بين الإمارات والسعودية.. من ينقذ قطاع الإسمنت السوري من ركامه؟

بدأ قطاع صناعة الإسمنت في سوريا يستعيد عافيته بعد سنوات من التراجع بسبب الحرب التي أثّرت على قدرته الإنتاجية ورفعت تكاليفه بشكل كبير. حيث يشهد هذا القطاع حراكاً استثمارياً عربياً متزايداً، مع توقيع اتفاقيات استراتيجية مع شركات من الإمارات والسعودية.
ويهدف هذا التعاون إلى تأهيل المعامل القائمة وتحديثها، وتدريب الكوادر المحلية، لزيادة الإنتاج وتلبية احتياجات مرحلة إعادة الإعمار، مع مواجهة التحديات القائمة مثل ارتفاع التكاليف ونقص الطاقة.
في هذا المقال، سوف نناقش أبرز مستجدات قطاع صناعة الإسمنت في سوريا، وكيف يمكن للشراكات العربية الاستراتيجية إنقاذ ما دمرته سنوات الحرب في هذا القطاع.
تعاون إماراتي لتطوير قطاع الإسمنت السوري
قامت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية بتوقيع اتفاق استراتيجي مع شركة “A³&Co” الإماراتية بهدف تطوير قطاع الإسمنت في البلاد. ويركز هذا الاتفاق بشكل أساسي على تأهيل وتطوير خط الإنتاج الثالث في معمل أسمنت “حماة”، الذي يتميز بمرونته وقدرته على إنتاج أكثر من 12 صنفاً من الإسمنت.
التعاون الإماراتي يتجاوز الجانب الفني
بحسب ما أفاد به مدير المؤسسة العامة لصناعة وتسويق الأسمنت ومواد البناء (عمران)، محمود فضيلة، في حديث إعلامي، يعود اختيار هذا الخط إلى جدواه الفنية والاقتصادية العالية مقارنة بالخطوط الأخرى المتهالكة التي انتهى عمرها الافتراضي.
هذا وأشار فضيلة إلى أن هذه الشراكة لا تقتصر على الجانب الفني فقط، بل تشمل أيضاً دوراً استشارياً، حيث ستقوم الشركة الإماراتية بوضع خارطة طريق لتطوير الصناعة، مع التركيز على الاستدامة ورفع مستوى الإنتاجية والجودة من خلال إدخال تقنيات حديثة مثل التحكم الآلي، والذكاء الاصطناعي.
بنود لتدريب معياري وإنشاء مركز دائم
أوضح فضيلة، أن الاتفاق السوري – الإماراتي الجديد سيبدأ بمرحلة تشخيص شاملة، تليها مرحلة التدريب والتأهيل، حيث سيتم تدريب نحو 80 عاملاً ومهندساً في معمل “حماة” وفق معايير دولية. كما أنه من المخطط أيضاً أن يتم إيفاد بعثات تدريبية للخارج وتوقيع مذكرات تفاهم مع شركات مصنّعة، وذلك بهدف تأهيل كوادر سورية شابة، وخصوصاً في ظل قلة عدد الخبراء المحليين المتخصصين.
بالإضافة إلى ذلك، تتضمن الاتفاقية تحديث المخابر وضمان إجراء اختبارات دقيقة للمنتج المحلي، وإنشاء مركز تدريب دائم لصناعة الإسمنت، يخدم القطاعين العام والخاص، وذلك في إطار السعي إلى إعداد جيل جديد من الفنيين والمهندسين القادرين على قيادة المعامل القائمة والجديدة.
تعاون سوري – سعودي لتطوير قطاع الإسمنت
في إطار الدعم المقدم من الدول العربية لتعزيز صناعة الإسمنت في سوريا باعتبارها مادة أساسية في إعادة الإعمار، تم استقبال وفداً تفنياً سعودياً من مجموعة “أسمنت الشمالية” في معمل إسمنت “عدرا”، وذلك تنفيذاً لمذكرة التفاهم التي تم توقيعها بين الجانبين خلال منتدى الاستثمار السوري-السعودي.
الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ
وفقاً لمدير المؤسسة العامة لصناعة وتسويق الأسمنت ومواد البناء (عمران)، محمود فضيلة، فإن زيارة الوفد السعودي إلى معمل إسمنت “عدرا” تمثل انتقالاً من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ، ويمنح الصناعة السورية بعداً تقنياً متقدماً، خصوصاً من خلال تدريب الكوادر المحلية على أحدث التقنيات.
ويُشار إلى أن جميع هذه الجهود تهدف إلى تحويل قطاع الإسمنت السوري ليصبح منافساً قوياً في السوق، وذلك من خلال إنتاج أنواع ذات جودة عالمية، كما أن الدعم السعودي قطاع الإسمنت سيعمل على مواجهة التحديات المتمثلة في نقص الطاقة وتهالك خطوط الإنتاج وقلة الكفاءات.
ملخص زيارة الوفد السعودي إلى معمل إسمنت “عدرا”
يُشار إلى أن الوفد السعودي، كان يضم خبراء ومهندسين متخصصين، وقد قام بجولة في معمل إسمنت عدرا بهدف الاطلاع على الأوضاع الفنية والتشغيلية.
هذا وقد تضمنت المناقشات بين الوفد السعودي والجانب السوري سبل زيادة الطاقة الإنتاجية للمعمل وتحسين جودة المنتج، ووضع خطة لبدء تجارب عملية لإنتاج الإسمنت “البوزلاني” (Cem II) محلياً، بالإضافة إلى توفير برامج تدريبية متخصصة للكوادر الفنية السورية، وتوريد “الكلنكر” الضروري لعمليات الإنتاج.
تحديات قطاع الإسمنت في سوريا
يواجه قطاع الإسمنت في سوريا تحديات كبيرة تعيق نموه وتطوره، حيث تأتي تكاليف الإنتاج المرتفعة في مقدمة هذه التحديات، ومن أبرزها الوقود الذي تشكل نسبته 65% من إجمالي التكاليف.
وبحسب ما صرّح به الخبير الاقتصادي، الدكتور فادي عياش، هناك تحديات كبيرة تواجه قطاع الإسمنت في سوريا، وتتمثل بصعوبة صيانة المعامل وتأمين قطع التبديل الضرورية، بالإضافة إلى مشكلات التسويق والتوزيع.
هذا وقد أشار عياش أيضاً إلى أن تضارب القرارات المتعلقة بالمخططات التنظيمية كان يؤثر سلباً على حجم الطلب على الإسمنت. وذلك بالإضافة إلى التحديات البيئية المتعلقة بـالتلوث، مما يستدعي إيجاد حلول مستدامة.
ومن الجدير بالذكر، أن سوريا تمتلك ميزة تنافسية هامة في قطاع صناعة الإسمنت، تتمثل في التوافر الكبير للمواد الأولية لهذه الصناعة، حيث تشير البيانات إلى أن البلاد تمتلك احتياطات تلبي حاجات الإنتاج لمدة 75 عاماً، مما يؤكد أهمية التغلب على التحديات الحالية للوصول إلى قطاع صناعي واقتصادي مهم جداً للبلاد وخصوصاً في المرحلة الراهنة.
خطوات مهمة لإنقاذ معامل الإسمنت في سوريا
في ظل الحاجة الماسة للإسمنت لإعادة إعمار البلاد، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس، خلال حديثه مع إحدى وسائل الإعلام، أن طرح معامل الإسمنت للاستثمار يعد خطوة إيجابية، حتى وإن كان ذلك على حساب القطاع العام.
حيث أشار الجاموس، إلى أن هذه التوجهات تأتي في إطار مساعي الحكومة لجذب رؤوس الأموال الخارجية، بالرغم من تردي البنية التحتية، وذلك في محاولة لسد الفجوة الكبيرة بين الإنتاج المحلي والطلب السنوي، الذي يُقدر بما يتراوح بين 10 و15 مليون طن. مشدداً على أهمية الحفاظ على إنتاجية ما تبقى من معامل القطاع العام، وتشغيل عدد أكبر من المعامل الحالية لزيادة الإنتاج وتغطية جزء أكبر من هذا الاحتياج المحلي.
ومن أجل ضمان نجاح هذه التوجهات، يؤكد الجاموس على ضرورة أن تتضمن الاتفاقيات الاستثمارية مع الشركات العربية والأجنبية بنوداً تهدف إلى الحفاظ على الخبرات السورية وإعادة تأهيلها ودمجها مع الخبرات الأجنبية، بشكل يضمن بقاء الكفاءات المحلية كجزء فاعل في المرحلة المقبلة.
هذا وقد عملت الحكومة السورية الجديدة، على تقييم ومراجعة رخص الاستثمار في قطاع الإسمنت الممنوحة قبل عام 2011، بهدف زيادة الإنتاج المحلي استعداداً لمرحلة إعادة الإعمار.
ويُشار إلى أنه خلال اجتماع برئاسة نائب وزير الاقتصاد والصناعة، في وقت سابق هذا العام، قد تم فرز الرخص المتوقفة، ودراسة أسباب توقفها، ووضع خارطة طريق واضحة تتضمن إما تفعيل الرخص غير المستثمرة، أو تعديلها، أو إلغائها.
كيف يتأثر سعر الإسمنت بهذه الاستثمارات الجديدة؟
على الرغم من أن زيادة الطلب عادة ما تؤدي إلى ارتفاع السعر، إلا أن الاستثمارات الجديدة في قطاع الإسمنت السوري لن تؤدي بالضرورة إلى زيادة كبيرة في الأسعار. حيث أن الطلب المتزايد قادر على استيعاب أي تغييرات سعرية محتملة، بالإضافة إلى أن وجود استيراد للمادة من الدول المجاورة يفرض سقفاً معيناً على الأسعار، مما يمنع ارتفاعها بشكل مبالغ فيه، وذلك بحسب رأي صرّح به الخبير الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس، لوسيلة إعلامية.
كما أشار الجاموس، إلى أن دخول بعض المعامل إلى الاستثمار سيخلق حالة تنافسية جديدة في السوق، وهو ما سيساهم في ضبط الأسعار أو حتى خفضها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الإجراءات الحكومية المحتملة، مثل خفض الضرائب على الإسمنت، سيجعل السعر أكثر تنافسية ويضمن بقاء ارتفاعه ضمن حدود مقبولة.
اقرأ أيضاً: وزارة الاقتصاد والصناعة تصدر قرارات لتسهيل عمل المنشآت الصناعية في سوريا
في الختام، رغم التحديات الكبيرة التي تواجه صناعة الإسمنت في سوريا، يبدو أن المرحلة القادمة سوف تشهد مزيداً من الاستقرار والكفاءة بفضل الشراكات الاستراتيجية المدروسة، مع التركيز على الكوادر المحلية كركيزة أساسية لاستدامة القطاع ودوره الحيوي في إعادة الإعمار.









