شبح الوصاية السورية على لبنان: حقيقة سياسية أم فزّاعة من ولحزب الله؟!

بقلم هلا يوسف
لم يكد غبار التحوّلات يتبدّد في دمشق حتى ارتجّت بيروت بأسئلتها القديمة – الجديدة. فلبنان، الذي عاش أربعة عشر عاماً على خط الزلازل السورية، يجد نفسه اليوم أمام مشهدٍ إقليمي مُعاد تشكيله، حيث سقط النظام السابق في سوريا، واهتزّ معه ميزان التحالفات التقليدية، وتعرّض حزب الله لضربات إسرائيلية غير مسبوقة أطاحت بقيادته التاريخية. هذا التغيّر المزدوج في مركز قوّة الحزب، داخل سوريا وخارجها، أعاد فتح النقاش حول موقعه وحدود نفوذه، وحول مستقبل لبنان نفسه في مرحلة تبدّل خرائط القوى وطبيعة الأدوار.
وسط هذه الفوضى المترابطة، عاد شبح «الوصاية السورية» ليطلّ من جديد، لا كخطر قائم بذاته، بل كأداة تُستخدم في لعبة شدّ الحبال السياسية. وبين تسريبات تُحمّل دمشق نوايا توسّع، وتحليلات ترى في القصة مجرّد صناعة للخوف، يغرق اللبنانيون مرة أخرى في اختبارٍ مألوف: كيف تُدار التوازنات في بلدٍ يتأثر بما يحدث حوله بقدر ما يتأثر بما يحدث في داخله؟
بهذا المشهد المتشابك، يصبح السؤال الأهم ليس «هل تعود الوصاية السورية؟» بل «من يروّج لفكرة عودتها؟» ولماذا الآن؟ تلك هي العقدة التي يحاول هذا المقال تفكيكها، من زوايا محلية وإقليمية ودولية، وتحليلات متعددة جزءٌ منها خاصٌ “بسوريا اليوم24”.
هل تعود الوصاية السورية على لبنان؟
تشكل عودة الوصاية السورية على لبنان كابوساً حقيقياً بالنسبة للبنانيين بسبب تجربة حكم الأسدين الأب والابن، على الرغم من أنّ بداية التدخل السوري كان لفضّ الحرب الطائفية بقرار دولي. إلا أن هذه العودة تحلّلها العديد من المصادر الإعلامية على أنها مجرّد أقاويل للتخويف يتم ترويجها من قبل “حزب الله” نفسه، عبر تسريبات تهدف لإثارة المخاوف الطائفية والمذهبية، خصوصاً بين المسيحيين. ويُقصد من هذه التسريبات، كما يشير متهمو حزب الله بها، أن “الحكم الجديد” في دمشق قد يكون صارماً وغير ودود تجاه الأقليات إذا أعيد فرض النفوذ السوري على لبنان.
كما تتداول بعض وسائل الإعلام تقارير تقول إن القيادة السورية الحالية برئاسة أحمد الشرع، تحاول بهدوء استعادة جزء من نفوذها السابق في لبنان. ووفق هذه التقارير، يتم ذلك عبر تفاهمات إقليمية غير معلنة، حيث يشاع أن دمشق تبدي استعداداً للتنازل عن ملف الجولان لصالح إسرائيل، مقابل أن يسمح لها بلعب دور أوسع في بعض المناطق الحدودية اللبنانية، تحت شعار “تنظيم الفوضى” وضبط الأوضاع الأمنية.
وفي السياق نفسه، تحدثت تقارير عن أن الموفد الأميركي إلى سوريا ولبنان، توم باراك، قال للرئيس السوري خلال لقاء جمعهما “أنت رئيس لدولتين” في إشارة إلى سوريا ولبنان. لكن هذه المعلومات لم يؤكدها أو ينفها أي مسؤول رسمي في بيروت أو دمشق.
في المقابل، وكما أسلفنا، ترى أوساط سياسية تتابع هذا الملف أن هذه الروايات قد لا تكون دقيقة، بل تعتبرها جزءاً من خطاب سياسي وإعلامي يروج له حزب الله نفسه. وبحسب هذا الرأي، فإن الحزب الذي اعتمد لسنوات طويلة على شعار مقاومة إسرائيل لتبرير سلاحه، بات يواجه صعوبة في إقناع الرأي العام اللبناني بهذه الحجة، خاصة مع ازدياد الضغوط العربية والدولية المطالبة بتطبيق القرارات الدولية وحصر السلاح بيد الدولة. لذلك حاول تصوير وجود خطر جديد لإيجاد مبرر لوجود سلاحه.
من جانبه، حذر الناشط السياسي اللبناني الأميركي زياد عبد النور من أن استمرار حالة الفراغ والضعف في الدولة اللبنانية قد يجعل لبنان عرضة لتسويات خارجية، أو إعادة وضعه تحت نفوذ سوريا إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات حاسمة لضبط الحدود ونزع السلاح غير الشرعي. وأوضح أن العالم الخارجي لا يتعامل مع لبنان كدولة ذات قرار، بل كوسيط عاجز، وأن أي تأخير في اتخاذ القرارات قد يؤدي إلى فقدان الاستثمارات والدعم الخارجي، أو تحويل لبنان إلى ساحة تصفية حسابات بين حزب الله وإسرائيل، مما يهدد سيادته واستقراره.
لكن بالنظر إلى السياسة التي تتبعها أمريكا في لبنان، نجد أنّ التحليل الأقرب للمنطق هو أنّ الولايات المتحدة تستخدم التخويف بالوصاية السورية وإطلاق يد “الإسلاميين” في لبنان كورقة تهديد للحكومة اللبنانية في حال فشلت في تنفيذ اتفاق حصر السلاح بيدها وتجريد حزب الله من سلاحه. فقد أثار تصريح المبعوث الأميركي توم باراك عن فكرة ضم لبنان إلى سوريا ردود فعل لبنانية غاضبة، أبرزها من رئيس البرلمان نبيه بري، الذي وصف التصريح بأنه خطأ كبير وغير مقبول. وبحسب بري لا يمكن لأحد تهديد اللبنانيين بهذه الطريقة، خاصة دبلوماسي أميركي.
وفي وقت سابق، قال باراك خلال مشاركته في منتدى الدوحة 2025 إن سوريا ولبنان يمثلان حضارة رائعة ويجب جمعهما معاً، وهو ما أثار انتقادات في لبنان على اعتبار أنه يتجاهل سيادة الدولة اللبنانية.
الحكومة السورية لا تستطيع التدخل في لبنان
على الرغم من التصريحات الأمريكية هنا، والتحليلات الإعلامية هناك. تكشف المعطيات الميدانية والإقليمية أن الواقع مختلف تماماً عن الأحلام الوردية لأمريكا. فالحكومة السورية الحالية تفتقر إلى القدرة والموارد لفرض نفوذ جديد في لبنان المنهك اقتصادياً وسياسياً. بل على العكس، يبدو أن دمشق تسعى إلى كسب شرعية خارجية وتسهل تعاملات اقتصادية مع الخليج والغرب لإعادة الإعمار، مع الالتزام بضبط حدودها ومنع تهريب السلاح إلى حزب الله.
كما أفادت مصادر دبلوماسية سورية أن الرئيس السوري أحمد الشرع يحترم سيادة لبنان وحدوده، وأن أي تنسيق بين البلدين يقتصر على تعزيز العلاقات الثنائية على أساس المساواة بين دولتين مستقلتين. وتشير هذه المصادر إلى أن ضبط الحدود اللبنانية من قبل سوريا يظهر التزام دمشق الكامل بعدم التدخل في شؤون لبنان الداخلية، كما يتضح ذلك من خلال لقاءات وزيري الدفاع والخارجية للبلدين التي عقدت مؤخراً في السعودية، بهدف وضع آليات واضحة لترسيم الحدود.
في الوقت نفسه تؤكد المصادر السورية أن السياسة الحكومية ترفض أي شكل من أشكال التمدد أو الضغط على لبنان، وأن ملف حزب الله يظل شأناً داخلياً للبنان وحده. وتحذر من أن استمرار وجود السلاح خارج سلطة الدولة قد يستخدم ذريعة لتصعيد التوتر على الحدود، بما يعطي الحزب مبرراً لترويج سيناريوهات تهديد سوري وهمية.
ضربة إسرائيلية وليست سورية
من يتابع الوقائع الميدانية يلاحظ رغبات إسرائيل بشنّ حرب ضد حزب الله المنهك. فمن مبدأها “ما تعجز عنه الحكومة اللبنانية تنفذه الحكومة الإسرائيلية”. وتنتشر أخبار تجهيز حملة ضد الحزب داخل أراضيه في العديد من وسائل الإعلام. فقد أشار الخبير بشؤون الشرق الأوسط أليف صباغ أن هناك مؤشرات على احتمالية أن تشارك سوريا وإسرائيل في ضربات ضد حزب الله في المستقبل القريب، بما يتماشى مع مخططات بعض الأنظمة العربية لتقويض قدرات الحزب، حتى لو أدى ذلك إلى صدامات داخل لبنان.
في حين يقول الصباغ أن هذا التوجه نحو إنهاء ملف الحزب يلقى قبولاً سعودياً، حيث قررت القيادة السعودية مواجهة حزب الله بعد قطع الطريق بين إيران ولبنان، عقب سقوط النظام السوري السابق. وأن الهدف لا يزال قائماً، بما يشمل منع التواصل مع العراق أيضاً. لكنّ بعض محللي “سوريا اليوم 24” يرون بأنّ هذا القول ينقصه التحديث، فالسعودية وإيران – خاصة بعد الضربة الإسرائيلية لقطر بعلم أمريكي حتمي – زادا من التنسيق بينهما في جميع الملفات الإقليمية السياسية والأمنية، وملف حزب الله وسلاحه لابدّ قد طُرح، ما يجعل هذا النوع من التحليلات لا يستند إلى تحديث للوقائع، ولا ينظر بشكل شمولي لملفات المنطقة، بل بشكل مجتزئ.
في السياق ذاته، أوردت وسائل إعلام عبرية أن باراك حذر رئيس وزراء العراق محمد شياع السوداني من هجوم إسرائيلي وشيك على لبنان، مؤكداً أن أي تدخل من فصائل عراقية موالية لإيران قد يؤدي إلى رد إسرائيلي أوسع يشمل الأردن وسوريا، ويزيد احتمالات الاضطرابات في العراق. وطلب باراك من بغداد منع أي دعم لحزب الله أو الفصائل الموالية لإيران، معتبراً أن حياد العراق شرطٌ أساسي لتجنب تحول الوضع إلى جبهات متعددة في لبنان وغزة والعراق.
أما بالنسبة لتركيا، فيبدو أن عداءها مع إسرائيل واضح، وتحاول عدم الدخول بتحالفات معها بخصوص حزب الله على الرغم من عدم تأييدها للحزب. حيث أعلنت أنها ستواصل دعم الجيش اللبناني من خلال قوات حفظ السلام، مع تجديد تفويض انتشارها في سوريا والعراق ولبنان عبر قوة الأمم المتحدة المؤقتة (يونيفيل)، بهدف تعزيز الاستقرار وبناء قدرات الجيش اللبناني. ووفقاً لبعض محللي “سوريا اليوم24″، فإنّ تركيا تخشى من الخطر الذي يمثله انتصار إسرائيل أكثر بكثير من المخاطر القادمة من حزب الله أو من أيّ ميليشيات تتلقى الدعم من الإيرانيين، وهو الأمر الذي إن نظرنا لنا بشكل أشمل، قد دفع بالأتراك إلى التصالح بشكل لافت مع المصريين والقيام بمناورات مشتركة معهم أيضاً، في قطيعة مع إرث الخلاف القديم… وكلّ ذلك كرمى للاستعداد لمواجهة محتملة مع إسرائيل.
في ضوء هذه المعطيات المتشابكة، يتضح أن الحديث عن عودة الوصاية السورية إلى لبنان هو أقرب إلى أداة ضغط سياسي وإعلامي أكثر من أن يكون مشروع واقعي قابل للتنفيذ. فموازين القوى الإقليمية، ووضع سوريا الداخلي، وحجم الضغوط الدولية على ملف سلاح حزب الله، كلها عوامل تجعل أي إعادة إنتاج لتجارب الماضي أمراً بالغ الصعوبة.
قد يكون هناك من يجلس من الساسة في الولايات المتحدة، بل وحتّى في دمشق، ولديه رغبات وأماني للتطاول على سيادة لبنان، ولكن لا يبدو أنّ الوقائع ستسمح لهؤلاء بالتحرّك على راحتهم، وهذا ما يفهمه جيداً كثير من الساسة الأمريكيين والسوريين، الذين يدركون أهمية التوازن في مثل هذه الملفات والتحركات، ويدركون ثقل الحمل الذي سيوضع على سوريا في حال خطت خطوة غير محسوبة إقليمياً.
اقرأ أيضاً: هل انتقلت أزمة مياه تنورين اللبنانية إلى سوريا؟









