رياضة

“سيريا هايتك” ومنصات الألعاب الإلكترونية.. بوابة جديدة للاقتصاد الرقمي في سوريا

بقلم: ريم ريّا

تتجه سوريا تدريجياً نحو تبني مفاهيم الاقتصاد الرقمي، ويبرز قطاع ألعاب الفيديو والرياضات الإلكترونية كواحد من المجالات الجديدة ذات الأهمية، لا سيما مع إدراج مسابقات احترافية ضمن فعاليات معرض سيريا هايتك «التقنيات السورية المتقدمة». وقد اكتسبت هذه الخطوة بعداً إضافياً مع حضور وزير الاتصالات والتقانة، ومشاركة اللجنة العليا للرياضات الإلكترونية «سيسا SESA»، برئاسة سعيد شرف، إلى جانب حضور المعلّق المعروف في بطولات الرياضات الإلكترونية عمر نقاع، ما منح الفعالية طابعاً تنظيمياً ومهنياً أوضح.

وجاءت هذه المنافسات برعاية كل من تلفزيون «برايم» و«سيرياتيل» و«JCI»، في مؤشر على اتساع الاهتمام المؤسسي والخاص بهذا القطاع، وعلى بداية انتقال ألعاب الفيديو من كونها نشاطاً ترفيهياً محدوداً إلى مجال يمكن أن يكون جزءاً من الاقتصاد الرقمي والاستثمار التقني في سوريا، ومعززاً لدوري سوريا الرقمي.

معرض سيريا هايتك.. ماذا تتضمن منافسات الألعاب الإلكترونية؟

استعرض معرض التقنيات المتقدمة في سوريا «سيريا هايتك» تنظيم دوري سوريا الرقمي، الذي تضمن سلسلة من البطولات التنافسية لألعاب الفيديو الشهيرة، بما في ذلك نهائيات لعبة تيكن Tekken للسيدات، وبطولات كرة القدم الإلكترونية eFootball للرجال. وقد أُقيمت المنافسات في بيئة احترافية قريبة من أجواء البطولات الإقليمية، حيث حرص اللاعبون الشباب على إبراز مهاراتهم أمام جمهور مهتم، وضمن إطار تنظيمي أكثر وضوحاً من التجارب السابقة.

ولم تقتصر أهمية الفعالية على طبيعة الألعاب المشاركة، بل امتدت إلى حضور جهات وشخصيات مرتبطة مباشرة بتطوير هذا القطاع. فقد شاركت اللجنة العليا للرياضات الإلكترونية «سيسا sesa» بوصفها الجهة المعنية بتنظيم هذا المجال، وكان رئيسها سعيد شرف حاضراً ضمن الفعالية، بما يعكس سعياً إلى نقل الرياضات الإلكترونية من النشاط الفردي أو المبادرات المتفرقة إلى صيغة أكثر مؤسساتية.

كما شكّل حضور تعليق احترافي إضافة مهمة للحدث، لأن التعليق الاحترافي لم يعد تفصيلاً ثانوياً في هذا النوع من البطولات، بل جزءاً من صناعة المشاهدة الرقمية، ومن قدرة البطولة على جذب الجمهور وبناء هوية إعلامية خاصة بها.

اقرأ أيضاً: قطاع الاتصالات الخليوية في سوريا.. واقع متعب وآمال بمشغل جديد

دور الرعاة في ترسيخ الفعالية

حضور الرعاة في مثل هذه الفعاليات لا يقتصر على الدعم اللوجستي أو التمويل المباشر، بل يشير إلى تعزيز تشكل علاقة بين القطاع التقني والقطاع التجاري من جهة، وبين الشباب المهتمين بالألعاب الإلكترونية من جهة أخرى. فرعاية «برايم» و«سيرياتيل» و«JCI» للمنافسات تمنح الحدث قدرة أكبر على الاستمرار، وتفتح الباب أمام تحويل البطولات الإلكترونية إلى منتج إعلامي وتسويقي قابل للتطوير.

دوري سوريا الرقمي
دوري سوريا الرقمي

وتبدو هذه النقطة مهمة خصوصاً في السياق السوري، حيث تحتاج الرياضات الإلكترونية إلى دعم من جهات قادرة على توفير الإمكانات التقنية، وتنظيم الفعاليات، وإنتاج المحتوى، وربط اللاعبين بالفرص المحلية والخارجية. ومن هنا، يمكن قراءة الرعاية باعتبارها خطوة أولى في مسار أطول، يحتاج إلى تراكم واستمرارية كي لا يبقى مرتبطاً بفعالية واحدة أو موسم محدد.

الألعاب الإلكترونية.. من الترفيه إلى الاستثمار

لم تعد ألعاب الفيديو مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبحت صناعة عالمية بمليارات الدولارات، تشمل البطولات، والبث الرقمي، والتسويق، وتصميم الألعاب، والتدريب، وصناعة المحتوى. لذلك، فإن إدراج هذا القطاع ضمن الأنشطة الرسمية في سوريا من شأنه أن يفتح الباب أمام تحويله إلى قطاع اقتصادي قابل للنمو، خصوصاً إذا جرى التعامل معه بوصفه جزءاً من الاقتصاد الرقمي، لا مجرد نشاط شبابي عابر.

ويمكن لهذا المجال أن يخلق فرص عمل جديدة في قطاعات متعددة، مثل البرمجة، وتطوير ألعاب الفيديو، والبث الرقمي، وتنظيم البطولات، والتعليق الرياضي الإلكتروني، وإدارة المجتمعات الرقمية، والتصميم البصري، والتسويق عبر المنصات. كما يمكنه دعم الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا، وفتح المجال أمام استثمارات محلية وأجنبية في السوق الرقمية السورية.

وفي هذا السياق، تصبح مشاركة جهة تنظيمية مثل «سيسا» ذات أهمية خاصة، لأنها قد تساعد في وضع قواعد أوضح للمنافسات، واكتشاف المواهب، واختيار اللاعبين للمشاركة في بطولات محلية وخارجية، بما يجعل الرياضات الإلكترونية مجالاً منظماً يمكن البناء عليه.

الأثر الاقتصادي لمثل هذه الفعاليات

يحقق تنظيم بطولة لألعاب الفيديو ضمن فعاليات معرض تقني كبير فوائد اقتصادية على مستويات متعددة. فهو يساهم في تحفيز قطاع التكنولوجيا، وزيادة الطلب على خدمات الإنترنت والأجهزة الحديثة، ويعزز العلاقة بين الشركات التقنية والجمهور الشاب الأكثر ارتباطاً بالمنصات الرقمية.

كما يدعم هذا النوع من الفعاليات مسار التحول الرقمي، لأنه يربط التكنولوجيا بالاستخدام اليومي والمهارات العملية، ولا يحصرها في المعارض التقليدية أو العروض النظرية. فاللاعبون، والمعلقون، والمنظمون، وصنّاع المحتوى، والجمهور، يشكلون معاً حلقة اقتصادية وإعلامية قابلة للتوسع إذا توفرت لها البيئة المناسبة.

ومن جهة أخرى، يمكن لهذه البطولات أن تشجع على إقامة معارض متخصصة في الرياضات الإلكترونية، وأن تساهم في تنمية السياحة التقنية والنشاط الاقتصادي المكمّل، من خلال جذب شركات الأجهزة، ومزودي الإنترنت، ومنصات البث، والمطورين، والمهتمين بصناعة الألعاب.

من توقيع عقد الشراكة الإعلامي
من توقيع عقد الشراكة الإعلامي

روزنامة 2026.. تأسيس مسار منظم للرياضات الإلكترونية

لا تأتي مشاركة الرياضات الإلكترونية في معرض «سيريا هايتك» كحدث منفصل، فقد أتت ضمن مسار بدأ مع إطلاق روزنامة الرياضات الإلكترونية في سوريا لعام 2026، التي أُعلن عنها في دمشق بتنظيم الجمعية السورية للرياضات الإلكترونية «SESA»، وبالتعاون مع تلفزيون «برايم» كشريك إعلامي. تكتسب هذه الروزنامة أهميتها من أنها لا تكتفي بتنظيم بطولات متفرقة، بل تسعى إلى تأسيس دوري إلكتروني احترافي موسمي في سوريا، مهد لإطلاق «دوري سوريا الرقمي 2026»، ويضع قواعد أوضح للمنافسة، والتسجيل، والتصفيات، وتمثيل سوريا في البطولات الإقليمية والدولية.

فإذا أخذنا ما أُعلن عنه خلال المؤتمر، فإن الجمعية السورية للرياضات الإلكترونية، التي تأسست عام 2016، شاركت عبر لاعبين من الداخل والمهجر في أكثر من 50 بطولة قارية ودولية، ونظمت مسابقات شارك فيها أكثر من 20 ألف لاعب سوري من مختلف أنحاء البلاد. كما تشمل الروزنامة منافسات على منصات الحاسوب الشخصي، والهاتف المحمول، والبلاي ستيشن، ضمن ألعاب مثل «PUBG Mobile» و«Tekken 8» و«eFootball»، مع جوائز يتجاوز حدها الأدنى 100 مليون ليرة سورية، وبث مباشر قد يصل إلى 65 ساعة عبر التلفزيون ومنصات التواصل.

وتعكس هذه المعطيات أن ما يجري في «سيريا هايتك» لا يقتصر على استعراض ألعاب أو تنظيم منافسات شبابية واحدة والسلام، بل يشير إلى محاولة بناء قطاع منظم للرياضات الإلكترونية في سوريا، يجمع بين الجهات الرسمية، والرعاة، والإعلام، واللاعبين، ويفتح الباب أمام تحويل المهارة الرقمية إلى مجال تنافسي واستثماري قابل للتطور.

تحديات وفرص مستقبلية

على الرغم من الفرص الكبيرة التي يوفرها قطاع الرياضات الإلكترونية في سوريا، إلا أنه لا يزال يواجه تحديات عديدة تعيق نموه وتمنعه من بلوغ كامل إمكاناته. ومن أبرز هذه التحديات ضعف البنية التحتية للإنترنت، حيث يعاني العديد من المستخدمين من بطء الاتصال وارتفاع زمن الاستجابة، مما يؤثر سلباً على تجربة اللعب، ويحد من انتشار الألعاب التي تعتمد على التفاعل المباشر والسريع بين اللاعبين.

إضافة إلى ذلك، تعدّ تكلفة المعدات التقنية، مثل أجهزة الكمبيوتر القوية المناسبة للألعاب «Gaming Devices/PCs»، ووحدات ألعاب الفيديو، والشاشات، والبرامج المتخصصة، مرتفعة بالنسبة إلى كثير من الشباب المهتمين بهذه الأنشطة. وهذا يحد من قدرتهم على الدخول إلى عالم الرياضات الإلكترونية، ويجعل المشاركة الاحترافية أقل انتشاراً.

كما أن البيئة المهنية المتكاملة، التي تشمل نظام دعم للمطورين، ومنصات تدريب، ومساحات مخصصة للقاءات، وفعاليات ألعاب الفيديو، لا تزال في بداياتها ممّا يعيق ظهور مجتمع ألعاب محلي قادر على التطور. فالمواهب وحدها لا تكفي إذا لم تكن هناك بنية تساعدها على التدريب، والمنافسة، والظهور الإعلامي، والوصول إلى فرص أوسع.

مع ذلك، يعد إدراج فعاليات الرياضات الإلكترونية في المعارض الرسمية خطوة هامة نحو بناء هذا النظام البيئي. فوجود جهة تنظيمية مثل «سيسا SESA»، وحضور شخصيات معروفة في هذا المجال، ورعاية جهات مثل تلفزيون «برايم» وبقيّة الرعاة، جميعها عناصر تساعد في منح القطاع قدراً أكبر من الجدية والاعتراف.

وإذا اقترن ذلك بدعم حكومي حقيقي، واستثمارات خاصة تهدف إلى تطوير البنية التحتية للقطاع، وتوفير الأدوات المالية، ودعم المشاريع الجديدة، فإن قطاع ألعاب الفيديو قادر على التحول من نشاط محدود خاص بالهواة أو نصف المحترفين، إلى محرك اقتصادي قيّم، يسهم في تنويع مصادر الدخل، وخلق فرص عمل للشباب السوري.

وفي نهاية المطاف، تعمل الجهات الراعية، بالتعاون مع الجهات الحكومية، على خلق وتثبيت رؤية استراتيجية مشتركة تجمع بين الجهات الفاعلة: الحكومية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، وذلك لإنشاء نظام متكامل لقطاع ألعاب الفيديو والرياضات الإلكترونية. فهذا القطاع لا يحتاج فقط إلى بطولات متفرقة، بل إلى بيئة مستدامة تسمح بالنمو، والتدريب، والاستثمار، والابتكار في صناعة حديثة يمكن أن تكون جزءاً من مستقبل الاقتصاد الرقمي في سوريا.

اقرأ أيضاً: مؤتمر إطلاق روزنامة الرياضات الإلكترونية في سوريا لعام 2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى