شراكة جديدة مع دمشق: شروط الدعم الأوروبي والقطاعات الأكثر أولوية

الكاتب: أحمد علي
تتحرك بروكسل نحو دمشق ببراغماتية، وعبر قناعة بأن سوريا منهكة، والجوار مثقل. وملف اللجوء حاضر في السياسة الداخلية الأوروبية بطبيعة الحال. لذلك حملت زيارة أوروبية رفيعة إلى دمشق في 9 كانون الثاني الجاري 2026 إعلان إطار تعاون جديد وحزمة دعم للعامين 2026 و2027، في محاولة لفتح قناة تأثير عبر المال والاقتصاد من دون تقديم صك براءة سياسي لأي طرف. وهذا التطور جاء بعد مسار أوروبي خلال 2025 اتجه إلى تخفيف القيود ثم رفعها اقتصادياً على مراحل، مع إبقاء أجزاء من منظومة العقوبات لأسباب أمنية ومسؤولية عن انتهاكات.
ورغم أن حزمة 2026 و2027 تبدو صغيرة أمام احتياجات بلد خرج من حرب طويلة، فإنها تُضاف إلى سجل أوروبي أوسع؛ فمجلس الاتحاد الأوروبي يذكّر بأن الاتحاد ودوله الأعضاء مَوّلوا خلال أربعة عشر عاماً ما يقارب 37 مليار يورو من مساعدات إنسانية وتنموية واستقرار. وهذا يوضح أن النقاش اليوم يدور حول نوعية الدعم وشروطه أكثر من مبدأ الدعم نفسه.
شراكة جديدة مع دمشق
شراكة جديدة مع دمشق ليست وعداً بالعودة إلى ما قبل 2011، بل عقد عمل بشروط. يربط الاتحاد الأوروبي الشراكة بهدف دعم التعافي وإعادة الإعمار و“السلم الأهلي”، ويقترح حواراً سياسياً رفيعاً في النصف الأول من 2026 لتحديد مجالات التعاون وحدوده، مؤكداً أنه عاد للحضور في دمشق منذ ديسمبر 2024 والعمل مع السلطات والمجتمع المدني.
بين من يراها فرصة لتخفيف معاناة الناس ومن يخشى أن تتحول إلى مكافأة سياسية مبكرة، ستبقى شراكة جديدة مع دمشق محل اختبار يومي داخل سوريا وخارجها.
ثلاث ركائز تُعيد رسم العلاقة
يقوم الإطار الأوروبي على مسار سياسي، ومسار اقتصادي، ومسار مالي. سياسياً، تُطرح شراكة وحوار عالي المستوى، مع تحذير من أن موجات العنف الأخيرة “مقلقة” والدعوة إلى استمرار الحوار بين الأطراف، مع إبراز المصالحة والعدالة الانتقالية كشرطين للاستقرار.
اقتصادياً، بدأ التحول برفع العقوبات الاقتصادية الأوروبية، ودعوة البنك الأوروبي للاستثمار إلى استئناف نشاطه، وفتح نقاش حول إعادة تفعيل اتفاق تعاون قديم يعود إلى 1977 وكان مجمداً منذ 2011.
مالياً، تتحدث بروكسل عن نحو 620 مليون يورو لعامي 2026 و2027 تشمل مساعدات إنسانية وتعافياً مبكراً ودعماً ثنائياً، بهدف “استعادة الخدمات الأساسية” وإعادة بناء مؤسسات قادرة على تقديمها.
شروط الدعم وحدوده الواقعية
مجلس الاتحاد الأوروبي يصف مقاربته بأنها تدريجية وقابلة للعودة، ويؤكد أن رفع العقوبات جاء لدعم انتقال سلمي وشامل وتعافٍ اقتصادي، مع إبقاء عقوبات مرتبطة بالنظام السابق لأسباب محاسبة، وأخرى لأسباب أمنية.
وعلى مستوى المعايير، تبرز عناوين مثل المصالحة الوطنية، سيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات “لجميع السوريين دون تمييز”. كما يبقى سلاح العقوبات حاضراً عبر تمديد قوائم مرتبطة بالنظام السابق وفرض إجراءات جديدة تحت مظلة حقوق الإنسان عند وقوع انتهاكات أو موجات عنف.
رويترز ربطت تخفيف القيود في شباط 2025 بقطاعات مثل الطاقة والمصارف والنقل، مع التأكيد على المراقبة وإمكانية التراجع إذا انحرف المسار.
ومن زاوية آليات الصرف، يميل الاتحاد الأوروبي عادة إلى تحويل جزء كبير من التمويل عبر قنوات يمكن تدقيقها، أو إلى ربط الدفعات بمعايير شفافية ومشتريات واضحة، خصوصاً عندما يُوصف جزء من الحزمة بأنه “دعم ثنائي”. وهذا لا يلغي احتمال التعامل مع مؤسسات الدولة، لكنه يضع سقفاً عملياً، فكلما تحسنت الحوكمة وإتاحة البيانات والتدقيق المستقل، اتسع مجال الدعم واتجه من الإسعاف إلى الاستثمار.
وشرط الوصول الإنساني حاضر أيضاً، فالاتحاد الأوروبي يدعو إلى احترام القانون الإنساني الدولي وإتاحة وصول الشركاء الإنسانيين دون عوائق إلى مختلف المناطق.
ثم يأتي ملف اللاجئين: بروكسل تحدثت عن دعم عودات “آمنة وكريمة وطوعية” بالتعاون مع دول الجوار والـUNHCR، بينما تظهر في ألمانيا رغبة سياسية في ربط العلاقة بمسار الانتقال وبإمكانية عودة السوريين.
اقرأ أيضاً: قرارات اللجوء والترحيل للسوريين تثير الجدل في ألمانيا وأمريكا
قطاعات مرشحة للأولوية الأوروبية
في الجانب الإنساني، يذكر الاتحاد الأوروبي مجالات مثل المأوى للنازحين، المياه والصرف الصحي، التحويلات النقدية للاحتياجات الأساسية، ودعم التعليم للأطفال المتضررين.
أما التعافي المبكر فيستهدف إصلاحات عملية تعيد تشغيل ما تعطل من مرافق مياه، خدمات صحة أولية، مدارس، وأجزاء من البنية التي تتسبب أعطالها اليومية في تعطيل حياة الناس، وهو ما ينسجم مع الحديث الأوروبي عن استعادة الخدمات وإسناد المؤسسات.
اقتصادياً، تعطي قرارات رفع العقوبات مؤشراً على ما تعتبره أوروبا مفاتيح للتعافي. فمجلس الاتحاد الأوروبي أشار إلى شطب 24 كياناً من قوائم التجميد، بينها بنوك (ومنها المصرف المركزي) وشركات في النفط وتكريره والقطن والاتصالات، باعتبارها قطاعات مفتاحية.
في العمق، هذا التركيز يعني أن أوروبا تميل إلى تمويل ما يلمس حياة الناس بسرعة، وإلى تسهيل “قنوات” الاقتصاد التي تسمح بتدفق السلع والخدمات، قبل أي حديث عن إعادة إعمار واسعة.
مخاطر التنفيذ وفرصه المحلية
التحدي أن تتحول شراكة جديدة مع دمشق إلى تحسين ملموس لا إلى إعادة تدوير للأزمة. والمخاطر معروفة: هشاشة أمنية، توترات حول ما يسمى في الفقه الغربي “حقوق المكونات” وتقاسم السلطة، وبيئة اقتصادية قد تُغري بالفساد واقتصاد الظل، مع تشديد أوروبي على المصالحة والعدالة الانتقالية كشرط لأي استقرار طويل.
في المقابل، تمويل الخدمات الأساسية يخفف الضغط الاجتماعي، وفتح القنوات المالية ضمن ضوابط قد يقلل من التعاملات غير الرسمية، ودعم عودة طوعية وآمنة يخفف العبء عن الجوار ويعطي السوريين خياراً قابلاً للحياة. ومعيار الحكم سيبقى واحداً: هل ستُترجم شراكة جديدة مع دمشق إلى نتائج قابلة للقياس في الخدمات والأمان والحقوق، أم ستبقى عنواناً دبلوماسياً أنيقاً؟ الأيام القادمة وحدها القادرة على الإجابة…
اقرأ أيضاً: اللاجئ السوري بين دليل اللجوء الجديد وتشديد الاتحاد الأوروبي









