ثقافة وتراث

الشاورما السورية وكأس العالم: سخرية تشعل التعليقات!

بقلم هلا يوسف

موقف طبيعي في الملعب وربما يكون من أكثر المواقف حساسية، يتحول في كلمات محدودة إلى حالة من السخرية والجدل على مواقع التواصل الاجتماعي. هذا ما حدث بالفعل عندما حول حساب “Troll Football” الذي يعد من أشهر الحسابات الساخرة في مجال كرة القدم لحظة كروية حساسة إلى تريند عالمي، ومحور الحدث “الشاورما السورية وكأس العالم”.

ففي إحدى التغريدات التي حصدت أكثر من مليون مشاهدة وعشرات الآلاف من الإعجابات والمشاركات، سخر الحساب من طرد لاعب من منتخب الأوروغواي بسبب قانون تغطية الفم الجديد. ليتشكل الموقف الخيالي للنكتة بقول اللاعب لنظيره التركي مناكفاً له أن “الشاورما السورية أطيب من الدونر التركي”، مما أثار غضب الأخير ودفعه إلى الاحتجاج والمطالبة بمراجعة تقنية الفيديو.

وعلى الرغم من أن الأمر لا يتجاوز كونه مزحة، إلا إنها فتحت باب التعليقات الكثيرة على غزو الشاورما السورية لأوروبا، مما سلط الضوء على موضوع واقعي لامس الشعوب الأوروبية، وهو سيطرت الشاورما والأكلات العربية على النمط الغذائي الأوروبي، لتصبح منافسة للأكلات الشعبية كالدونر.

من هيمنة الدونر إلى صعود الشاورما

إذا أخذنا هذه النكتة على محمل الواقع، فسنجد أنه بالرغم من احتفاظ الدونر بمكانته الخاصة في أوروبا لسنوات طويلة، إذ انتشر منذ أواخر ستينيات القرن الماضي أو أوائل السبعينيات، إلا أن الشاورما السورية ذات الجذور العريقة في الشرق الأوسط، أتت لتكون ظاهرة غذائية في أوروبا، ولتقضي على الدونر كوجبة مفضلة للأوروبيين.

فقد أصبحت الشاورما السورية وجبة مألوفة للكثير من المستهلكين الأوروبيين، بل ومفضلة لهم، بعدما كانت مقتصرة على الجاليات العربية أو الشرق أوسطية. لتفرض حضورها بقوة في المدن الأوروبية.

وفي ألمانيا تحديداً، ارتبطت الشاورما في أذهان الكثيرين بالمطاعم السورية نتيجة العدد الكبير من السوريين الذين افتتحوا مطاعم ومشاريع غذائية منذ أن بدأت موجات اللجوء إليها. لكن بالرغم من ذلك لا يربطها الأوروبيون بدولة معينة، بل يصنفوها على أنها وجبة شرق أوسطية أو عربية أو من بلاد الشام بشكل عام.

كيف غير عام 2015 خريطة الطعام في ألمانيا؟

لفهم قصة انتشار الشاورما السورية، لا بد من النظر إلى التغيرات التي شهدها المجتمع الألماني خلال السنوات الأخيرة. فعندما يفكر الناس في الطعام الألماني التقليدي، غالباً ما يتخيلون أطباق البطاطس والشنيتزل ومخلل الملفوف. لكن المشهد الغذائي في البلاد لم يعد كما كان قبل عشر سنوات.

فمع وصول أكثر من مليون مهاجر ولاجئ سوري منذ عام 2015، بدأت مطابخ جديدة تظهر في المدن الألمانية. ولم يكن التأثير مقتصراً على افتتاح مطاعم جديدة فقط، بل امتد إلى المتاجر وسلاسل التوريد وحتى عادات الناس اليومية في تناول الطعام.

قبل هذا الغزو، كانت المطاعم اليونانية والإيطالية والتركية هي الأكثر انتشاراً في ألمانيا. أما اليوم فأصبح من الطبيعي أن يجد الزائر مطاعم عربية وسورية وعراقية وأفغانية وأفريقية في معظم المدن الكبرى.

كما بدأت أنواع من الخضار لم يكن يعرفها الألمان بالانتشار في المتاجر ذات العلامات التجارية المعروفة، بعدما تم التعرف عليها عبر محلات سورية تستورد هذه الأنواع للعائلات السورية والعربية الموجودة. فالبامية مثلاً أصبح الحصول عليها أسهل من السابق، وكذلك العديد من المكونات القادمة من مطابخ الشرق الأوسط وأفريقيا.

بالنسبة لآراء الطباخين الألمان بهذا الغزو اللذيذ، فإنهم يرون أن هذا التنوع أضاف حيوية كبيرة إلى قطاع المطاعم. فبدلاً من أن يتعرف الألمان على ثقافات أخرى من خلال الكتب أو السفر فقط، أصبح بإمكانهم اكتشافها عبر الطعام.

الشاورما ليست وحدها.. عندما تصبح الأطباق جسوراً بين الثقافات

الشيء الذي يلفت الانتباه أن الشاورما كانت المفتاح لدخول أطباق عربية أخرى لم تكن معروفة في السابق لدى كثير من الألمان. فأطباق مثل الحمص والفتوش وبابا غنوج أصبحت مألوفة إلى درجة أن بعض الزبائن الألمان يناقشون طريقة إعدادها ويفضلون وصفات معينة لها. ولم تعد هذه الأسماء تبدو غريبة كما كانت قبل سنوات قليلة.

وتجاوز الأمر إلى طبخات خاصة جداً ومعروفة فقط في سوريا. ففي مقابلات صحفية أجرتها إحدى الصحف الألمانية مع أصحاب بعض المطاعم السورية، تحدثوا عن تفاجئهم بإقبال الألمان على الملوخية، وهي وجبة لم يتوقعوا وجود محبين لها خارج سوريا والعالم العربي. لكن التجربة أثبتت أن الناس مستعدون لتجربة أطعمة جديدة عندما يكون لديهم الفرصة لتذوقها.

وبذلك يمكن القول أن القصة الحقيقية وراء انتشار الشاورما السورية لا يمكن اختصارها بوجبة، بل بوجود حركة ثقافية كاملة حملها اللاجئون من الدول العربية وخصوصاً سورية إلى العالم الأوروبي. لذلك حتى مع المزحة السابقة حول الأفضلية والمقارنة بين الشاورما والدونر، فإن الأمر يتجاوزها ليعكس التنوع داخل المطبخ الأوروبي وتقبله لأطباق غريبة.

اقرأ أيضاً: لماذا أبدع السوريون في دول الاغتراب؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى