سياسة

بروكسل ودمشق: ما الذي يطلبه الأوروبيون مقابل «فتح صفحة»؟

الكاتب: أحمد علي

تتحرك أوروبا ببطء حين تشعر أن الأرض تتغير تحت أقدامها، ثم تسرّع الخطى عندما تدرك أن الكلفة ستصل إلى حدودها. سوريا بعد الحرب الطويلة أصبحت ملفاً أوروبياً بامتياز: لاجئون، أمن، إعادة إعمار، ونفوذ سياسي يتنافس عليه لاعبون كُثر. لذلك تبدو عبارة “فتح صفحة” أقل رومانسية وأكثر حساباً بارداً: ماذا تريد بروكسل من دمشق، وماذا يمكن أن تعطيه دمشق بالمقابل؟

شراكة بروكسل ودمشق وشروطها

الإشارة الأوضح جاءت مع زيارة قيادات أوروبية إلى دمشق وإعلان تمويل يقارب 620 مليون يورو لعامي 2026 و2027، والتحدث عن إطلاق “شراكة سياسية جديدة” وحوارات تعاون عالية المستوى في بداية 2026. هذا التحول ارتبط أيضاً برفع الاتحاد الأوروبي لعقوبات اقتصادية في العام الفائت 2025 بعد الإطاحة بحكم بشار الأسد.

من منظور بروكسل، شراكة بروكسل ودمشق ليست مكافأة مجانية، بل إطار مشروط: دعم اقتصادي وإنساني مقابل مسار سياسي “شامل”، وضبط للعنف المتقطع، وتعاون في ملفات حساسة مثل الهجرة والحدود.

تحدثت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين عن الاحتياجات الضخمة لإعادة الإعمار، وفي الوقت نفسه دعت إلى حوار عاجل بين الأطراف وسط توترات، ما يعكس أن الشراكة تُبنى على “الاستقرار أولاً” بقدر ما تُبنى على “التنمية”.

ما يريده الأوروبيون فعلاً

أول ما يريده الأوروبيون هو شريك دولة لا ساحة صراع. هذا يعني عملياً دفع دمشق إلى تثبيت احتكار السلاح ضمن مؤسسات الدولة، مع استيعاب القوى التي تملك نفوذاً فعلياً على الأرض، وفي مقدمتها «قسد» في الشمال الشرقي. التوترات في حلب حول ترتيبات دمج القوات الكردية في الجيش تُقرأ أوروبياً كاختبار مبكر لجدية الدولة الجديدة وقدرتها على تجنب “صدامات ما بعد الحرب”.

ثاني ما يريده الأوروبيون هو ملف اللاجئين، لكن بصيغة حذرة: العودة يجب أن تكون “آمنة وكريمة وطوعية”، وإلا تحولت الشراكة إلى أزمة أخلاقية وقانونية داخل أوروبا. ثالثاً، مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، لأن أي فراغ أمني في سوريا ينعكس شبكات تهريب ومخاطر أمنية على المتوسط.

وهناك مطلب رابع لا يُقال بصوت عالٍ دائماً، وهو ألا تصبح سوريا منصة نفوذ حصري لقوى خارجية. أوروبا تريد مقعداً في ترتيبات الإقليم، لا مجرد فاتورة تمويل.

ما تطلبه دمشق بالمقابل

دمشق تريد شرعية دولية وتدفقاً مالياً يساعدها على إعادة تشغيل الدولة، وتخفيف الضغوط الاجتماعية التي قد تقوض الاستقرار. وهي تريد أيضاً شطباً عملياً لإرث العزلة الاقتصادية، لأن التمويل الإنساني وحده لا يبني اقتصاداً ولا يعيد الخدمات. والوثائق والمواقف الأوروبية السابقة ما بعد سقوط سلطة الأسد تتحدث عن دعم “انتقال سوري شامل” وربط التعافي بمسار سياسي، لكن رفع العقوبات في 2025 يشير إلى أن أوروبا باتت أكثر استعداداً للمقايضة إذا رأت تقدماً ملموساً.

من زاوية الرئيس أحمد الشرع، تُقدَّم العلاقة مع أوروبا كفرصة لإقناع الداخل بأن “السلام يجلب مكاسب”، ولإقناع الخارج بأن دمشق قادرة على إدارة دولة لا مجرد تحالفات عسكرية.

آراء وقراءات

ترى مراكز دراسات وباحثون أن شراكة بروكسل ودمشق ستنجح أو تتعثر بحسب تصميم “المقايضة” بين الانخراط والاشتراط. في ورقة لمعهد كلينغنديل الهولندي، يطرح الباحث إروين فان فين Erwin van Veen أن فتح المجال الاقتصادي شرطٌ عملي لخلق بيئة تسمح بظهور حوكمة أكثر تمثيلاً، لكنه يحذر من أن الحلول “المؤقتة” في رفع/تعليق العقوبات تخلق ضبابية تُجمِّد استثمارات القطاعين العام والخاص، وتُبقي البلاد في تذبذب بين الاستقرار واللااستقرار، مع التنبيه إلى أن أثر خطوات الاتحاد الأوروبي يظل محدوداً إذا بقيت القيود الأميركية الأقوى تصنع “أثراً مُخيفاً” على التعاملات.

ومن زاوية مختلفة، تدافع أغات ديماريه Agathe Demarais في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) عن مقاربة رفع عقوبات “مرحلية” ومنسّقة بين أوروبا والولايات المتحدة، على أن تُربط بمعايير قابلة للتحقق مثل احترام حقوق الإنسان وإطار انتخابي موثوق، مع التشديد على إبقاء العقوبات الموجهة ضد شبكات النظام السابق. وهذه القراءة لا تنطلق من فكرة أن رفع العقوبات مكافأة، بل من أنه أداة تأثير إذا صيغ كـ”تقويم خطوات” مع إمكانية التراجع السريع عند الإخلال بالالتزامات.

وفي معهد PRIF الألماني (مركز أبحاث السلام في فرانكفورت)، تذهب الباحثة فرانزيسكا ف. ن. شرايبر Franziska F. N. Schreiber إلى أن قرار تخفيف العقوبات بعد 2024 يشبه “رهاناً محسوباً” أكثر منه تحولاً نهائياً، وأن الحفاظ على مصداقية أوروبا قد يتطلب مساراً مزدوجاً يجمع بين تخفيف اقتصادي لدعم التعافي وبين أدوات مساءلة موازية إذا استمرت الانتهاكات أو انفلتت دوائر العنف، بحيث لا يصبح الانخراط مجرد شيك مفتوح ولا يتحول التشدد إلى تعطيل دائم للتعافي.

أما في كارنيغي، فيحاجج يزيد صايغ بأن فجوة “الخطة” أخطر من فجوة “التمويل”، لأن ضخ الأموال دون إطار اقتصادي شفاف ومؤسساتي قد يعيد إنتاج اقتصاد المحسوبيات، ويقوض قبول الناس بالمرحلة الجديدة. وضمن هذا المنطق، تصبح العلاقة الأوروبية مع دمشق اختباراً لقدرتها على دعم “تعافٍ” فعلي عبر آليات تخطيط وتنسيق، لا الاكتفاء بإعلانات سياسية ومالية تترك التنفيذ في منطقة رمادية.

المخاوف والاعتراضات المحتملة

يأتي الاعتراض الأوروبي الأبرز من منظمات حقوقية وبعض التيارات السياسية التي تخشى أن تتحول شراكة بروكسل ودمشق إلى تطبيع سريع يسبق إصلاحات حقيقية في الحكم والعدالة الانتقالية. وفي المقابل توجد مخاوف سورية من أن تتحول الشروط الأوروبية إلى “وصاية” أو أدوات ضغط تُستخدم عند كل أزمة داخلية.

وهناك رأي ثالث يتبناه البعض ويمكن أن يلحظه المتابع للمشهد، مفاده أن الشراكة ممكنة إذا صُممت كحزمة تدريجية بقياسات واضحة، بحيث لا تُترك للنوايا. بمعنى أن تُربط الدفعات التمويلية بمؤشرات: حماية المدنيين، إصلاح مؤسسات أمنية، وفتح المجال العام. وهذا الطرح يحاول إنقاذ الشراكة من أن تصبح مجرد عنوان سياسي جميل أو مجرد صفقة هجـرة.

في النهاية، ليست الشراكة مسألة نوايا حسنة ولا مجرد تمويل يُعلن في مؤتمر، بل هي عملية قياس يومية: هل تُترجم التفاهمات إلى تهدئة قابلة للاستمرار، وإدارة حكومية أكثر اتساقاً، ومسار اقتصادي يخفف الضغط الاجتماعي الذي يغذي التوتر؟ وإذا كانت بروكسل تريد شريك دولة لا ساحة مفتوحة، ودمشق تريد اعترافاً عملياً لا خطاباً مشروطاً بلا نهاية، فإن نقطة الالتقاء الواقعية ستكون في “صفقة تدريجية” تُربط فيها كل خطوة بمؤشر واضح، من حماية المدنيين وتوحيد المؤسسات إلى تعاون مُدار في ملفات الهجرة والأمن، بحيث تصبح شراكة بروكسل ودمشق مساراً يمكن مساءلته لا عنواناً قابلاً للاستهلاك السياسي عند أول أزمة.

اقرأ أيضاً: مؤتمر بروكسل.. ما الهدف منه وهل ستكون سوريا حاضرة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى