أمريكا في الرميلان: هل تعيد «HKN» إنتاج النفط أم تعيد توزيع النفوذ في الشرق؟

الكاتب: أحمد علي
تسلّمت شركة «HKN Energy» الأميركية مهام تشغيل حقول الرميلان في الحسكة، ثم ظهرت في 4 آب 2026 إلى جانب الشركة السورية للبترول معلنة خطة لرفع إنتاج الحقول تدريجياً إلى نحو 200 ألف برميل يومياً. الرقم كبير قياساً إلى إنتاج سوريا الحالي، ويضع المشروع في قلب محاولة استعادة قطاع فقد معظم قدرته منذ 2011. لكنه يضع أيضاً شركة أميركية خاصة في واحد من أكثر المواقع حساسية في الشرق السوري، بعد سنوات كانت فيها المنطقة خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية ومدعومة عسكرياً من الولايات المتحدة.
المؤتمر الصحفي في الرميلان لم يعلن قيمة الاستثمار أو حصة كل طرف من الإنتاج أو الأرباح، ولم تنشر الحكومة السورية النص الكامل للعقد. قالت الشركة السورية للبترول إن «HKN» ستنفذ مشاريع إعادة تأهيل وتستخدم تقنيات حديثة، وإن البرنامج يستهدف رفع الإنتاج تدريجياً، مع إشراك الكفاءات الوطنية وأبناء المنطقة في التشغيل. مصادر إعلامية تحدثت عن اتفاق يمتد 25 عاماً، لكن هذه المدة لم تظهر في البيان الرسمي المنشور عن مؤتمر آب، ولذلك تحتاج إلى نص تعاقدي معلن قبل التعامل معها كحقيقة حكومية نهائية.
HKN في الرميلان
رميلان ليس حقلاً منفرداً بالمعنى الضيق، بل منطقة إنتاج تاريخية تضم عدداً كبيراً من الآبار والمنشآت. اكتشف النفط فيها مطلع الستينيات وكانت من أهم مراكز الإنتاج السوري قبل الحرب. تشير بيانات رسمية حديثة إلى أن إنتاج المنطقة في ذروة ما قبل الحرب كان يقترب من 300 ألف برميل يومياً. استهداف 200 ألف برميل لا يعني أن هذه الكمية ستظهر سريعاً، لأن استعادة الحقول القديمة تحتاج إلى صيانة الآبار وخطوط التجميع ومحطات الفصل والتخزين ومعالجة المياه ومعدات الضخ، وقد تكون بعض الآبار قد تضررت نتيجة سنوات من التشغيل المتقطع.
بدأت الدولة باستجرار النفط من رميلان والسويدية إلى خزانات حمص في آذار، بعد ترتيبات تسلم الحقول ضمن اتفاقها مع «قسد». وفي الشهر نفسه تسلم الجيش السوري قاعدة رميلان بعد انسحاب قوات التحالف الدولي. هذا التسلسل يغير المشهد بصورة واضحة. السلطة العسكرية والسيادية تنتقل إلى دمشق، بينما يدخل رأس مال وخبرة أميركية عبر عقد تجاري. من السهل قراءة الأمر باعتباره استبدالاً للوجود العسكري بنفوذ اقتصادي، لكن الأدلة المنشورة لا تثبت أن «HKN» تعمل بوصفها أداة للحكومة الأميركية أو أن العقد جزء من ترتيب سياسي معلن بين واشنطن ودمشق.
الشركة نفسها خاصة ومقر نشاطها الأساسي في إقليم كردستان العراق. تعمل منذ 2007 في كتلة سرسنك، وأصبحت لاحقاً مشغلاً لكتلة أتروش. خبرتها العملية في بيئة جيولوجية وأمنية قريبة من شمال شرقي سوريا تمنحها ميزة مقارنة بشركة تدخل المنطقة للمرة الأولى. وتقول «HKN» عن نفسها إنها شركة مستقلة خاصة تركز على الاستكشاف والإنتاج في كردستان العراق، مع خبرة في تطوير الحقول وإدارة عمليات برية كبيرة.
تاريخها في الإقليم مهم اقتصادياً أكثر من كونه دليلاً سياسياً. الشركة تعرف البنية النفطية عبر الحدود وتتعامل مع قضايا الأمن والنقل والمدفوعات في سوق تعرض بدوره لنزاعات بين أربيل وبغداد. هذا قد يساعدها على تشغيل رميلان في بيئة ما تزال تحتاج إلى إعادة بناء خطوط التصدير والتكرير والتسوية المالية. لكنه لا يضمن النجاح، لأن القانون السوري ونظام ملكية الموارد وطبيعة الحقول المتقادمة تختلف عن عقود كردستان العراق.
الإنتاج قبل الجغرافيا
القطاع النفطي السوري يحتاج إلى زيادة إنتاج فعلية قبل أي حديث عن استعادة دور اقتصادي كبير. قال رئيس الشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي في كانون الثاني إن إنتاج الحقول السورية كان أقل من 100 ألف برميل يومياً، بعد أن كان يقارب 400 ألف قبل الحرب. في حقل العمر مثلاً تحدث عن تراجع الإنتاج من قدرة تاريخية تبلغ نحو 50 ألف برميل يومياً إلى نحو خمسة آلاف بسبب تقادم المعدات وأساليب التشغيل. هذه الفجوة تشرح سبب اندفاع دمشق إلى شركات دولية تستطيع توفير رأس المال والتقنية.
إذا اقتربت رميلان من هدف 200 ألف برميل يومياً، ستتغير معادلة الاستيراد والتكرير. تستطيع مصافي البلاد الحصول على خام محلي أكبر، ويمكن للدولة تقليل حاجتها إلى شحنات خارجية مرتفعة الكلفة. كما يخلق تشغيل الآبار طلباً على العمالة والصيانة والنقل والخدمات في الحسكة. لكن الرقم المستهدف لا يساوي إنتاجاً مضموناً. الحقول القديمة تخضع لانخفاض طبيعي في الضغط، ورفع إنتاجها يحتاج إلى دراسات مكامن وحفر آبار جديدة أو إعادة تأهيل آبار قائمة، وربما تقنيات حقن ومعالجة لا تظهر نتائجها في أشهر قليلة.
هناك سؤال عن وجهة النفط أيضاً. الأولوية المعلنة للحكومة هي دعم الإمدادات المحلية وتشغيل المصافي، وقد بدأت صهاريج من رميلان تصل إلى حمص. إذا تجاوز الإنتاج حاجة التكرير المحلية، يصبح التصدير ممكناً، لكن ذلك يحتاج إلى خطوط نقل وموانئ واتفاقات بيع وتأمين. لذلك لا يكفي إعلان حجم إنتاج مرتفع للحكم على الإيرادات التي ستدخل الخزينة. القيمة تتحدد بالسعر وكلفة التطوير وحصة المستثمر والضرائب وشروط استرداد النفقات.
هذه التفاصيل غير منشورة. لا يعرف الجمهور إذا كانت «HKN» تحصل على أجر تشغيل، أو حصة من الإنتاج، أو نسبة من الأرباح بعد استرداد الكلفة، أو صيغة أخرى. الفرق بين هذه النماذج كبير بالنسبة إلى المالية العامة. عقد طويل في حقل رئيسي قد يكون ضرورياً لجذب المستثمر بعد سنوات من المخاطر، لكنه يحتاج إلى قواعد تضمن أن تتحمل الشركة جزءاً من مخاطر الاستثمار وأن تحصل الدولة على عائد متناسب مع ملكيتها للموارد.
كما تحتاج الخطة إلى معيار بيئي وفني. سنوات الحرب شهدت استخراجاً بدائياً وتسربات وتلوثاً في أجزاء من الشرق. رفع الإنتاج من دون معالجة المياه المصاحبة والتربة المتضررة وشبكات الأنابيب قد يزيد الكلفة الصحية على السكان. لم يتضمن الإعلان الأول تفاصيل بيئية، ولذلك ينبغي أن تصبح خطط المعالجة والقياس جزءاً من المعلومات التي تنشر مع مراحل التنفيذ.
تعهد الطرفان بإتاحة فرص لأبناء المنطقة يلامس مشكلة محلية أساسية. حقول الحسكة كانت مصدراً للثروة بينما بقيت الخدمات والدخل متفاوتة. تشغيل سكان المنطقة وتدريبهم يمكن أن يربط استعادة الإنتاج بتحسن اقتصادي محلي، لكن أثر ذلك يحتاج إلى أرقام عن عدد الوظائف والأجور ونسبة العمالة السورية والعقود التي تذهب إلى موردين محليين. من دون هذه البيانات يبقى الحديث عن التنمية هدفاً معلناً لا نتيجة قابلة للقياس.
النفوذ بعد الانسحاب
الحضور الأميركي حول النفط السوري كان عسكرياً وسياسياً خلال سنوات الحرب، لأن القوات الأميركية دعمت «قسد» التي سيطرت على معظم حقول الشرق. التحول الحالي مختلف. الحكومة السورية تستعيد الإدارة والجيش ينتشر في مواقع كانت للقوات الأميركية، بينما تدخل شركات أميركية بعقود مع مؤسسات الدولة. إلى جانب «HKN»، أبدت شركات مثل «كونوكو فيليبس ConocoPhillips» و«شيفرون Chevron» اهتماماً بمشاريع الغاز والبحر، ما يشير إلى انتقال العلاقة الأميركية مع الطاقة السورية نحو التجارة والاستثمار.
هذا التحول يخدم دمشق إذا كانت العقود تعيد التكنولوجيا ورأس المال من دون إنشاء مناطق نفوذ اقتصادية مغلقة. الدولة تحتاج إلى أكثر من شركة وأكثر من شريك حتى لا يصبح الخروج من تبعية سياسية قديمة مدخلاً إلى اعتماد جديد. المنافسة بين مستثمرين أميركيين وأوروبيين وعرب، مع شركة وطنية قوية، تمنح دمشق قدرة أفضل على التفاوض على شروط السعر والتوظيف ونقل المعرفة.
بالنسبة إلى واشنطن، وجود شركة أميركية في رميلان يخلق مصلحة اقتصادية داخل منطقة كانت ذات أهمية أمنية. لكن الشركة لا تصبح بذلك قاعدة سياسية. «HKN» مملوكة للقطاع الخاص ولديها تاريخها الاستثماري الخاص، وموقعها الإلكتروني يبرز خبرة فريقها وعلاقاتها في كردستان العراق. بعض مسؤوليها عملوا سابقاً في مؤسسات أميركية، وهو أمر مألوف في شركات الطاقة الدولية، ولا يكفي لإثبات أن قرارها التشغيلي يصدر عن الحكومة الأميركية.
النفوذ الحقيقي سيظهر في شروط العقد وطريقة اتخاذ القرار. إذا بقيت الشركة السورية للبترول صاحبة القرار في الإنتاج والتسويق، وخضعت «HKN» للقانون والرقابة والضرائب السورية، يكون وجودها أقرب إلى استثمار أجنبي تحتاجه مرحلة إعادة التأهيل. وإذا امتلك المستثمر صلاحيات طويلة واسعة في إدارة الحقول والمبيعات مع شفافية محدودة، يصبح العقد نفسه مركز قوة اقتصادي داخل الشرق، بصرف النظر عن جنسية الشركة.
هناك بعد يتعلق بعلاقة دمشق مع «قسد» والمجتمعات الكردية والعربية. انتقال الموارد إلى الدولة كان جزءاً من اتفاق الدمج، لكن استقرار المنطقة يتطلب أن يرى السكان أثراً من هذه الموارد في الخدمات والوظائف. دخول شركة أجنبية قبل حسم آليات توزيع الإيرادات محلياً قد يثير اعتراضات إذا اعتقدت المجتمعات أن النفط انتقل من سلطة محلية إلى المركز ثم إلى مستثمر خارجي من دون مكسب ملموس لها. معالجة ذلك تحتاج إلى موازنات محلية معلنة وتوظيف وتطوير للبنية التحتية.
تملك سوريا فرصة لتحويل الرميلان من رمز للانقسام إلى مشروع وطني إذا نشرت عقده ومراحله. الأرقام التي يجب متابعتها هي الإنتاج الفعلي كل ربع، حجم الاستثمار، عدد الآبار المعاد تشغيلها، الكلفة لكل برميل، حصة الدولة، الوظائف المحلية، ونسب التلوث والمعالجة. هذه البيانات ستجيب عن السؤال الاقتصادي قبل الجدل السياسي.
«HKN» تستطيع إعادة جزء كبير من إنتاج النفط إذا امتلكت الحقول احتياطيات قابلة للاسترداد وكانت الاستثمارات كافية. دخولها يعيد في الوقت نفسه ترتيب شبكة المصالح في الشرق، لأن شركة أميركية تصبح شريكاً في مورد استراتيجي بعد انسحاب عسكري أميركي من قواعد المنطقة. الربط بين الأمرين مفهوم سياسياً، لكنه لا يثبت وحده وجود خطة أميركية لاستبدال الجنود بالشركات. ما يثبت حتى الآن هو أن دمشق اختارت الاستثمار الغربي أداة لإعادة تشغيل قطاع مدمر، وأن نجاح الاختيار سيتحدد بشروط العقد ومقدار العائد السوري أكثر من اسم الشركة على بوابة الحقل.
اقرأ أيضاً: لماذا لم تخلع أمريكا بشار الأسد في سوريا كما فعلت مع مادورو في فنزويلا؟









