مبادرات

“صالون سوريا للفكر والثقافة”: وجوب ومحاذير بناء الأحزاب في دول النزاع كسوريا

بقلم: لين جمعة

في ظل الظروف المعقدة التي مرت بها سوريا، والتي عززت الحاجة إلى إعادة بناء الدولة والمجتمع، تمّت دعوة “سوريا اليوم24” لحضور الجلسة السابعة من “صالون سوريا للفكر والثقافة” – برعاية مؤسسة بصمات – بعنوان: “كيف تبنى الأحزاب السياسية في الدول الخارجة من النزاعات”. كانت الجلسة منصة حيوية لمناقشة القضايا المتعلقة بتشكيل الأحزاب السياسية في سياق بيئة سياسية تشهد انتقالاً صعباً. انطلقت الجلسة تحت إشراف الإعلامية شادية العجلوني، حيث تطرقت للعديد من المحاور الهامة، بما في ذلك خصائص البيئة السياسية، تحديات بناء الأحزاب، الإرث السياسي، والمجلس التشريعي المنتظر والسيناريوهات المستقبلية للحياة الحزبية.

إليكم أبرز ما جاء فيها، ننقله بأمانة الإعلام المحايد دوماً، القادر على إيصال رسالته دون ضجيج.

البيئة السياسية الآمنة وقيام الأحزاب

تمحورت الجلسة حول الأسئلة الملحة: هل يسمح الواقع اليوم بنشوء أحزاب سياسية مستقلة في سوريا، أم أن الهواجس الأمنية والفراغ المؤسساتي يفرضان حدوداً على أي عمل حزبي؟ الدكتور ياسر العيتي، كاتب وباحث سياسي ورئيس تيار سوريا الجديدة، أشار إلى أهمية دراسة العوامل التي تمنع وجود الأحزاب، مؤكداً على ضرورة الاستفادة من مساحة الحرية والتعبير كوسيلة لتعزيز الأمن والاستقرار. كما تحدث عن التأثير الإيجابي للحياة السياسية في بناء لغة سياسية سلمية تساهم في إدارة الاختلافات وأكد على أن مقايضة الأمن بالحريات السياسة فعل مارسه النظام البائد وكانت نتائجه وخيمة.

بدوره، أكد الدكتور عبد الرحمن الحاج، وهو أستاذ جامعي وكاتب ومدير أبحاث في السياسات العامة، على أن منع التعبير السياسي السلمي يقود إلى العنف، وأن غياب تنظيمات حقيقية يدفع نحو ممارسات سياسية سرية.

بينما أكدت الأستاذة عالية منصور وهي صحفية وسياسية وكاتبة سورية لبنانية على ضرورة إنشاء الأحزاب كجزء من الحياة السياسية الصحية التي يعد الانقسام فيها تعزيزاً للحوار، وطريقة لتقبل الاختلاف بدلاً من أن ينجر السوريين للانقسامات الطائفية والعرقية. وعبرت الأستاذة عالية عن سعادتها بوجود سيدات كثر بين الحضور مؤكدة أن هذا إثبات على أن المرأة السورية والشعب السوري مهيئ للحياة السياسية وأننا كلنا، كسوريين، شركاء في النصر.

أهمية الحوار والتعددية الحزبية كبوابة للاستقرار لا العنف

زادت وتيرة الحوار، حين طرحت الإعلامية شادية تساؤلات حول كيفية منع التعددية الحزبية من التحول إلى بوابة للعنف. جاء رد الأستاذة عالية بالتركيز على أهمية أن يتم الاختلاف في السياسة وليس من خلال السلاح، مشددة على ضرورة الحوار السياسي الذي يمكن أن يقلل من الانقسامات، وذكرت أمثلة عليها: الانقسامات على أسس طائفية، عرقية، مناطقية، “فلول ثورة”، “ثوار 2011 وثوار إدلب”… الخ.

بينما عبر الأستاذ محمد سرميني وهو سياسي وباحث سوري عن رأي مكمل مشيراً إلى أن جوهر الثورة هو بناء حياة سياسية فعلية بعد أن كانت محكومة بالإقصاء في العهد السابق. بينما تحدث عن أهمية أن تكون للأحزاب برامج وطنية تعبر عن تطلعات الشعب.

 الحياة الحزبية تتشكل ضمن شروط تبلورها

من بين النقاط المهمة التي تم تناولها، طرحت الإعلامية شادية سؤالاً حول الشروط السياسية والأمنية اللازمة لتأسيس الأحزاب. جاءت إجابة الأستاذ محمد بأنها احتاجت إلى زوال النظام البائد ووجود شبه استقرار سياسي الآن، مؤكداً على ضرورة وجود وعي سياسي مرتفع لدى الشعب والنخب.

توالت الأسئلة حول مدى أمان الوضع في سوريا ومدى تأثير الواقع الأمني في تشكيل الأحزاب. اعتبر الضيوف أن أهمية المشاركة السياسية تأتي من كونها وسيلة لتعزيز اللحمة الوطنية، وأكدوا على ضرورة وجود قانون للأحزاب كأداة لتحسين العمل الحزبي.

الفنان جهاد عبده

الخوف من توارث التركة السياسية للنظام السابق

على جانب آخر، تم تسليط الضوء على المسائل المتعلقة بالإرث السياسي السلبي للأحزاب السابقة. أكد الدكتور عبد الرحمن على أن الأحزاب تستطيع تحسين أداء السلطة من خلال التنافس على البرامج الجيدة، وهو ما يتطلب عملًا جماعياً بعيداً عن الصور النمطية للأحزاب.

كما قال الدكتور ياسر أن تغيير نظرة المجتمع للأحزاب هو مسؤولية الجميع، ويجب في الوقت نفسه التركيز على ضرورة عدم السماح بنمو نماذج أحزاب السلطة من جديد، مما يستدعي الحوار المفتوح بين الأحزاب.

بينما نوهت، على هامش الحوار، الأستاذة عالية، أنها لا تريد تعجيز في الحياة السياسية، ولا تريد قوانين صارمة لتأسيس أحزاب متنوعة حتى وإن اختلفت بأيديولوجيتها لا بأس في ذلك طالما تعبر عن نفسها بشكل سلمي.

السيناريوهات المحتملة لمستقبل الحياة الحزبية في سوريا

اختتم الحوار بالتطرق إلى السيناريوهات التي قد تواجه الحياة الحزبية في سوريا. أشار الدكتور ياسر إلى خطورة الاحتكار الحزبي والخوف من أن يظل هناك فقط قائد واحد ولون واحد وحزب واحد.

بينما حذر الدكتور عبد الرحمن من استخدام الضغوط الخارجية كذريعة لعدم إقامة الأحزاب.

في حين أكد الأستاذ محمد على ضرورة عدم التنازل عن حق المواطنين في المشاركة السياسية.

أما الأستاذة عالية فقالت بوجوب عدم تكبير هاجس الخطر الخارجي الموجود بطبيعة الحال بسبب الجغرافيا، وألّا نلغي الحياة السياسية بحجته بل أن نوازن في التعامل مع الوضعين الخارجي والداخلي باستخدام الأدوات المناسبة لكل منهما.

ختاماً، تظل جلسة صالون سوريا للفكر والثقافة نموذجاً للجهود المبذولة لرسم ملامح المستقبل السياسي للبلاد. فالحاجة إلى أحزاب سياسية قادرة على إحلال لغة الحوار والحوار المدني أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

من خلال تعزيز الوعي السياسي وأهمية المشاركة، يمكن للمجتمع السوري أن يتجاوز المخاوف ويرسم مستقبلًا جديداً يقوم على أسس ديمقراطية، في ظل بيئة آمنة ومستقرة. إن التعاون بين مختلف الفئات والأحزاب سيكون المفتاح لبناء سوريا الحديثة، حيث يكون لكل صوت قيمة، ويكون الاختلاف محركاً للتقدم بدلاً من الانقسام.

وطبعاً لا يجب، في خضم الحميّة لبناء أحزاب، أن ننسى أنّ ذلك يجب أن يتمّ بنوع من التنظيم الذي يمنع استغلال هذه الكيانات للإضرار بالحياة السورية، وهذا يكون عبر آليات وشروط يجب أن تكون واضحة منذ البدء، للدولة، وللمجتمع.

اقرأ أيضاً: على رأسها أساليب الزراعة القديمة.. استنزاف الموارد المائية القاتل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى