مؤسسات

شركة تاميكو: رحلة تعكس حجم التحديات في القطاع الدوائي

بقلم هلا يوسف

الصناعات الدوائية إحدى الركائز الأساسية لتحقيق الاستقرار الصحي. حيث عكست التحديات السابقة التي مرت بها هذه الصناعة مدى أهميتها في توفير الأمن الصحي. وعلى الرغم من قدم صناعة الدواء إلا أنها مرت بمراحل تدهور وازدهار حالها حال الكثير من القطاعات التي تأثرت بالسياسات المتبعة. وفي قلب هذه الصناعة، برزت شركة تاميكو للصناعات الدوائية كنموذج صلب للصمود والجودة، التي تحدت كافة الصعاب واستطاعت الاستمرار رغم ظروف الحرب وتداعياتها. وفي هذا المقال سنسلط الضوء على هذه الشركة المملوكة للدولة، وسنتعرف على واقع الصناعات الدوائية في سوريا.

تعد شركة تاميكو للصناعات الدوائية واحدة من أقدم وأهم شركات صناعة الدواء في سوريا. تأسست عام 1956 ومنذ ذلك الحين لعبت دوراً محورياً في تلبية احتياجات السوق المحلية من الأدوية المختلفة، كما كانت تصدر منتجاتها إلى دول أخرى. وقد حصلت الشركة على شهادة الأيزو 9001/2000 عام 2003، مما يعكس التزامها بالجودة والمعايير العالمية للإنتاج.

تاميكو بين السلم والحرب

قبل الثورة كانت تاميكو تنتج نحو 200 صنف دوائي متنوع بين أقراص وكبسولات وأشربة وحقن وتحاميل وكريمات، بالإضافة إلى أغذية الأطفال. وكانت الشركة تعمل عبر ثلاثة معامل رئيسية: المعمل الأول لإنتاج الأدوية البشرية مثل أدوية السكري والضغط والمضادات الحيوية، المعمل الثاني لأغذية الأطفال، والمعمل الثالث في حلب لإنتاج السيرومات.

في تلك الفترة كان القطاع العام يمتلك معملين فقط “تاميكو” و”الديماس” مقابل 98 مصنعاً خاصاً، مما يعكس محدودية الإنتاج الحكومي مقابل نشاط القطاع الخاص. وبفضل خبرة الكوادر المحلية، استطاعت تاميكو تلبية معظم احتياجات السوق المحلية، مع تحقيق إنتاجية كبيرة وصل إنتاجها إلى عشرات الأصناف وتصديرها للخارج، رغم القيود على استيراد المواد الفعالة والمعدات الحديثة.

ومع اندلاع الحرب في سوريا، تعرض مقر الشركة الرئيسي في المليحة بريف دمشق عام 2014 للدمار الكامل، مما أخرج المعمل عن الخدمة. فاضطرت الشركة للعمل من مقر بديل في باب شرقي، لكن هذا الموقع لم يكن مطابقاً للمواصفات الفنية المعتمدة من وزارة الصحة، ما أدى إلى توقف الإنتاج الكامل داخلياً.

لمواجهة هذا التحدي لجأت الشركة إلى خيار التصنيع لدى الغير عبر معامل خاصة مرخصة، لضمان استمرار الإنتاج وحماية المواد الأولية من الهدر. وأوضح المدير العام، عبد المعطي جمعة، أن العمل الحالي يقتصر على إتمام تعبئة المنتجات نصف المصنعة (الكرتنة)، بينما تتم عملية التصنيع الفعلي في المعامل الخاصة تحت إشراف تاميكو، مع تطبيق جميع فحوص الجودة للتأكد من مطابقة المستحضرات للمواصفات.

اقرأ أيضاً: شركات الأدوية البيطرية السورية مشعة في قطاعها رغم بعدها عن الأضواء

أشارت المديرة التنفيذية للشركة، منار منصور، إلى أن جميع المواد الأولية، سواء كانت فعالة أو مضادات أو حوامل، تخضع لتحاليل مخبرية دقيقة قبل التخزين، وأن المستحضرات النهائية تمر بفحوص تشمل المعايرة، اختبار التجفيف، والرطوبة، وغيرها لضمان الجودة. ولفت مدير التخطيط، هاني السلطي، إلى أن هذه الخطوة ضرورية للحفاظ على المواد والمستلزمات المتاحة وضمان استمرار الإنتاج حتى إعادة تأهيل المعمل الرئيسي.

مع التحولات الاقتصادية بعد التحرير تعمل تاميكو على إعادة بناء معاملها الرئيسية وفق معايير التصنيع الجيد (GMP)، مع تطوير خطوط إنتاجها وإنتاج مختلف الأشكال الدوائية كما كانت في السابق.

حتى مطلع العام الماضي، كانت الشركة تشغل ستة خطوط إنتاج تشمل الأقراص والكبسولات والأشربة وأملاح تعويض الشوارد والمعقمات، وبلغت الطاقة الإنتاجية 60 صنفاً دوائياً، بزيادة أكثر من 80% مقارنة بالعام السابق، وبقيمة إجمالية تقدر بحوالي 102 مليار ليرة سورية (أي نحو 100 ألف دولار).
ويؤكد المسؤولون في تاميكو أن هذا العمل ليس خياراً تفضيلياً، بل خطوة ضرورية لضمان استمرار إنتاج الأدوية وحماية المواد الأولية والمال العام، حتى يتم الانتهاء من إعادة تأهيل المعمل الرئيسي، واستعادة قدرة الشركة على الإنتاج الكامل داخلياً.

وهنا يمكن اعتبار شركة تاميكو مثالاً على صمود الصناعة الدوائية الوطنية. فقد تمكنت رغم الدمار والحصار والتحديات الاقتصادية من الحفاظ على اسمها في السوق، والاستمرار في تلبية احتياجات المواطنين، وهو ما يعكس عمق الخبرة والكفاءة الوطنية.

كما أنها اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من التطوير، تعتمد على معايير الجودة العالمية والانفتاح على الشراكات الدولية، لتعزز قدرتها على المنافسة داخلياً وإقليمياً، وتساهم في إعادة بناء صناعة دوائية وطنية حديثة، قادرة على تلبية احتياجات السوق المحلي وتصدير منتجاتها للخارج.

صناعة الدواء في سوريا: صمود وتحديات وفرص جديدة

استطاعت سوريا تحقيق شبه اكتفاء ذاتي من الأدوية قبل اندلاع الثورة السورية، حيث كانت تغطي أكثر من 90% من حاجتها محلياً، وتصدر إلى عشرات الدول. هذا الإنجاز جاء رغم القيود الكبيرة التي فرضها النظام السابق، من احتكار إداري وتقييد للقطاع الخاص، ومنح امتيازات لشركات محددة دون منافسة حقيقية.

بدأت الصناعة الدوائية في خمسينيات القرن الماضي بإنشاء معامل صغيرة لإنتاج مستحضرات بسيطة، ومع سبعينيات القرن العشرين توسعت تدريجياً بفضل الكفاءات الصيدلانية المحلية وتزايد الطلب الداخلي. غير أن سياسات النظام السابق أعاقت تطور القطاع، من خلال نظام تراخيص صارم، وموافقات أمنية معقدة لإنشاء أي معمل جديد، وإجبار الشركات الخاصة على شراكات شكلية مع جهات تابعة للنظام للحصول على المواد الأولية أو الامتيازات، ما أدى إلى بيئة احتكارية قللت من الابتكار والإنتاج النوعي.

على الرغم من هذه العقبات حقق القطاع تقدماً ملحوظاً، وبحلول عام 2010 وصل عدد المعامل الدوائية إلى أكثر من 70 معملاً، وغطت الإنتاجات المحلية نحو 90% من احتياجات السوق، مع تصدير منتجات إلى أكثر من 50 دولة عربية وإفريقية، وعائدات سنوية تجاوزت 250 مليون دولار. لكن التطور ظل محدوداً من الناحية التقنية بسبب احتكار النظام لتوريد المواد الفعالة، ومنع استيراد المعدات الحديثة إلا عبر وسطاء، مما رفع التكاليف وأبطأ من التجديد الصناعي.

اقرأ أيضاً: اختبارات مضللة وأدوية لا تنفع: هل نعالج ارتفاع ضغط الدم بطريقة خاطئة؟

الحرب وتداعياتها على الصناعة الدوائية

مع اندلاع الثورة السورية، تعرضت البنية التحتية للصناعة الدوائية لدمار واسع، خاصة في محافظتي حلب وريف دمشق. توقفت أكثر من 50% من المعامل عن العمل بين 2012 و2016 نتيجة القصف والعقوبات وصعوبة التوريد، بينما هاجر آلاف الصيادلة والمهندسين إلى الخارج. أدى ذلك إلى نقص حاد في الأدوية الأساسية، وانخفاض الإنتاج إلى أقل من 40% من طاقته قبل الحرب.

رغم هذه الظروف الصعبة، أظهرت بعض الشركات مرونة واضحة، وأعادت تشغيل خطوط إنتاج بدائية لتأمين أدوية الأمراض المزمنة محلياً، مما أكد عمق الخبرة الوطنية في هذا المجال. إلا أن الصناعة بقيت تخضع لمنظومة اقتصادية مغلقة، مع تقييد الاستثمار والتصدير، وسيطرة شركات قريبة من السلطة على الأسواق والمناقصات، إضافة إلى تهميش البحث العلمي، حيث اقتصر التطوير على إعادة إنتاج أدوية أجنبية دون ابتكار محلي.

مرحلة التعافي بعد الثورة

مع انتصار الثورة وتشكيل حكومة جديدة، بدأت مرحلة مختلفة من التفكير الاقتصادي، قائمة على تبني مبدأ اقتصاد السوق المنضبط، وتحسين بيئة الاستثمار، وإنهاء الاحتكار، وتشجيع المنافسة العادلة والشراكات الدولية، وتحديث التشريعات الدوائية لضمان جودة المنتجات وتسهيل تسجيل الأدوية الجديدة.

وعند المقارنة قبل اندلاع الثورة وبعد انتصارها، نجد أن قطاع صناعة الأدوية شكل نحو 3% من الناتج الصناعي المحلي، ووفر أكثر من 20 ألف فرصة عمل مباشرة. ومع إعادة الهيكلة والانفتاح التجاري، يتوقع أن ترتفع مساهمته إلى أكثر من 5% خلال العقد القادم، مع تقدير السوق الداخلية بحوالي 700 مليون دولار قابلة للزيادة مع تحسن الدخل وتوسع التغطية الصحية. ويمكن أن يعود التصدير ليشكل مصدراً مهماً للعملة الصعبة، خصوصاً مع إنتاج أدوية نوعية بأسعار تنافسية للأسواق الإقليمية.

لكن لا يمكننا تجنب التحديات التي تواجه هذه الصناعة، والتي من أهمها:

  • إعادة بناء الثقة الدولية بالمنتجات السورية من خلال الالتزام بمعايير التصنيع الجيد (GMP).
  • تأهيل الكوادر التي غادرت البلاد عبر برامج عودة العقول.
  • ضبط السوق لمنع الغش الدوائي ورفع مستوى الجودة.
  • استقرار السياسات النقدية لتخفيف تقلبات تكلفة الإنتاج.

لكن هذه التحديات طبيعية في مرحلة إعادة الإعمار، ويمكن التغلب عليها عبر مؤسسات مستقلة وسياسات شفافة.

القطاع الدوائي يشكل نواة لصناعات مكملة مثل التغليف وتصنيع المعدات الطبية والبحث العلمي التطبيقي، لذلك إحياء هذا القطاع يعني إعادة تنشيط الاقتصاد الصناعي بالكامل وتحقيق موازنة بين الأمن الصحي والاقتصادي، والسماح لسوريا بالمنافسة في سوق الشرق الأوسط، خصوصاً في مجال المستحضرات البيولوجية والدوائية الحيوية.

اقرأ أيضاً: سحب عالمي وتحذير محلي في سوريا.. منتجات نستله ومن يحمي المواطن السوري؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى