أعمال واستثمار

شبح السوق الحر لا يزال يطرق باب الاقتصاد السوري .. هل من مجيب؟

بقلم: ديانا الصالح

عند سقوط النظام السابق وبداية المرحلة الانتقالية السياسية، أشعل وزير الاقتصاد في ذلك الحين: باسل عبد العزيز عبد الحنان، جدلاً واسعاً عقب تصريحاته المشيرة إلى استعداد الدولة لإعادة هيكلة مؤسساتها بما يتماشى مع نظام السوق الحرة، لتتوالى بعد ذلك عدة تأكيدات رسمية حول التراجع عن تلك الخطوة مؤقتاً لعدم ملاءمة الوقت، ما يضع عدة علامات استفهام حول جدية الموضوع الذي لطالما استخدمته السلطات السابقة كغطاء على أساليبها النهبوية.

لسنا بصدد التوقف عند أسباب التذبذب في المواقف الرسمية حول تبني الاقتصاد الحر، ولكن سنتوقف عند شروط تطبيقه إضافة إلى التطرق لمخاطره، لتعرف المزيد، تابع نقالنا التالي..

شروط تطبيق السوق الحر

سلط الخبير الاقتصادي محمد السلوم الضوء على شروط تطبيق اقتصاد السوق الحر، بتحديد عدة معايير يمكن تلخيصها بما يلي:

  • تحديد هيكلية العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص عبر إجراءات إصلاحية قانونية واضحة.
  • منع الاحتكار بما يضمن انخراط المستثمرين بشكل عادل في الأسواق.
  • إجراء تحديثات على النظامين المالي والضريبي لتفادي الإغراق، عبر سياسات جمركية ضريبية واضحة، تتيح للمنتج المحلي القدرة على المنافسة دون الضغط على المستهلكين بأسعار مرتفعة.
  • تفعيل دور المؤسسات الرقابية المستقلة، لتنظيم حركة الأسواق مع جذب الاستثمارات وضبط المنافسة
  • التركيز على الانتقال التدريجي بما يراعي حجم الدمار وتراجع الدخل، مع الاستفادة من الدعم الدولي.

ولكن هذه الشروط ذات المثالية العالية، تعتبر وردية بعيدة المنال عند إسقاطها على حال الأسواق السورية، وتاريخ الاقتصاد الحر في سوريا يقدم إثباتاً قطعياً على ذلك، فملامح الاعتماد على هذا النوع من الاقتصاد رُسِمت منذ التسعينات، ولكن ترسيخ تبنيه اشتعل مع بدء الحكومة في التغني بالانفتاح الاقتصادي وشعارات الليبرالية ببداية الألفينات، وما تبعها من إجحاف متتابع للحقوق والمكتسبات الكفيل بالكشف عن الوجه الحقيقي لظلّ الاقتصاد الحرّ.

مخاطر اقتصاد السوق الحر

لا شكّ أن للاقتصاد الحر في سوريا قصة طويلة، تحكيها السياسات المجحفة بحقوق المواطنين وعدد لا بأس به من القطاعات الاقتصادية، حيث يرى عدد من المحللين أن الوقوع في مغبة هذا النهج من جديد بمثابة موت حقيقي للاقتصاد المتهالك والمدمر مسبقاً بفعل تلك السياسات التي لطالما تغنّت بها السلطة السابقة للتغطية على أدوات نهبها الخفية.

ولفهم معضلة السوق الحر وتأجيج الأزمات، لا بد من الوقوف عند المعنى النظري لهذا السوق، الذي يتبلور حول حرية المنتجين في أي نشاط اقتصادي، ويعتبر تجسيداً لتفاعل كلٍّ من العرض والطلب أثناء عمليتي البيع والشراء، في جوٍّ تنافسي حرٍّ، ما ينعكس على أسعار البضاعة مباشرة، كما تفرض المواد المستوردة نفسها على الساحة التنافسية أمام البضاعة الوطنية، في ظلّ تهميش دور النشاط الاقتصادي الملحوظ للدولة.

وبالعودة إلى الدروس المستقاة من الانفتاح الذي تغنت به السلطات السابقة، تبرز عدة مخاطر في حال تبني الاقتصاد الحر، منها:

  • انعدام الحرية والمنافسة الناجمة عن إقصاء المشاريع الصغيرة كمحاولة لضبط التوازن بين العرض والطلب.
  • تحول الشركات الكبرى إلى أساسٍ احتكاري متين يدير دفّة السوق، بما يحقق الأهداف الربحية المرجوة مع التضييق على المشاريع الصغيرة.
  • لسياسات السوق الحر أيضاً آثار اجتماعية تتمثل بإلحاق الضرر بالطبقات المهمشة ذات الأجور المتدنية إلى جانب المستهلكين.
  • دخول السلع الأجنبية ذات الأسعار المنخفضة في منافسة غير عادلة أمام البضائع المحلية
  • ارتفاع معدل البطالة الناجم عن خروج المشاريع الصغيرة من السوق مقابل التصاعد الربحي للشركات الكبرى.
  • تدني الرواتب والأجور العامة مقارنةً بأسعار السوق.

أرقام تعكس الواقع الاقتصادي

وبالعودة إلى أرقام البنك الدولي التي تعكس الواقع الاقتصادي السوري، يمكن اكتشاف حجم الأزمة الحقيقي، حيث أشارت البيانات الإحصائية إلى ارتفاع الانكماش خلال عام 2024 بنسبة 1.5%، مع توقعها بزيادة خجولة لنمو الناتج المحلي تصل إلى 1% خلال 2025، وسط ضغوط عميقة تمثلت بتجميد الأصول، إلى جانب القيود المفروضة على الخدمات المالية الدولية، ما يشكل عثرة في طريق الإعانات الخارجية، وإمدادات الطاقة إضافة إلى التجارة والاستثمارات بجانب الدعم الإنساني، وفق ما أفاد التقرير.

واستناداً لنتائج حلبة الصراع التي شهدتها سوريا خلال 14 عاماً، أفاد تقرير البنك الدولي بتدمير الاقتصاد السوري على مختلف مستوياته، حيث بلغت نسبة الانكماش التراكمية للناتج الإجمالي المحلي أكثر من 50% منذ 2010، لتصل حصّة الفرد من الدخل الإجمالي القومي إلى 830 دولار فقط مع بداية 2024، وتعتبر هذه النسبة أقل بكثير من الحد الدولي الأدنى بالنسبة للبلدان منخفضة الدخل.

كما أشار التقرير إلى ارتفاع نسبة الفقر لمستويات غير مسبوقة، حيث يعاني واحد من كل أربعة مواطنين سوريين من الفقر المدقع، مع وقوع ثلثيهم تحت الخط الأدنى للفقر بالنسبة للدخول المتوسطة.

وفي هذا السياق، سلط البنك الدولي الضوء على أزمة السيولة الحادة التي تواجهها سورية منذ بدايات الانتقال السياسي، وذلك نتيجة للنقص في الأوراق النقدية، فضلاً عن التخبط الذي يشهده التعامل مع العملة الحالية.

ختاماً، يتضح جلياً الآثار السلبية الكارثية لتبني سياسة الاقتصاد الحر، من تآكل للأجور والرواتب ومنافسة للبضائع المحلية، فضلاً عن ارتفاع معدلات البطالة، وغلبة الاحتكار والإقصاء على الأسواق.

اقرأ أيضاً: ملتقى بوابة العمل في دمشق: 2500 فرصة بين يديك!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى