شكاوى “شام كاش” تتزايد .. هل تنظيم التطبيق بداية إنقاذه أم بداية نهايته؟

بقلم: ديانا الصالح
يخرج شادي من مكتب الصرافة ويجرُّ معه خيبة أملٍ جديدة، تثقل كاهله إلى جانب الضغوط التي تتراكم عليه يوماً بعد يوم، بعدما لم يتمكن من سحب أمواله عبر شام كاش بالليرة السورية، لتتراود إلى ذهنه مجموعة من الأفكار الضبابية، التي تعززها أصوات من حوله بضرورة وجود وساطة ليتمكن من سحب أمواله بالليرة، ليزداد قلقه على مستقبل رصيده في التطبيق.
خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت شكاوى مستخدمي شام كاش بعدة محافظات، حيث واجه مواطنون صعوبات في سحب أرصدتهم بالليرة السورية، فيما تحدث آخرون عن رفض بعض مكاتب الصرافة تنفيذ عمليات السحب أو مطالبتهم بمبالغ إضافية.
لسنواتٍ عدّة كان تطبيق شام كاش بالنسبة للكثير من السوريين في إدلب تحديداً الطريقة الوحيدة العملية لاستلام أموالهم، أو تحويل مبلغ لأهلهم من دون الوقوف في طوابير المصارف، وعندما تعمم التطبيق على باقي المحافظات السورية، ازدادت شكاوى شام كاش وعلى فترات متقطعة، قد لا يكون آخرها المشاكل التي يمر بها التطبيق خلال الأسابيع الأخيرة.
ما بدا أنه الحل تحول إلى مشكلة، طوابير أمام مكاتب الصرافة ورفض تسليم المبالغ، وعمولات تضاعفت عدة مرات خلال أيام، ما الذي يجري في الكواليس؟
شكاوى شام كاش .. هل يُنظَّم أم ينتهي؟
أعلنت إدارة تطبيق شام كاش أنها بدأت بتطبيق مجموعة من الضوابط والمعايير التنظيمية الجديدة، وذلك بالتنسيق المباشر مع مصرف سوريا المركزي، وأشارت إدارة الشركة إلى أنها تهدف إلى رفع مستويات الامتثال والحوكمة، بالإضافة إلى تحسين جودة الخدمات التي تُقدم للمستخدمين.
وأوضحت الشركة أن هذه الضوابط تنسجم مع توجهات مصرف سوريا المركزي، وتتوافق مع أفضل الممارسات والمعايير الدولية في مجال الدفع الإلكتروني، وهذا ما يخدم مسيرة التطوير المؤسسي للشركة على المدى الطويل.
لماذا الآن تحديداً؟
هذا التوجه لم يأتِ من فراغ، فوفقاً لتقارير محلية، فقد كان رفض الشركة المالكة للتطبيق الحصول على ترخيص رسمي، والخلافات حول اعتماده بشكل كامل من الحكومة، من بين الأسباب غير المُعلنة التي أدت إلى إعفاء حاكم المصرف المركزي السابق عبد القادر حصرية، وتعيين محمد صفوت رسلان بديلاً عنه في منتصف أيار الماضي.
لكن يبدو أن الشركة المالكة للتطبيق أُجبرت في نهاية المطاف على ربطه بالمصارف وزيادة معايير الشفافية، بما في ذلك الكشف عن مقدار العمولات المفروضة على الحوالات المالية التي تجري عبره، خاصة أن استمرار عمل التطبيق بشكله القديم لم يعد ممكناً، لاسيما مع دخول شركات دولية مانحة إلى سوريا، وبدء تسوية علاقات المصرف المركزي مع البنوك الدولية، وهذا ما يستوجب معايير امتثال أعلى بكثير مما كان معمولاً به سابقاً.
انعكاس المشهد على الأرض
سرعان ما انتقلت هذه الفوضى التي تجري في الكواليس إلى تجارب المواطنين المباشرة، ففي دمشق اشتكى المواطنون من تنكّر مكاتب الصرافة لتطبيق شام كاش، الذي يتمّ من خلاله صرف رواتب موظفي مؤسسات الدولة، حيث رفضت بعض المكاتب عمليات تحويل الليرة السورية إلى دولار داخل التطبيق، دون أن يرى الأهالي أسباباً واضحة لهذا الرفض.
فيما طالب عدد من المواطنين حاكم المصرف المركزي بالتدخل العاجل لإيجاد حلٍّ، بعد أن استمرت المشكلة لنحو أسبوع كامل، خاصّةً أنها تزامنت مع استلام الموظفين رواتبهم عبر التطبيق، مما أدى فعلياً إلى “تجميد” هذه الرواتب في وجه أصحابها.
وفي حلب ارتفعت شكاوى المواطنين الذين توجهوا إلى مكاتب الصرافة، لسحب أرصدتهم المسجلة بالليرة السورية، ليُفاجَؤوا برفض تنفيذ العملية مع إبلاغهم بأن السحب متاح بالدولار فقط.
بينما برّر بعض العاملين في مكاتب الصرافة هذا الرفض بصعوبات يواجهونها في سحب قيم الأرصدة من المصرف المركزي نفسه، إلى جانب عدم قدرتهم على تأمين السيولة اللازمة لتنفيذ عمليات السحب بالعملة السورية، رغم أن العملة نفسها ما زالت متداولة بشكل طبيعي في عمليات البيع والشراء اليومية.
العمولات على رأس المستفيدين
وما يزيد الطين بلةً، أن الأمر تعدى صعوبة السحب، حيث ظهرت مشكلة أخرى تتعلق بعمولة السحب، ففي دمشق ارتفعت عمولة عملية السحب عبر شام كاش من 50 ليرة سورية جديدة إلى 150 ليرة جديدة، وذلك مقابل كل 10 آلاف ليرة يتم سحبها، أي أن العمولة تضاعفت ثلاث مرات تقريباً.
ويتوازى ذلك مع ظهور مشكلة أخرى، تتمحور في تقاضي بعض الوسطاء ومكاتب الصرافة مبالغ إضافية مقابل تأمين الليرة السورية للمستفيدين، وهذا ما وصفه ناشطون بالسمسرة على العملة، ليُحمِّل المواطنين أعباءً مالية إضافية، مقابل الحصول على حقهم في استلام أموالهم بعملتهم المحلية.
المشكلة ليست جديدةً
هذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها مستخدمو “شام كاش” صعوبات مشابهة، فقد سبق أن اشتكى معلمون في مدينة حلب خلال فترة سابقة من عجزهم عن قبض رواتبهم عبر التطبيق، وذلك بعد امتناع بعض مكاتب الصرافة عن تصريف أرصدتهم أو فرضها شروطاً وعمولات مرتفعة عليهم.
ومع حلول عيد الفطر آنذاك، وجد الكثير من المعلمين أنفسهم أمام رفضٍ متكرّر من مكاتب الصرافة لتصريف أرصدتهم، في وقت كانت الحاجة للسيولة فيه في أعلى مستوياتها، وهذا إن دلَّ على شيء فهو مؤشر على أن المشكلة الحالية ليست طارئةً، فهي استمرار وتفاقم لخلل قائم منذ فترة، وهنا تكمن المصيبة.
إلى أين يتجه التطبيق؟
وفقاً لرؤية الباحث والخبير الاقتصادي يونس الكريم، فإن المصرف المركزي يتّجه نحو تقنين استخدام الشركات لتطبيق شام كاش، وذلك من خلال تحويله تدريجياً من أداة مصرفية محدودة إلى أداة تحويل شعبية، لتكون أقرب إلى خدمات شركات الاتصالات، للالتفاف على الانتقادات الموجهة إليه، وعلى غياب منظومة قوانين مصرفية واضحة للامتثال والتحقق.
وبناءً على هذا التوجه، يرجّح الكريم أن يبقى التطبيق محصوراً بالتعاملات الداخلية ورواتب الموظفين، دون أن يستبعد في الوقت نفسه الإعلان لاحقاً عن تطبيق منفصل مخصص للحوالات المالية الخارجية، يعمل تحت رقابة المصرف المركزي مباشرة.
وسواء كانت الضوابط الجديدة التي يدور الحديث عنها خطوةً ضرورية، نحو تطبيق أكثر شفافية وامتثالاً للمعايير الدولية، أو مرحلةً انتقالية قد تنتهي بتحجيم دور شام كاش لصالح أدوات مصرفية أكثر تنظيماً، فإن الثابت حتى الآن هو أن من يدفع كل الكلفة لهذا التحول هو المستخدم العادي، حيث تدور السلسلة حول موظف ينتظر راتبه ومواطن يبحث عن عملته المحلية، ووسيط يفرض عمولة إضافية على كل من يقف في الطابور.
ومع استمرار الغموض حول الوجهة النهائية لهذه الإجراءات الإدارية، إشارات الاستفهام والقلق تدور في رأس من يملك رصيداً داخل التطبيق اليوم، فيما يبقى الجواب عن مصير هذا الرصيد رهناً بما ستكشفه الأسابيع المقبلة.
اقرأ أيضاً: ثغرات وأموال مجمدة: قصة “شام كاش” بين الاختراق والمخاطر الرقمية









