف الإنتاج حيث يضطر الصناعيين الموجودين في منطقة عدرا الصناعية إلى شراء المياه الصالحة لدباغة الجلود بأسعار باهظة تصل إلى 1.8 مليون ليرة للصهريج، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في أسعار الكهرباء (2500 ليرة للكيلو واط الساعي).

وبالنتيجة فإن كل هذه العوامل تؤثر على القدرة التنافسية للمنتج المحلي، خاصة مع وجود بضائع مستوردة تباع بأسعار زهيدة لا يمكن مجاراتها. كما أنها تسبب في انخفاض الطاقة الإنتاجية للمصانع الكبرى بشكل حاد، وتراجع التصدير بشكل ملحوظ، مما ينذر بزوال هذه الصناعة بشكل كامل إذا استمر الوضع على حاله.

أرقام تكشف حجم الكارثة

توضح الأرقام مدى التدهور الذي لحق بقطاع الجلود، بسبب غياب التصدير سواء عن الجلود المصنعة في سوريا، أو عن المنتجات الجلدية الجاهزة كالأحذية. وفي هذا الصدد يوضح درويش أن المسالخ قبل عام 2010 كانت تبح حوالي 6 آلاف رأس غنم، أما اليوم فإن هذا الرقم قد انخفض إلى 250 رأساً فقط، وعلى الرغم من ذلك هناك فائض في الجلود بسبب غياب التصدير، مما يؤثر على الأسعار بشكل كبير بسبب عدم القدرة على التصريف.

هذا ويظهر تراجع التصدير بوضوح في مجال الأحذية السورية، حيث لا تتجاوز نسبة تصدير 5٪، وذلك بعد أن كانت سوريا تصدّر منتجاتها الجلدية لأغلب دول العالم. حيث كانت السوق الأردنية مثلاً تستوعب ثلثي إنتاج حلب من الأحذية، إلا أن هذا التوجه توقف حالياً بحجة دعم الصناعة الوطنية لديهم، غم أنهم يستوردون من مصر وتركيا وتايلند بحدود 5 مليون دولار سنوياً وصناعتهم لا تغطي 5٪ من حاجتهم.

كما أن صناعة الأحذية تراجعت كثيراً بسبب قلة الطلب، حيث أن أحد معامل الأحذية الكبرى في حلب والذي يقدم منتجات متنوعة، كان لديه 17 مكبس في السابق واليوم يعمل بمكبس واحد فقط، وكان يصدر ثلاث حاويات في الأسبوع أصبح يصدر حاوية واحدة في الشهر.

الحلول المقترحة للنهوض بصناعة الجلود في سوريا

يتطلب النهوض بقطاع صناعة الجلود في سوريا مجموعة من الحلول الجذرية، تبدأ من العمل على تقييد استيراد المنتجات الأجنبية الرخيصة، التي تسببت بعزوف المواطن السوري عن شراء المنتج الوطني الذي يعتبر باهظ الثمن مقارنة بالمستورد. بالإضافة إلى ذلك يجب تقديم دعم حقيقي لأصحاب الورش، من خلال توفير المحروقات بأسعار مقبولة، وضمان استمرارية التيار الكهربائي.

هذا وقد شدد، رئيس لجنة صناعة الجلود في غرفة تجارة دمشق، على ضرورة تشكيل لجان حكومية مختصة تعمل على وضع صارمة على السوق المفتوحة. كما طالب بإلغاء الرسوم الجمركية على المواد الأولية المستوردة، والتي تشكل عبئاً إضافياً على الصناعيين.

كما يُشار أيضاً إلى ضرورة إعادة فتح أسواق التصدير الرئيسية مثل الأردن والعراق ودول الخليج، وخصوصاً بعد التطورات السياسية التي شهدتها البلاد والتي انعكست على العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية وغيرها.

اقرأ أيضاً: وزارة الاقتصاد والصناعة تصدر قرارات لتسهيل عمل المنشآت الصناعية في سوريا

في الختام، إنقاذ صناعة الجلود في سوريا مهمة لا تحتمل التأجيل، وتتطلب تضافر جهود كافة الأطراف، لإعادة الروح لهذا الإرث الوطني العريق، وضمان استمراريته كمصدر قوة للاقتصاد السوري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى