سوق العملة في سوريا: الدولار يقفز مجدداً… ما انعكاساته الاقتصادية؟

الكاتب: أحمد علي
لا تصعد العملة الأجنبية في السوق السورية كما تصعد في نشرات المال العادية، والرقم هنا يتجاوز شاشة الصرافة. يدخل إلى سعر الخبز والزيت والدواء، وإلى حساب التاجر الذي لا يعرف بأي سعر سيشتري غداً، وإلى راتب الموظف الذي يبقى ثابتاً بينما تتحرك الأسعار من حوله. لذلك لا تبدو قفزة الدولار حدثاً نقدياً منفصلاً. إنها إشارة إلى مستوى الثقة، وإلى حدود قدرة السياسة الاقتصادية على ضبط سوق يتعلم منذ سنوات أن يحتمي بالقطع الأجنبي كلما ضاق الأفق.
خلال اليومين الأخيرين من حزيران الجاري 2026، سجل الدولار في السوق الموازية بدمشق نحو 14340 ليرة قديمة للشراء و14390 للبيع، أي 143.40 و143.90 بالليرة الجديدة بعد حذف صفرين. وفي الحسكة وصل السعر إلى نحو 14500 للشراء و14550 للبيع. أما مصرف سوريا المركزي، فأبقى السعر الرسمي قريباً من 112.50 ليرة جديدة للشراء و113.50 للبيع، مع متوسط رسمي عند 113 ليرة جديدة. بذلك بدت الفجوة بين السعرين قريبة من 27 في المئة.
سوق العملة في سوريا بين النشرة والسوق
في كل اقتصاد مضطرب يوجد سعران، سعر تكتبه المؤسسة، وسعر يختبره الناس. الأول يضبط الحسابات الرسمية، والثاني يحدد سلوك السوق. وحين يتسع الفارق بينهما، لا يعود الخلاف تقنياً. يصبح سؤالاً عن قدرة المواطن والتاجر والمستورد على الحصول على الدولار بالسعر المعلن، وعن مدى ثقة السوق بأن الليرة الجديدة ليست مجرد ورقة أكثر ترتيباً من القديمة.
دخلت سوريا مطلع 2026 مرحلة استبدال العملة القديمة بالجديدة، عبر حذف صفرين من الليرة. الهدف المعلن كان تبسيط التعاملات وإعادة قدر من الانتظام إلى الحسابات اليومية. وفي بداية حزيران، أُعلن أن نسبة استبدال العملة القديمة بلغت نحو 63 في المئة، مع تمديد مهلة الاستبدال ثلاثين يوماً إضافياً اعتباراً من الأول من تموز. لكن الاستبدال، مهما كان ضرورياً، لا يصنع الثقة وحده. الورقة تتغير بسرعة، أما الثقة فتحتاج إلى زمن وإلى سياسة واضحة.
لا يكفي حذف الأصفار إذا بقي الطلب على الدولار أعلى من العرض، وإذا بقيت التحويلات تبحث عن قنوات أكثر أماناً، وإذا ظل المستورد يحسب كلفته على أساس السوق الموازية لا على أساس النشرة الرسمية. لذلك تتحول العملة الجديدة إلى امتحان أوسع من شكلها. هل تستطيع أن تقنع السوق بأن السعر الرسمي قابل للاستخدام؟ أم ستبقى مجرد وحدة حسابية جديدة فوق اقتصاد قديم المشكلات؟
صندوق النقد الدولي، بعد زيارته إلى دمشق في شباط 2026، تحدث عن إشارات تعاف في الاقتصاد السوري، لكنه ربط الاستقرار بإصلاح القطاع المصرفي، وتعزيز استقلالية المصرف المركزي، وتحسين إدارة المالية العامة، ومراقبة المشاريع الاستثمارية الكبيرة. هذه الملاحظات لا تخص الخبراء وحدهم. فالسعر لا يستقر بالقرار وحده، بل بقدرة المؤسسات على إقناع السوق بأن لديها أدوات حقيقية لا مجرد نشرات يومية.
من سعر الدولار إلى سعر المعيشة
الأثر المباشر لقفزة الدولار يظهر في الاستيراد. سوريا تعتمد بدرجة واسعة على الواردات لتأمين الغذاء والوقود ومدخلات الزراعة والصناعة. ولهذا يصبح سعر الصرف جزءاً من كلفة الطحين والزيت والسكر والدواء والنقل، حتى بالنسبة إلى من لا يحمل دولاراً في جيبه ولا يتعامل به مباشرة. السوق تفكر بالدولار حتى عندما تبيع بالليرة.
تقرير FEWS NET في نيسان 2026 أشار إلى أن اعتماد سوريا الكبير على الواردات يجعل سعر الصرف عاملاً رئيسياً في تكاليف السوق. هذه العبارة تشرح الحلقة كلها. عندما يرتفع الدولار، لا ينتظر التاجر وصول شحنة جديدة كي يرفع السعر. أحياناً يرفع السعر خوفاً من كلفة الاستبدال المقبلة. وأحياناً يوقف البيع. وأحياناً يضيف هامش أمان، لأن الغد غير واضح. بهذه الطريقة ينتقل القلق النقدي إلى رفوف المتاجر.
نشرة برنامج الأغذية العالمي لشهر آذار 2026 أظهرت أن السعر الرسمي بقي مستقراً عند نحو 11055 ليرة قديمة للدولار في تلك الفترة، بينما ظلّت الأسواق تحت ضغط الأسعار والمواد. كما سجل المركز السوري لبحوث السياسات تضخماً شهرياً قدره 6.5 في المئة في شباط 2026، وربط ذلك بتقلب سعر الصرف وارتفاع تكاليف النقل والطاقة وضعف الرقابة السوقية. لا يعني هذا أن الدولار مسؤول عن كل زيادة، لكنه يفتح الباب أمام سلسلة يصعب إغلاقها.
المتضرر الأول هو صاحب الدخل الثابت. الموظف لا يستطيع تعديل راتبه كل أسبوع. العامل لا يستطيع أن يطلب أجراً جديداً كلما تحركت شاشة الصرف. أما السوق فتتحرك أسرع. هنا يصبح تراجع الليرة اقتطاعاً غير معلن من الدخل. المواطن لا يسمع قراراً بتخفيض راتبه، لكنه يكتشف ذلك عندما يشتري الحاجات نفسها بكلفة أعلى.
إدارة الفجوة لا مطاردة السعر
أمام الحكومة والمصرف المركزي مهمة محددة. ليست مطاردة كل حركة في السوق، بل تقليص الفجوة التي تجعل السعر الرسمي ضعيف الأثر. فإذا بقي الدولار الرسمي عند حدود 113 ليرة جديدة، وبقيت السوق الموازية قرب 144 أو 145 ليرة، فسيتعامل جزء واسع من النشاط الاقتصادي مع السعر الأعلى بوصفه السعر الحقيقي. عندها تخسر السياسة النقدية جزءاً من سلطتها، وتصبح النشرة الرسمية أقرب إلى مرجع إداري لا إلى أداة توجيه.
تقليص الفجوة يحتاج إلى عرض كاف من القطع الأجنبي، وإلى قنوات تحويل رسمية قادرة على جذب السوريين في الخارج، وإلى وضوح في قواعد الاستيراد، وإلى رقابة تمنع المضاربة من دون أن تخنق التجارة. كما يحتاج إلى إنتاج وتصدير. فالليرة لا تُحمى فقط بتقييد الطلب على الدولار، بل بزيادة مصادره. وهذا هو الجزء الأصعب في اقتصاد خرج من سنوات طويلة من الدمار والعقوبات وضعف الاستثمار.
هناك أيضاً جانب اجتماعي لا يمكن تأجيله. إذا تُرك ارتفاع الدولار لينتقل بالكامل إلى الغذاء والدواء والنقل، فستتسع الفجوة بين السياسة النقدية وحياة الناس. الاستقرار النقدي لا معنى له إذا لم ينعكس على الأسعار. وحماية الليرة لا تقاس فقط بما يحدث في المصارف، بل بما يحدث في السوق الشعبية وفي قدرة الأسرة على شراء حاجاتها الأساسية.
لذلك تبدو قفزة الدولار الأخيرة إنذاراً لا مجرد رقم. هي تقول إن الثقة لم تكتمل بعد، وإن العملة الجديدة تحتاج إلى سياسة جديدة حولها، وإن السوق لن تقتنع بسهولة إذا بقيت الفجوة واسعة بين ما يُعلن وما يُدفع. لا أحد يطلب استقراراً فورياً في اقتصاد بهذه الهشاشة. لكن المطلوب أن تكون حركة الدولة أوضح من حركة المضارب.
الخلاصة أن سوق العملة في سوريا يقف اليوم عند نقطة حساسة. المركزي يحاول تثبيت صورة نقدية جديدة، والسوق تختبر هذه الصورة بسعر أعلى. وبين الاثنين يعيش الاقتصاد الحقيقي، حيث تُحسب كلفة الاستيراد، وتتحرك الأسعار، ويتآكل الدخل. إذا نجحت السياسات في تضييق الفجوة، وتنظيم التحويلات، ودعم الإنتاج والتصدير، يمكن احتواء القفزة. أما إذا بقي الدولار أقوى من الثقة، فستبقى الليرة الجديدة تحمل مشكلة قديمة باسم مختلف.
اقرأ أيضاً: الهروب إلى الدولار في سوريا.. سلوك دفاعي أم نتيجة خلل نقدي؟









