شتاءٌ أخر بلا جدران.. والتكافل الشعبي يهب لنجدة مخيمات سوريا
البرد يشتدّ.. مخيمات سوريا في مأساة فما الحلول؟

بقلم: ريم ريّا
مع كل انخفاض في درجات الحرارة، يعود شتاء المخيمات في سوريا ليفرض نفسه كقصة إنسانية مفتوحة على الألم. خيام رقيقة لا تقوى على صد الرياح، وأرض موحلة أو مغطاة بالثلوج تبتلع خطوات الأطفال، وليالٍ طويلة يقضيها آلاف النازحين وهم يواجهون البرد بوسائل محدودة لا تكفي للنجاة. في هذا الواقع القاسي، لا يصبح الشتاء مجرد فصل من فصول السنة، بل اختباراً يومياً لقدرة الإنسان على الاحتمال، خاصة في ظل نقص التدفئة والوقود والاحتياجات الأساسية. وبينما تتكرر المعاناة كل عام، تبرز الجهود الشعبية كمشهد موازٍ، تحاول أن تزرع شيئاً من الدفء في حياة حاصرتها الخيام والبرد معاً.
أحوال المخيمات في سوريا في ظل الشتاء البارد
تعيش آلاف العائلات في مخيمات للنازحين بريفي حلب وإدلب شمال غربي سوريا أوضاعاً إنسانية صعبة للغاية بسبب تساقط الأمطار والثلوج التي تمثل تهديداً حقيقياً لحياتهم.
وفقاً لأحدث إحصائيات نشرت عام 2025 من قبل “منسقي استجابة سوريا“، لا يزال أكثر من 1.521 مليون مدني قاطنين ضمن المخيمات، أي بمعدل 75.18% من العدد الكلي السابق على الرغم من حركة العودة إلى المدن والقرى، وذلك بسبب الدمار الكبير في تلك المناطق وعدم قدرة النازحين على ترميم منازلهم والاستقرار بها من جديد. أكثر من 95% من العائلات غير قادرة على تأمين مواد التدفئة للشتاء القادم.
سجل عام 2024، ما يقارب 83% من النازحين لم يحصلوا على إمدادات التدفئة وتحديداً ضمن المخيمات. خلال الشتاء الماضي تسببت موجات البرد والحرارة في انتشار واسع للأمراض بين النازحين إضافة إلى الحرائق في المخيمات نتيجة استخدام مواد تدفئة غير صالحة. كذلك خلال فصل الشتاء الماضي تسبب العواصف المطرية والهوائية القوية بأضرار لحقت ضمن 357 مخيماً أدت لضرر أكثر من 115 ألف مدني.
اليوم، يسعى 71% من نازحين المخيمات في شمال غرب سوريا إلى تخفيض الاحتياجات الأساسية وخاصة الغذاء في محاولة لتأمين الحصول على التدفئة لهذا العام، وخاصة مع الانقطاعات الواسعة للدعم المقدم من قبل المنظمات الإنسانية. كما ارتفعت أسعار مواد التدفئة مقارنة بالعام الماضي لمواد التدفئة المختلفة، علماً بأن 88% من العائلات لا يتجاوز مصدر الدخل لديها 50 دولاراً أميركياً شهرياً، وبالتالي فإن الحصول على مواد التدفئة أمر شاق للغاية وفي بعض الأحيان يبدو صعب المنال.
كما أشارت تقارير منظمات إغاثية إلى تفاقم الأوضاع في مخيمات عدة، منها مخيم يازي باغ قرب مدينة إعزاز، حيث يزيد تساقط الثلوج معاناة السكان. شهدت نهاية عام 2025، تواصلاً لجهود مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب لتقديم الدعم الإنساني والاجتماعي لمئات الآلاف من النازحين، رغم الظروف المعيشية القاسية داخل المخيمات. ويقول المسؤول في المديرية “محمد الأحمد“، إن مؤسستهم تشرف على نطاق جغرافي واسع يشمل دوائر” أريحا، والوسطى، وأطمة – سرمدا وجسر الشغور – الدانا، وحارم، ومعرة النعمان، وخان شيخون، وسراقب“.
وأضاف: “في معرة النعمان هناك 72 قرية تضم 68 ألف عائلة، وفي خان شيخون 68 قرية بها 32 ألفا و297 عائلة، في حين يوجد في سراقب 156 قرية تقطنها 33 ألفا و250 عائلة”. وأوضح الأحمد، أنه حالياً هناك 840 مخيماً، عاد السكان بالكامل من 191 مخيماً منها، في حين يبلغ إجمالي عدد العائلات المقيمة في المخيمات أكثر من 124 ألف عائلة، تضم نحو 682 و50 فرداً. كذلك أفاد أنه تم دمج 42 مخيما تسكنها 8 آلاف و95 عائلة، ونقل 65 مخيما إلى محافظة حلب، تضم 13 ألفا و248 عائلة.
في مخيمات النزوح اليوم، يعيش الناس على هامش كل شيء تقريباً، وكأنهم خارج الزمن والخدمات معاً. التعليم في المخيمات بات حلماً مؤجلاً لأغلب الأطفال، فالمدارس مؤقتة في حال وجدت، والكتب ناقصة والمعلمون حالهم كحال النازحين عاجزون عن الاستمرار في ظل البرد والفقر المتربصين بالناس. هذا الواقع له انعكاس على الأطفال، الحلقة الأضعف في كل الصراعات والحروب والخلافات. هذا الوقع دفع الآلاف منهم إلى ترك مقاعد الدراسة بشكل مبكر.
ناهيك عن الرعاية الصحية، فهذا الجانب هو الأكثر قسوة: الأمراض تنتشر والعيادات نادرة، أما الأدوية فبالكاد تكفي، فيتحول المرض البسيط إلى خطر حقيقي في بيئة تفتقر للمياه النظيفة أو الصرف الصحي.
مع حلول فصل الشتاء، تضاعفت معاناة النازحين، خيام غارقة بالمطر أو مغطاة بالثلج، والبرد يتسلل للأجساد.. وسائل التدفئة غائبة، لتصبح الحياة اليومية معركة مفتوحة ضد الطبيعة والإهمال معاً. المؤلم ليس الآثار الجسدية لهذه المعاناة فقط، بل الآثار النفسية العميقة التي تتركها مأساة النزوح، والأطفال مجدداً أكثر الضحايا تأثراً، إذ يحملون في داخلهم آثاراً نفسية عميقة، من خوف دائم، قلق، اضطرابات في النوم وإحساس مزمن وملازم بعدم الأمان، لتنشأ طفولة مثقلة بالصدمات بدلاً من اللعب، وكأن هذه الخيام تسلب منهم الماضي وتجمد الحاضر وتهدد المستقبل.
اقرأ أيضاً: مخيم الهول بين الإنسانية والتحديات الأمنية.. إليك قصته من بداية التسعينات
المبادرات الشعبية.. من كل سوريا إلى المخيمات
ما إن دوت استغاثة المخيمات، حتى خرجت خلال فترة قصيرة العديد من المبادرات الشعبية من مختلف المحافظات السورية لنجدة سكان المخيمات، ركزت على تأمين لمستلزمات الأساسية لمواجهة فصل الشتاء، بما في ذلك الأغطية ووسائل التدفئة والوقود والملابس والمواد الغذائية، إضافةً إلى جمع تبرعات مالية، جميعها مقدمة من أبناء المجتمع المحلي دعماً لأهالي المخيمات.
سُجل حضور بارز لهذه المبادرات في الساحل السوري ريفاً ومدينة، عبر حملات نظمتها فرق تطوعية في محافظتي اللاذقية وطرطوس. ففي مدينة جبلة، شارك متطوعون من مختلف أحيائها في جمع التبرعات العينية والنقدية دعماً للنازحين، فيما قام أهالي ريف جبلة بإرسال مستلزمات التدفئة مثل الحطب.
المشهد ذاته تكرر في مدينة اللاذقية، حيث استقبلت مراكز الفرق التطوعية كميات كبيرة من التبرعات شملت، الملابس والأغطية ووسائل التدفئة والمؤن الغذائية، ضمن حملات حملت عنوان “من بيوت اللاذقية إلى المخيمات“، في تعبير واضح عن التضامن المجتمعي مع سكان المخيمات في ظل كل ما يعيشون به من ظروف مضنية وقاسية.
ماذا عن بدائل المخيمات.. هل يمكن توفرها في سوريا؟
مع تحول المخيمات إلى أزمة مزمنة، بات من المفروض البحث عن بدائل أكثر استقراراً وقابلية للتنفيذ. من بين الحلول الواقعية أن يتم إحداث مشاريع للسكن المؤقت، عبر إنشاء وحدات سكنية بسيطة مسبقة الصنع أو غرف إسمنتية منخفضة التكلفة، ما يوفر عازلاً للبرد والحر والفيضانات.
هناك مقترح آخر، وهو إعادة تأهيل المباني العامة المتضررة بشكل جزئي والقابلة للسكن، مثل المدارس أو المستودعات أو الأبنية غير المكتملة، وتحويلها إلى مراكز سكن جماعي يتم تنظيمه بديلاً عن الخيام. إضافةً إلى دعم الإيجارات للأسر الأشد ضعفاً في المدن والبلدات القريبة “المجتمعات المضيفة” يطرح بديلاً عملياً يخفف الضغط عن المخيمات ويعيد دمج النازحين في المجتمع المحلي. ففي سوريا بالمجمل، لا وعود براقة هنا، فقط حلول ممكنة في بلد تعلم أن يتعايش مع الممكن، لا مع المثالي.









