سوق الدهانات في اللاذقية: عودة المغتربين بين تحريك الطلب وتحديات المنافسة

إعداد: ريم ريا
يشهد سوق الدهانات في اللاذقية انتعاشاً لافتاً في الفترة الأخيرة، بفعل عودة أعداد كبيرة من المغتربين والنازحين الذين حملوا معهم رؤوس أموال وخبرات أسهمت في تحريك عجلة الاقتصاد وإعادة الإعمار في البلاد. فانعكس هذا الحراك على مختلف القطاعات، ولا سيما في محافظة اللاذقية، حيث تزايدت أعمال إعادة تأهيل المشاريع الحكومية التي ترعاها الدولة، إلى جانب ترميم وتجديد المنازل والمتاجر الخاصة بجهود الأفراد. ومع تزايد الطلب على الطلاء والتشطيبات، بات سوق الدهانات مؤشراً بارزاً لحيوية النشاط العمراني، ودليلاً على عودة الألوان والحياة إلى المدن التي تستعيد تدريجياً ملامحها بعد سنوات طويلة من التحديات.
في مقالنا هذا سنعرض تفاصيل المقابلة الحصرية التي أجريناها مع أحد أصحاب ورشات الدهان في اللاذقية، السيد “فيكين دميرجيان”، حيث شاركنا تجربته ورؤيته حول واقع المهنة والتحديات التي تصادفها، ورصدنا وإياه حركة السوق وحال المنافسة فيه، واطلعنا على المواد المتوفرة ومصدرها المتراوح بين محلي ومستورد.
حركة سوق الدهانات في اللاذقية: الإقبال وأماكن تركز الورش
عند حديثنا مع أحد أصحاب ورشات الدهان في مدينة اللاذقية السيد “فيكين دميرجيان” اطلعنا على حركة السوق في الوقت الحالي، وأفاد السيد “فيكين” أن حركة سوق الدهانات بعد عودة النازحين والمغتربين إلى البلاد شهدت تحركاً لافتاً وإقبالاً شديداً اتضحت ملامحه في حركة ونشاط ورشات الدهان، وبسبب الإقبال الشديد يشهد السوق حالياً تناقصاً في أعداد شغيلة الورش بسبب كثرة الورش العاملة في المحافظة وانشغال الشغيلة بالورش المستلمة، مما زاد الطلب عليهم.
لكن السيد “فيكين” قد أوضح وجود تباين بين نشاط ورشات الدهان ومحلات بيع الدهانات. الورش تشهد نشاطاً بفعل الطلب المتزايد على إعادة تأهيل المشاريع الحكومية، والمشاريع الخاصة كالمحلات ومنازل العائدين إلى الوطن. في حين أن أصحاب محلات الدهان يعانون من ركود نسبي في الحركة بما يتعلق بالمبيع بسبب استقدام البضاعة من خارج البلاد عبر مدينة “إدلب” خارج المحافظة، مما يعطل عليهم العمل بعض الشيء وتسويق بضاعتهم المحلية.
حركة الورشات غطّت المشاريع الحكومية “كالدفاع المدني والإطفاء والمرفأ والقصر الرئاسي”، والمشاريع الخاصة لمنازل العائدين من الغربة من تركيا وأوروبا، وشمل عمل الورشات الترميم وإعادة الإكساء. اتضح من عملية الرصد أن تغطية الورشات بلغت 80% للمشاريع الحكومية و20% للمنازل والممتلكات الخاصة.
في سياق متصل، عن واقع السوق قبل سقوط النظام وبعده: قبل السقوط بمدة سنتين كان هناك حركة شديدة في السوق وكانت الورشات متعددة ومتنقلة، لكن في السنتين الأخيرتين خيّم الركود على واقع السوق وتقلّص عدد الورشات بفعل ارتفاع أسعار الصرف وغلاء المواد وأجرة اليد العاملة.
أما عن الإقبال، فالمواطن يركز في معرض إقباله على الورشات والمواد ذات الأسعار المتوسطة والمنافسة أكثر من تركيزه على الجودة، على خلاف فترة ما قبل السقوط حيث كان الطلب يتم على المواد الأكثر جودة كمادة “الجوتن” التي تعتبر من أغلى أنواع المواد حالياً في السوق، وهي مادة مستوردة وفي الوقت الحالي سعرها أضعاف المنتج المحلي.
الملاحظ في الطلب الحالي على الديكورات في السوق، اعتماد الناس على بديل الخشب الذي يعطي شكل الخشب لكنّه في الأساس “بلاستيك مقوى”، إلى جانب الطلب على بديل الرخام. يرجع ذلك لفرق الأسعار، فتلبيس حائط من الخشب يكلّف الآن من 8- 9 مليون بينما بديل الخشب يكلّف مليونين. في حين أن الديكورات المطلوبة في السابق “كالجبسن بورد” كانت تكلف وسطياً من 20 مليون فأكثر.
عند السؤال عن أماكن تركز الورشات، هل تتركز أكثر في الريف أو المدينة؟ أوضح السيد “فيكين” أن غالبية الورش تتركز في المدينة، وتشمل بمعظمها بيوت كانت شبه مهجورة وعاد أهلها إليها، أما عن سكان المدينة غير العائدين، وإقبالهم على إعادة تأهيل منازلهم فالنسبة في ذلك لا تتعدى 2%.
اقرأ أيضاً: الأكشاك في اللاذقية بين إعادة التنظيم ومزادات الملايين
المواد المستهلكة بين المحلي والمستورد
المسيطر على السوق في الوقت الحالي هو المنتج المحلي، وبعد الانفراج الاقتصادي ورغم ما شهدته البلاد من تحرك في الأسواق، ما تزال بعض المواد غائبة عن السوق، ويرجع ذلك إلى حركة التجار واستقدامهم للمواد. رغم توفر المواد الغائبة في إدلب بوصفها مركز عبور واستيراد، إلاّ أن التجار لا يستقدمونها لمحافظة اللاذقية، ولا أسباب واضحة لذلك. ربما يرجع عدم استقدام هذه المواد إلى حسابات التجار الخاصة ورؤيتهم لحركة السوق.
فالمواد المستخدمة في الوقت الحالي في السوق هي ذاتها المواد المستخدمة قبل السقوط لا تغيير فيها. كانت هذه المواد متوفرة حتى في زمن فرض العقوبات على سوريا. وأكدّ السيد “فيكين” ضرورة استقدام مواد من الخارج إلى السوق بسبب فاعليتها وجودتها، وأن في خارج البلاد مواد فعالة ومتطورة أضعاف المواد المستهلكة في السوق المحلية الآن.
الجدير ذكره، أن المواد المصنفة من الأساسيات في المهنة لم تنقطع عن السوق على مر سنوات الأزمة والحصار، إذ بقيت متوفرة ومباعة من قبل التجار المحليين. ومن هذه المواد الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها: “السَلر، المعجون، الإكرليك، الطرش”.
سجلّت العديد من المحاولات المحلية في السنوات السابقة لتوفير مواد بجودة المواد المتوفرة في الخارج. فهناك العديد من المعامل التي حاولت إنتاج مواد محلية ذات جودة عالية كمعمل “الخضر” في اللاذقية، وتعتبر بضاعة ومواد هذا المعمل الأجود في سوق اللاذقية في الوقت الحالي من حيث جودة المواد وتوفرها والأسعار المناسبة.
اقرأ أيضاً: الأمبيرات في سوريا بين إضاءة البيوت واستنزاف الجيوب .. هل أصبحنا لبنان؟
المنافسة في السوق بين الماضي والحاضر
المنافسة في السوق كانت على أشدها في فترة ما قبل الحراك الشعبي الذي بدأ عام 2011، ويرجع ذلك للاستقرار المالي السائد في البلاد آنذاك وحركة رؤوس الأموال الكبيرة، إذ لا مجال للمقارنة بين المنافسة وحركة السوق بين ما قبل 2011 وما بعدها، وبين الشهور الحالية التي تلت سقوط النظام.
الملفت أن المنافسة حالياً في السوق تحكمها الأسعار والسمعة، لا الجودة والنوعية في المواد كما السابق… فطلب التعاقد مع الورش يتركز الآن على الورشات ذات الأسعار المتوسطة والمناسبة للدخل، بالتزامن مع سمعة صاحب الورشة ومدى اتقانه لعمله.
أما عن سعر الصرف وتأثيره على المنافسة في السوق، أوضح السيد “فيكين” أن نزول سعر الصرف أثر على طبيعة العمل من حيث المواد التي أصبحت أرخص، أما من حيث اليد العاملة فبقيت نفسها، “فمعلم الورشة” أُجرَته في اليوم الواحد كانت 150 ألف ليرة سورية وبقيت كذلك. لكن أسعار المواد مثل: مادة “الإكرليك” الوطني للسطل الواحد، كان سعره سابقاً 700 ألف أما الآن 400 ألف، ومادة “الجوتن” كانت مليونين ومئتي ألف، الآن سعرها مليون ومئة ألف ليرة سوري.
بفعل تراوح سعر الصرف وصعوده ونزوله في السنين السابقة، كانت تصطدم بعض الورشات بالتوقف نتيجة انعدام السيولة لكن بنسبة نادرة لا تتجاوز 3%. كما أوضح السيد “فيكين” مشيراً إلى أن المنافسة في السوق وحركتها تعتمد على الأسعار المتوسطة للمواد والسمعة لأصحاب الورش، فربما نشهد تبايناً بحركة العمل بين ورشة وأخرى. يرجع ذلك لسمعة صاحب الورشة وأسعاره المقدمة.
فيما يخص عمل الورشات فهي كلها ورشات فردية، فلا شركات أو مؤسسات مسؤولة، بل أصحاب “ورش” مع اليد العاملة لديهم. يتم طلب تلك الورشات من خلال محلات بيع الدهان واستقدامها للعمل. وعن الوكالات الحصرية في اللاذقية “فالعربي” و”المصري” موجودين بشكل حصري في المدينة ولا نشاط خارجي لهم. حسب كلام السيد “فيكين”.
التحديات الحالية والتطلعات المستقبلية
عن النظرة المستقبلية لسوق الدهانات في اللاذقية، وحسب ما أفاد السيد “فيكين” أنه في حال بقي الإقبال كما هو والحركة بهذه الكثافة، فإن سوق الدهانات سيشهد حركة كبيرة تشمل ورشات الدهان ومحلات البيع في المستقبل.
فتبعاً للحركة الحالية بات أصحاب الورش يفرضون على المتعهدين استقدام موادهم معهم، بدلاً من استقدامها من قبل المتعهدين أنفسهم. كما أن الحركة الحالية يمكن لها أن تحفز المعامل على استقدام مواد أولية قادرة على المنافسة أكثر وتحريك السوق بشكل أكبر مستقبلاً.
أما عن المواد المتوقع الطلب عليها بشكل كبير مستقبلاً والتي تطلب في الوقت الحالي، هي مادة “الإكرليك”، في حين تسجل “البويا” تراجعاً وتقلصاً في الطلب وبات نادراً الطلب عليها إن جاز التعبير، إذ يبلغ مقدار الطلب عليها الآن 1-2 %.
عند سؤال السيد “فيكين” عن التحديات الحالية التي تواجه سوق الدهانات في اللاذقية وما ينقص تلك السوق في الوقت الحالي، أجاب أن أهم ما ينقص السوق هو تنظيم العشوائية الحاصلة في الطلب على الورش، فهذه العشوائية تسبب فوضى في العمل من حيث تأمين اليد العاملة. فمن وجهة نظره لو كان هناك “مكاتب” مسؤولة عن تنظيم عمل الورش لما كانت شهدت السوق هذه الحالة العشوائية. فكان من المريح أكثر مراجعة تلك المكاتب وطلب اليد العاملة منها ومستلزمات الورشة، فيتم تبعاً لذلك تسليم العمل بسرعة أكبر.
كذلك أعرب عن الحاجة لوجود “مراكز” تدريب للعمال، لأن صاحب الورشة يعاني من تدريب العمال وتعليمهم الأساسيات من الصفر ما يؤثر على وقت العمل بشكل عام وربما جودته. فمن وجهة نظره لو كان هناك مراكز تدريب تُعلّم الأساسيات للعمال لما كان هناك صعوبة في بدء الورشات بشكل أسرع وإنجازها بدقة أكبر. فوجود تلك المراكز سيسهل العمل على كلا الطرفين صاحب العمل واليد العاملة.
أما عن التحديات في توفير المواد، فيجب استقدام مواد مصنعة من الخارج بسبب تقدّمها على المنتج الوطني، تحديداً مواد “العزل” وهي تقنية تمنع تسرب الرطوبة للمنازل، فالتقنيات المتبعة حالياً باتت قديمة ومرهقة بالوقت والجهد، في حين أن التقنيات في الخارج باتت تعتمد على مواد عزل داخلي من قلب المنزل. والرطوبة العالية من الإشكاليات التي يفرضها مناخ الساحل السوري ومع زيادتها في بعض الأوقات نحتاج لمواد عزل أقوى.
بالمحصلة الحركة التي شهدها سوق الدهانات في المحافظة ناتجة عن عودة الغائبين والنازحين إلى الوطن، ما يبشرّ بتحسين الوضع الاقتصادي لمختلف فئات الشعب في حال استمرت العودة بهذا الشكل… على أمل أن يعود للوضع الاقتصادي في البلاد ألقه وأن يتطور ويتقدم ويصبح اقتصاد سوريا من الاقتصادات المزدهرة.









