المجتمع السوري

شهادة البكالوريا في سوريا.. هل تصنعها المدارس أم الدروس الخصوصية؟

لطالما كانت شهادة البكالوريا في سوريا هاجس لجميع الطلاب ونيلها مفتاح لحياة جديدة، وأول خطوة في مسيرة الحياة العملية والمهنية. شكلّت البكلوريا حالة قلق يتقاسمها الأهل وأبناؤهم الطلاب، ساعين بشتى الطرق لنيل أعلى الدرجات فيها، باذلين كل الجهود في سبيل تسجيل فروع عالية في الجامعات. فشكلت الدروس الخصوصية على مدى السنين الفائتة في سوريا بوابة العبور لتحقيق المراد ونيل المنى.. فغدت مع الوقت شبحاً يطارد الأهالي ويثقل كاهلهم المادي ويؤرق الطلاب ويوترهم في حال لم يتأكدوا من معلوماتهم ويصقلوها في درسٍ هنا وتسميعٍ هناك؟ وهكذا يبدأ ماراتون البكالوريا من مطلع العام الدراسي وحتة صدور النتائج.

في ضوء صدور النتائج وسباق الدروس الخصوصية سنناقش مدى تأثيرها بالنتائج الصادرة عبر استطلاع رأي بسيط بين الطلاب الناجحين وسؤالهم عن مدى مساهمتها في ذلك، بعد عرض بعض التفاصيل المتعلقة بالدروس الخصوصية في البلاد.

نتائج البكالوريا

صدرت أمس السبت 30 آب نتائج البكالوريا في سوريا. في تصريح لوزير التربية والتعليم الدكتور “محمد تركو”، أعلن عن صدور نتائج امتحانات الشهادة الثانوية العامة بفروعها كافة على التطبيق الرسمي المعتمد من الوزارة والمعمّم على صفحاتها الرسمية، وبيّن أن أعداد الطلاب المتقدمين، ونسب النجاح التي كانت على الشكل التالي: بلغ العدد الإجمالي للطلاب المتقدمين لامتحانات الشهادة الثانوية العامة بفروعها كافة 354,075 طالب وطالبة، في الفرع العلمي بلغ عدد الطلاب المتقدمين 211473، وبلغت نسبة نجاح الطلاب النظاميين 75.5% ونسبة نجاح الطلاب الأحرار 55.6%.

أما في الفرع الأدبي بلغ عدد الطلاب المتقدمين 115,801 وبلغت نسبة نجاح الطلاب النظاميين 54.9% ونسبة نجاح الطلاب الأحرار 24.1%، وفي الثانوية الشرعية بلغ عدد الطلاب المتقدمين 2139وبلغت نسبة نجاح الطلاب النظاميين 77.5% وبلغت نسبة نجاح الطلاب الأحرار 57%، أما في الثانوية المهنية بلغ عدد الطلاب المتقدمين 24662 وبلغت نسبة نجاح الطلاب النظاميين 32.9% وبلغت نسبة نجاح الطلاب الأحرار 19.9%.

دروس البكلوريا الخاصة في سوريا.. بين الضرورة والتجارة

يعيش الطلاب حالة من الضغط والتوتر تضعهم على مذبح الدراسة والتحصيل العلمي من جهة والوضع الاقتصادي وارتفاع أجور الدروس الخصوصية من جهة أخرى. فتدفع بهم هذه الصراعات إلى التهافت لتسجيل الدروس الخصوصية ليس فقط للمواد الأساسية بل لأغلب المواد وذلك بسبب تراجع فعالية التعليم بالمدارس الحكومية وتدني جودته، ما دفع العديد من الأهالي إلى تخصيص الجزء الأكبر من دخلهم الشهري لتأمين الدعم الدراسي لأبنائهم وجنوح الطلاب أنفسهم عن تلقي المعلومة من المدارس والتوجه لتلقيها من الدروس الخاصة، في ظل أجور مثل سِكيّن الجزّار تنهال على جيوب الأهالي الساعين لتعليم أولادهم بشكل سليم.

حق التعليم حق أساسي في الحياة، بيد أن تلك الأجور لا تتناسب مع متوسط الدخل الفردي والظروف المعيشية الراهنة. فهل أضحت الدروس الخصوصية تجارة في سوريا مستغلةً ضعف التعليم الرسمي والحاجة لتلقي المعلومة بشكل كافي؟ أم أن الأجر المرتفع حق للأستاذ لقاء جهده المبذول والمضاعف وعدم كفاية راتبه من الدولة؟

رواتب المعلمين في المدارس الحكومية بالكاد تكفي لتأمين حاجات أسبوع واحد، ما يضطرهم للجوء إلى الدروس الخصوصية كمصدر دخل إضافي. رواتب البعض من المعلمين لا تتجاوز 280 ألف ليرة وحتى بعد زيادة الرواتب الأخيرة، هذا لا يغطي حتى أجور المواصلات والطعام. يؤكد بعض المدرسين الخصوصيين أن طلبهم لهذا الأجر المرتفع ليس طمعاً، بل بفعل ما فرضه الواقع المعاش في البلاد، فهم كباقي أفراد الشعب لديهم متطلبات ومستلزمات أساسية يحتاجون لتلبيتها.

تختلف جودة التعليم الخاص بحسب الجهد الشخصي، والطلاب يحققون نتائج ملموسة تعكس قيمة ما يدفعونه، فالمدرسون الخاصون يقدمون ملخصات، والاختبارات أسبوعية، إلى جانب الدعم النفسي المفتقد تقديمه في مدارس الدولة ما ينعكس على نتائج طلاب شهادة البكالوريا في سوريا.

ويقول أساتذة آخرون، أن سبب ارتفاع أجور الدروس الخاصة لا يكمن في الطمع، بل في التكاليف المعيشية المرتفعة في المدن السورية كافة لاسيما  العاصمة، وضغوط الحياة التي لا تميز بين أستاذ وطالب. فمنهم مضطر لرفع الأجرة، لأنه يدفع إيجاراً مرتفعاً، ويحتاج لتأمين معيشة لأولاده. خاصة بعد أن تدهور الدخل للمدرسين في المدارس الحكومية بفعل الوضع الاقتصادي المتقلب.

للدروس الخصوصية تأثير مباشر على التحصيل العلمي لكافة مراحل التعليم في سوريا، تحديداً شهادة البكالوريا. رغم ارتفاع أجور تلك الدروس تبقى العامل الفصل في نيل الشهادة في ظل تدني مستوى التعليم الحكومي ونفور الطلاب من تلقي المعلومات في مدارس الدولة وطلبهم إياها في المعاهد الخاصة التي تحتضن العديد من المدرسين الباحثين عن مصدر دخل إضافي ينقذ مسؤوليات حياتهم.

اقرأ أيضاً: وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تصدر المفاضلة الرقمية المركزية للدكتوراه

الدرس الخاص عامل حاسم أم مساعد في الشهادة

الدروس الخصوصية في سوريا تحتل مكانة بارزة في رحلة طلاب البكالوريا في البلاد، بل تعتبر مرافقة لهم حتى تقديم آخر مادة في الامتحان. يلجأ إليها الكثيرون باعتبارها وسيلة لتعويض ما فاتهم في الصفوف النظامية أو لفهم المواد المعقدة بشكل أعمق وبشكل يمكنهم من نيل تحصيل علمي كافي لتسجيلهم بفروع عالية في الجامعات السورية. فهي من جهة تشكّل عاملاً مساعداً يمنح الطالب فرصة أكبر لترتيب أفكاره وتكثيف مراجعته قبل الامتحان، لكن من جهة أخرى فَرض ترّدي الظروف الاقتصادية والتعليمية في البلاد، أن تشكلّ الدروس الخصوصية عاملاً حاسماً يحدد النجاح في نيل الشهادة. خاصة في ظل ازدحام الصفوف وضعف المتابعة الفردية داخل المدارس.

من إيجابياتها أنها تمنح الطالب وقتاً مخصصاً للتوضيح، وتساعده على تنظيم دراسته واستيعاب المعلومات بشكل أدق، فضلاً عن تقليص شعوره بالضغط والخوف من الامتحان. لكن لتلك الظاهرة سلبياتها أيضاً، إذ ترهق الأسر بتكاليف مالية مرتفعة وباهظة على مدار العام الدراسي، وتحوّل التعليم إلى خدمة مدفوعة وربما إلى تجارة بدل أن يكون حقاً متاحاً للجميع، كما أنّها تُعمّق الفوارق الطبقية بين الطلاب القادرين على تحمل كلفتها والذين لا يملكون ذلك، فتنتج تباين واضح في المستويات بين الطلاب بفعل مساعدتها لبعضهم في تحسين مستواه وحرمان بعضهم من ذلك التحسين بسبب عدم توّفر قدرة الدفع المادي لتسجيل تلك الدروس.

اقرأ أيضاً: وزارة التربية والتعليم تصدر دليل تعديل الشهادات الأجنبية

آراء بعض الطلاب الناجحين في البكالوريا حول الدرس الخاص

عند سؤال الطلاب الناجحين في شهادة البكالوريا عن الدروس الخصوصية ومدى تأثيرها في نتائجهم، كانت التصريحات متقاربة لدرجة التطابق. فعند سؤالهم هل تعتبر الدوس الخاصة سبباً رئيسياً في نجاحهم في البكالوريا؟

أجابت الطالبة الناجحة بالفرع العلمي بعلامة قدرها 230\240 “مريم زينة” من محافظة اللاذقية أن الدروس الخاصة كانت سبب رئيسي في نجاحها مؤكدةً أن للأساتذة الخاصين دور كبير في صقلْ مهارات الطلاب وحثّهم على المتابعة مضيفةً أنه يمكن الاعتماد على الدروس الخاصة كمكمل للتعليم الحكومي.

لتقول ناجحة أخرى أن خبرة الأستاذ الخاص مضاعفة من وجهة نظرها عن الاستاذ الحكومي، وإن اهتمامه بالطالب يكون أكثر تحديداً بالمواد الأساسية التي تتطلب مجهود عالي ومهارات كبيرة كالرياضيات، وأن تلك الدروس جاءت مكملة لجهودها الشخصية إذ أنها لم تعتمد على التعليم الحكومي في تلقي المعلومات، لتجيب طالبة ناجحة أخرى أن اعتمادها أيضاً كان بالمطلق على الدروس الخاصة لأنه وحسب تعبيرها لا يوجد إعطاء بالمدارس يعتمد عليه.

من ضمن الاسئلة التي طرحت عليهن، هل يمكن لطالب مجتهد أن ينجح بمعزل عن الدروس الخصوصية؟ أجابت مريم: “بالطبع يمكن النجاح بمعزل عن الدرس الخصوصي في حال كان الطالب مجتهد ومتابع لمواده وأساتذته في التعليم الحكومي، وفي حال وَفر أساتذة التعليم الحكومي الرعاية الكافية للطلاب”، أما زميلاتها فأجبن: يمكن أن ينجح الطالب بكل تأكيد لكن الدرس الخاص يساعد على فهم وتسهيل المعلومة وعلى التدريب عليها. أكدت إحداهن أن للدرس الخاص دور في زيادة نسب النجاح والتفوق، أما الأخرى من وجهة نظرها لا يمكن النجاح دون الدرس الخصوصي مؤكدةً من جديد على غياب الاهتمام ضمن الصفوف الحكومية.

عند سؤالهن عن التكلفة المادية والعبء المادي المتكبد خلال العام الدراسي نتيجة الدروس الخاصة، أجبن أنّ  التكلفة شهرياً وبشكل متقارب بينهم كانت تبلغ مليون ليرة وربما تتجاوزها بقليل، وأفدن أن أجور الدروس الخاصة كان مبالغ فيها جداً ومرتفعة بشكل كبير وغير مراعيه للواقع المعيشي في البلاد.

بسؤالهن عن نصائحهن لطلاب السنة المقبلة: هل يعتمدون على الدروس الخصوصية أم يكتفون بالمدرسة والمراجعة الذاتية؟

أجابت مريم: “أن لا يراكم الطلاب أي شيء بالدرجة الأولى، وأن يكون الطالب متابع في المدرسة وأن يقيس ما إذا كانت متابعته في الصفوف الحكومية كافية أم لا، لكن أكدّت على أن الرياضيات كمادة أساسية تحتاج لدرس خاص، فهي تتطلب التمكين منها جيداً ومهارات أعلى لضمان علامة جيدة فيها، منوهة على أن الانترنت وفرّ الكثير على الطلاب الغير قادرين على تسجيل دروس خاصة”.

بدورهن زميلاتها نَصحن بالدروس لخصوصية كعامل حاسم في النجاح، حاثين الطلاب كذلك على المتابعة وعدم الإهمال وملاحقة (التساميع) وعدم تفويت أي منها.

في سياق متصل أفادت بعض المعاهد الخاصة أن نسب النجاح لديها في المواد الأساسية في البكالوريا، بلغت معدلات عالية في كلا الفرعين الأدبي والعلمي، ونسبت هذا النجاح لجهود مدرسيها وتفانيهم مع الطلاب.

في الختام، في ظل ما يعانيه التعليم بسوريا من تدني في مستواه، وفي ظل الفترات التي عانت فيها البلاد من فاقد علمي بسبب الصراع وجائحة الكورونا والزلزال. فرضت الدروس الخصوصية نفسها كقَدر على الأهل والطلاب حتى إشعارٍ آخر، وصنعت من نفسها بفعل الظروف عاملاً حاسماً للنجاح في شهادة البكالوريا لا مساعداً في ذلك أو عاملاً ثانوي.. ما يعني أن الأهل في كل عام أمام معاناة مادية مريرة لتأمين حق التعليم لأولادهم كما يجب، والطلاب أمام ماراتون نيل الدرجات المؤهلة للجامعة التي لا يمكن بلوغها دون قفز حواجز الدروس الخاصة.. على أمل أن تعود الكفاءة للتعليم السوري والجودة التي كان يتمتع بها، إلى جانب تحسين رواتب المعلمين، لتصبح بذلك الدروس الخصوصية من الماضي.

اقرأ أيضاً: وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تصدر المفاضلة الرقمية المركزية للدكتوراه

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى