المجتمع السوري

“سوق رمضان الخير” بين وعود التخفيضات وأسئلة القدرة على الشراء

بقلم هلا يوسف

تعم المحافظات السورية الخيم الرمضانية والمبادرات الإنسانية التي تدعم الأسر السورية خلال شهر رمضان المبارك، وانطلاقاً من مسؤوليتها الاجتماعية والاقتصادية تجددت فعاليات “صنع في سوريا_مهرجان سوق رمضان الخير” على أرض مدينة المعارض القديمة في دمشق برعاية وزارة الأوقاف وبالتعاون مع غرفة صناعة دمشق وريفها، وبمشاركة عدد كبير من الشركات السورية لتحقيق هدفين أساسيين هما: دعم المنتج الوطني، تخفيف الأعباء المعيشية عن الأسر السورية.

يشارك في المهرجان الذي يستمر حتى الخامس والعشرين من شهر رمضان نحو 150 شركة وطنية تمثل قطاعات غذائية ونسيجية وكيميائية وهندسية، مقدمةً منتجات تحمل شعار “صنع في سوريا”.

وقد أكد محافظ دمشق ماهر إدلبي خلال كلمة الإفتتاح أن التركيز ينصب على المواد الغذائية والملبوسات نظراً لارتفاع الطلب عليها خلال الشهر الفضيل، مشيراً إلى أن التخفيضات المطروحة تراعي احتياجات الأسرة السورية، وتصل في بعض الحالات إلى نحو 30%، مع طرح بعض السلع بأسعار قريبة من التكلفة وهامش ربح محدود.

هذا الطرح ينسجم مع فكرة البيع المباشر من المنتج إلى المستهلك، وهي الآلية التي يرى القائمون على المهرجان أنها تسهم في كسر حلقات الوساطة التي غالباً ما ترفع الأسعار. وهذا ما شدد عليه رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها محمد أيمن المولوي وأكد أن الهدف  إيصال السلعة بسعرها الحقيقي، بعيداً عن المضاربات، بما يحقق منفعة مباشرة للمواطن.

من جانبها، رأت عضو مجلس إدارة الغرفة ورئيسة القطاع الكيميائي وفاء أبو لبدة أن هذه الفعاليات لا تخدم المستهلك فقط، بل تمنح الصناعيين فرصة لزيادة المبيعات وتحفيز الإنتاج، وتعزيز الثقة بالمنتج المحلي، خاصة في ظل تحديات السوق الحالية.

ولم يغب البعد الديني عن كلمات المشاركين، إذ أشار مدير أوقاف دمشق محمد سامر بيرقدار إلى أن رمضان شهر الرحمة والتكافل، داعياً إلى ترجمة هذه الروح في التعاملات التجارية عبر تسهيل الشراء ومراعاة الظروف المعيشية للناس.

والجدير بالذكر أن المهرجان يفتح أبوابه يومياً من الساعة الثانية عشرة ظهراً حتى منتصف الليل، ويعرض طيفاً واسعاً من المنتجات: مواد غذائية، منظفات ومستحضرات تجميل، ألبسة وسجاد، وأدوات منزلية، في محاولة لتوفير تجربة تسوق شاملة للأسرة خلال الشهر الكريم.

هل تكفي المهرجانات لتحقيق أثر طويل الأمد؟

على الرغم من الأجواء الإيجابية التي ترافق هذه الفعاليات، يبرز سؤال جوهري حول مدى قدرتها على إحداث فرق طويل الأثر في السوق. فمهرجانات “صنع في سوريا” تقام بشكل دوري في عدة محافظات، وغالباً ما تنشط الحركة الشرائية خلال فترة انعقادها، إلا أن هذا التحسن يبقى مؤقتاً، ومرتبطاً بزمن الفعالية أكثر من كونه تحولاً هيكلياً في آليات التسعير أو الدخل.

تأتي هذه التساؤلات في ظل الواقع الاقتصادي الضاغط، إذ تشير بيانات عام 2025 إلى أن معدل التضخم في سوريا بلغ نحو 10.3%، وهو ما ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية. وبالتالي، حتى مع وجود تخفيضات حقيقية، قد يواجه المستهلك صعوبة في الاستفادة منها بسبب محدودية الدخل المتاح.

بينما تعيش الشركات السورية مرحلة تنافس معقدة، في ظل تدفق منتجات مستوردة إلى الأسواق بأسعار أقل أحياناً من نظيرتها المحلية. ويرى صناعيون أن ارتفاع تكاليف الكهرباء والمحروقات والنقل والمواد الأولية ينعكس تلقائياً على سعر المنتج الوطني، ما يضعه في موقع صعب عند المقارنة مع البضائع المستوردة الأرخص.

الخبير الاقتصادي وأستاذ الجامعة علي الأحمد يلفت إلى أن الصناعات الغذائية تحديداً تمثل ركيزة أساسية لأي مشروع استقرار اقتصادي، لارتباطها المباشر بالأمن الغذائي وفرص العمل. ويشير إلى أن هذا القطاع تضرر بشدة خلال سنوات الحرب، ما أدى إلى تآكل بنيته الإنتاجية وخروج عدد من المصانع من الخدمة. ويرى أن إعادة تشغيل المعامل خطوة مهمة، لكنها غير كافية ما لم يتم ربط الزراعة بالصناعة، ويتم تحسين بيئة العمل التنظيمية، بالإضافة إلى معالجة مشكلات الطاقة والبنية التحتية، مع ضبط السوق ومنع الاحتكار.

من هذا المنظور تصبح المهرجانات جزءاً من حل أوسع، لا بديلاً عنه. فهي تتيح طريقة تواصل مباشرة بين المنتج والمستهلك، وتمنح الصناعة المحلية مساحة عرض وتعريف، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة جذور الاختلالات الاقتصادية.

في النهاية، تأتي فعاليات “صنع في سوريا” والتي من ضمنها “سوق رمضان الخير” ضمن المحاولات التي تبذلها الحكومة السورية لتحقيق الفائدة المزدوجة للمنتج والمستهلك، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها سوريا. لكن نجاحها على المدى الطويل يحتاج إلى دمجها بخطط اقتصادية متكاملة، لتكون المنتجات الوطنية ركيزة في الاقتصاد.

اقرأ أيضاً: أكشاك الطعام.. فكرة ناجحة عالمياً وسط غياب الشارع السوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى