أعمال واستثمار

شقق بـ360 ألف دولار في سورية.. لمن تُبنى هذه المشاريع العقارية؟

بقلم هلا يوسف

منذ التحرير ازداد الحديث عن الاستثمارات في مجال البناء التي ستنقذ ملايين السوريين من أنياب الإيجارات وعذابات التهجير والنزوح. ففي كل مرة يتم فيها الإعلان عن مشاريع سكنية جديدة، يشعر من يهمه الأمر أن بارقة أمل بدأت تظهر، لكن سرعان ما تنطفئ هذه البارقة عند معرفة السعر. نعم عجلة الإعمار تتحرك، لكن لمن؟ هل البيوت الفخمة موجهة للمواطنين الفقراء؟ وإذا لم تكن موجهة لهم، هل هناك مشاريع تناسب مدخراتهم وقدرتهم المالية؟

لا يمكن الاعتراض على المشاريع السكنية الفخمة، فمن المؤكد أن لها زبائنها من المقتدرين مادياً، لكن ما ينتظره السوريون اليوم هو تخصيص مشاريع ذات تكلفة منخفضة أو متوسطة تناسب أوضاعهم، وفي نفس الوقت تسلمهم المنازل بعد فترة قصيرة. فإذا كان سعر المتر يتجاوز 1800 دولار، كيف سيستطيع عامة الشعب أن يشتري؟

شقق فاخرة.. لكن من يستطيع شراءها؟

مشاريع سكنية كثيرة تم إطلاقها منذ فترة، وتحدثنا عنها وعن مواصفاتها في مقالات سابقة مثل “أبيات هيلز” وغيرها. لكن من يتطلع على الأسعار سيعرف تلقائياً أنها موجهة لطبقة الأغنياء في بلد 90% من مواطنيه يقبعون تحت خط الفقر.

وربما أخذ مثال بسيط خير دليل على الكلام السابق. فمثلاً إذا كانت أصغر شقة في بعض المشاريع تصل مساحتها إلى نحو 200 متر مربع، ومع سعر يتجاوز 1800 دولار للمتر، فإن سعرها يقترب من 360 ألف دولار.

هذا الرقم كبير جداً بالنسبة إلى معظم السوريين داخل البلاد، خصوصًا مع انخفاض الرواتب وضعف القدرة الشرائية. وحتى إذا قلنا إن هذه المشاريع موجهة إلى السوريين المغتربين من الطبقة المتوسطة، فهل يستطيع الجميع دفع هذا المبلغ مقابل شقة واحدة؟ في الغالب الجواب لا.

قد يقول البعض إن المستهدف هو الشريحة الغنية من المغتربين، لكن هنا تظهر مشكلة أخرى. فالشخص الذي يملك هذه القدرة المالية غالباً لديه خيارات عقارية كثيرة، وقد يمتلك أصلًا منزلًا أو أكثر، سواء داخل سورية أو خارجها. إذاً أين الشريحة الأكبر من الناس؟

هنا تبدو المشكلة وكأنها ليست في سعر العقار فقط، بل في طريقة قراءة السوق من الأساس. فالاستثمار العقاري يحتاج إلى معرفة من هو الزبون قبل أن نقرر ماذا سنبني له. ولا يكفي أن يكون المشروع جميلاً وفاخراً ومليئاً بالخدمات، إذا كان معظم الناس الذين يفترض أن يشكلوا قاعدة الطلب لا يستطيعون شراءه.

وقد أشار الخبير الاقتصادي جوزج خزام إلى هذه النقطة، محذرًا من أن توجيه الاستثمارات إلى الطبقة الغنية فقط، مع ضعف الاستثمارات الموجهة إلى الطبقة المتوسطة والفقيرة، قد يؤدي إلى زيادة مظاهر الغنى مقابل زيادة مظاهر الفقر واتساع الفوارق الطبقية.

ويقدم خزام مثالاً بسيطاً يوضح فيه فكرته، فيقول بدلاً من بناء ثماني شقق متوسطة بسعر 25 ألف دولار للشقة، يمكن أن يُبنى منزل واحد بسعر 200 ألف دولار موجه للأغنياء فقط.

ويشير إلى أن المشروع الفاخر سيشغل عمالاً وحرفيين ويزيد الطلب على بعض المنتجات والخدمات المحلية، لكن في المقابل تأثيره في إعادة الإعمار يبقى محدوداً إذا كان موجهاً إلى أشخاص لا يعانون أصلاً من أزمة السكن.

اقرأ أيضاً: قبل ارتفاع أسعارها.. ضواحي سكنية في دمشق عليك أن تشتري فيها!

لا يمكن نسخ تجربة دبي كما هي

ربما تبدو فكرة المشاريع الفاخرة والبيع على المخطط معروفة لدى الناس المتابعين للسوق العقارية في دبي، حيث يمكن للمشتري حجز العقار قبل اكتمال بنائه وانتظار سنوات حتى يصبح جاهزاً. لكن هل يمكن تطبيق التجربة نفسها في سورية؟

في الواقع، الفكرة بحد ذاتها ليست المشكلة، بل تجاهل الفرق الكبير بين السوقين هو المشكلة. ففي دبي عندما تبحث عن منزل، ستجد أمامك خيارات كثيرة، حيث يمكنك اختيار استوديو صغير، أو شقة من غرفة وصالة، أو شقة بغرفتين أو ثلاث، كما تختلف المساحات والأسعار من مشروع إلى آخر. وهناك أيضاً خطط دفع مرنة وتمويل وتسهيلات تساعد المشتري على توزيع تكلفة العقار.

أما في سورية، فالوضع مختلف تماماً، فالرواتب منخفضة مقارنة بأسعار العقارات، والقدرة الشرائية محدودة، والتمويل العقاري لا يزال بعيداً عن تقديم قروض بمئات آلاف الدولارات لمواطنين لا تسمح رواتبهم أصلاً بتحمل أقساط بهذا الحجم.

لذلك إذا أخذنا مشروعًا ناجحاً من دبي ووضعناه كما هو في دمشق أو حلب أو أي مدينة سورية، فلا يمكن أن نفترض أنه سيحقق النتيجة نفسها. وهنا نصل لنتيجة أن المشروع يجب أن يتكيف مع السوق وليس العكس.

وهنا نصل لنقطة مهمة، وهي أن أي مستثمر عقاري يريد الدخول للسوق السورية من الطبيعي أن يبحث عن الربح، لكن الوصول للربح لا يعني أن يتم بناء أغلى الشقق، بل يمكن أن يربح مشروعه عندما يعرف ما يحتاجه الناس فعلاً.

اقرأ أيضاً: أسعار مواد البناء بارتفاع.. ما علاقة الحرب الإقليمية؟

البيت الذي يحتاجه السوري اليوم

أغلب السوريين اليوم مشتتين بين الإيجارات التي تستنزف رواتبهم ومدخراتهم. ومن ذاق لوعة الإيجار لا يريد شقة فخمة، فإذا سألت أي مواطن سوري عن مواصفات المنزل الذي يرغب فيه، لن يقول لك أريد مسبحاً وخدمات تشبه الفنادق، وديكورات عصرية. بل طلبه سيكون بيتاً آمناً ومناسباً له ولعائلته، ويستطيع دفع ثمنه دون رهن عمره بالكامل وهو يدفع أقساطاً.

وهنا تظهر أهمية الإسكان الميسر، أي المشاريع التي تقدم وحدات صغيرة ومتوسطة المساحة، بأسعار أقرب إلى قدرة الناس، مع خطط تقسيط طويلة وميسرة قدر الإمكان. فالسوق السورية لا تحتاج فقط إلى شقق فاخرة، بل تحتاج قبل كل شيء إلى شقق تستطيع الأسرة السورية شراءها فعلاً.

وهذا ما أكده الباحث الاقتصادي محمد مشعل، الذي يرى أن قطاع البناء والتشييد من أهم القطاعات الحيوية للاقتصاد السوري، خصوصاً في مرحلة إعادة الإعمار، والفرص لا تقتصر على المشاريع السكنية، بل تشمل أيضاً المشاريع التجارية والبنية التحتية والطرق والجسور وشبكات المياه والكهرباء.

لكن عندما نتحدث عن السكن تحديداً، فإن الحاجة الأكبر تبدو واضحة، حيث هناك عائلات فقدت منازلها، وشباب يريدون الزواج، وأسر تبحث عن مسكن مناسب، وكل هؤلاء يحتاجون إلى خيارات تتناسب مع إمكاناتهم.

لذلك، ربما علينا أن نغيّر طريقة التفكير قليلاً. فنجاح إعادة الإعمار لا يقاس بعدد الأبراج الفاخرة التي ترتفع في المدن، ولا بعدد المشاريع التي تعلن عن أسعار مرتفعة للمتر، وإنما بعدد العائلات التي تستطيع أن تدخل فعلًا إلى بيت جديد وتبدأ حياتها من جديد.

في النهاية، لا اعتراض على الأبراج السكنية الفاخرة، لكن في نفس الوقت يجب التفكير بالطبقة المتوسطة والفقيرة التي تعاني من الإيجارات، فكل فترة نرى عائلة في محافظة سورية تفترش الحدائق لأن الإيجار أصبح فوق قدرتها. وإذا ما تم تدارك المشكلة عبر تسهيل المشاريع السكنية المخصصة لحالة أغلبية المواطنين، قد نرى المزيد من العائلات تتخذ من الشوارع مسكناً لها.

اقرأ أيضاً: الجمعيات السكنية التعاونية: توضيحات للمشاكل الموجودة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى