سوق الحميدية في مرمى التغيير .. إحياء للتاريخ أم طمس للهوية؟

بقلم: ديانا الصالح
أثار مشروع تأهيل سوق الحميدية في مدينة دمشق، موجة جدل واسعة لدى الأوساط التجارية والشعبية، نظراً لمكانة السوق التاريخية والسياحية، وارتباطه الوثيق بالذاكرة الوطنية، وسط ضبابية التفاصيل الرسمية، دون ورود معلومات عن تماليف المشروع أو الجهة الممولة.
وفي الوقت الذي يستهدف المشروع ترميم القبة الحديدية الشهيرة التي تحمل آثار الرصاص كشاهد حيٍّ على مقاومة الاحتلال الفرنسي، تتصاعد عدة تساؤلات هامة حول أولويات الإنفاق في ظل حاجة البنية التحتية المتضررة وغيرها من القطاعات الخدمية لمثل هذه مشاريع.
ومع اقتراب ذروة الموسم التجاري في شهري شعبان ورمضان، يتخوف مراقبون من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التي قد يفرزها المشروع، لا سيّما وأن أعمال الترميم تبدأ من الخامسة مساءً.
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
ترميم سوق الحميدية
تحت عناوين الترميم والتطوير العريضة، أعلنت محافظة دمشق بالتعاون مع غرفة التجارة، إطلاق مشروع واسع لإعادة تأهيل الأسواق القديمة في مدينة دمشق، بأهداف مُعلنة تتمحور حول إعادة الرونق التاريخي والجذب السياحي الخارجي والداخلي، ويتضمن المشروع إعادة التغطية للسوق التاريخي (الحميدية) وترميم مدخل سوق الحريقة.
ولكنّ المشروع حظي بردود فعل متفاوتة منها مشجع لما يحمله من تحديث للسوق، وآخر معارض كونه يمس موقعاً تاريخياً وله حساسية خاصة في تناول مسألة ترميمه أو تحديثه، حيث يُعتبر أحد أعرق الأسواق الدمشقية القديمة، ويعود للقرن التاسع عشر في زمن السلطان عبد الحميد الثاني العثماني، ويمتد على طول 600 متر، مشكلاً متحفاً حياً يعكس هوية التراث الدمشقي الأصيل، بالتالي تتجلى مخاوف الشارع السوري من أن يُصاغ بحلة جديدة دون روحه التاريخية والثقافية.
وفي هذا السياق، يؤكد مدير مديرية دمشق القديمة، محمد مأمون حجيراتي، عبر تصريح إعلامي أن الهدف الأساسي للتأهيل هو إعادة رونق المدينة العريقة، انطلاقاً من الأهمية الثقافية والاقتصادية، إلى جانب حماية الإرث العمراني والثقافي، مشيراً إلى سير العمل بشكل مدروس وفق لجنة متخصصة تعتمد كادراً هندسياً بخبرات عالية، بالتعاون مع مختلف الجهات المعنية، لضمان عملية شاملة بعيداً عن الترقيع، مضيفاً أن المشروع تم إقراره بعد موافقة الفئات المستفيدة والشاغلين.
بدوره، يصف عضو مجلس غرفة تجارة دمشق، لؤي الأشقر، المشروع بأنه إحياء للأسواق القديمة مع المحافظة على الهوية التراثية، موضحاً أنه يستهدف أيضاً تنظيم أماكن أوسع للسيارات لتجنب حالة الازدحام.
في المقابل، نقل مختار سوق الحميدية عبر تصريح إعلامي استياء التجار من عدم إشراكهم في المشاورات التي سبقت إطلاق المشروع، كونه يمسهم بشكل مباشر، كما أشار إلى المخاوف من تبديل السقف الحديدي للسوق بالكامل، بدلاً من إجراء التعديلات الطفيفة التي يحتاجها، متسائلاً عن الغاية المنشودة وراء توقيت التنفيذ وساعات العمل الملفوفة بعباءة الغموض، مشيراً إلى إبلاغهم بأن العمل سيكون من الساعة الخامسة مساءً وحتى الخامسة صباحاً، وهذا ما سينعكس بشكل سلبي على كلٍّ من التجار والمستثمرين، لما يترتب عليه من خسائر جمّة تفرضها عدة عوامل ناجمة عن توقيت المشروع، كالقيود على الحركة التجارية اليومية مثلاً.
وفي جدلية التوقيت، يشير البعض إلى أن غالبية المحلات التجارية تغلق أبوابها فعلياً عند الساعة الخامسة والسادسة مساءً، كما هو معروف بشكل عام، وهذا ما يضع عدة علامات استفهام حول المخاوف من تأثير توقيت الترميم على حركة البيع ضمن السوق.
معلم تاريخي حساس
يستنكر مراقبون طبيعة المشروع المستهدف لسقف سوق الحميدية العريق، الذي يُعتبر معلماً تاريخياً تشهد ثقوبه مقاومة الاحتلال الفرنسي، متسائلين عن سبب غياب الدور الفاعل لوزارة الثقافة وقوانين حماية التراث الوطني عن الساحة التي تشهد صفقات مبطّنة بذريعة الترميم والتطوير لنقل ما تبقى من تراث البلاد وفقاً لرأيهم، معتبرين أن المساس بهوية التاريخ لا ينمّ إلا عن مآرب تخفيها أهداف مثالية مُعلنة.
ويحذّر خبراء آثار من خطر وقوع أخطاء فنية تفقد المكان التاريخي لهويته التراثية والعمرانية، مطالبين بوضع كافة العمليات والإجراءات الخاصة بتنفيذ المشروع تحت إشراف خبراء متخصصين في ترميم الأماكن التراثية، مع التشديد على ضرورة الفحص الدقيق لطبيعة المواد المستخدمة قبل البدء بأي خطوة عملية لضمان تحقيقها المواصفات المتوافقة مع البناء الأصلي.
كما يعتقد خبراء اقتصاديون، أن مشروعاً كهذا يتطلب حجماً مالياً ضخماً، ونخبة مختارة من الكوادر الهندسية ذات الخبرات العالية بالتراث بإشراف دولي مختص بالآثار والمعالم التاريخية، لتجنّب أي أخطاء فنية قد تحدث عيوباً يصعب إصلاحها، معربين عن استيائهم من تلك الخطوة كونها تحمل في طياتها آثاراً اجتماعية واقتصادية “لا يُحمد عقباها” على حدّ قولهم، لا سيّما وأن السوق يعاني من حالة ركود نتيجة للضغوط التي يعانيها المواطن والتاجر على حدٍّ سواء، حيث تشير تقارير محلية إلى تراجع القوة الشرائية للزوار وانخفاض حجم المبيعات خلال السنوات الأخيرة، وهو ما ينعكس مباشرة على حياة آلاف التجار الذين يعتمدون على السوق كمصدر رئيسي للدخل.
يبقى سوق الحميدية اختباراً حقيقياً للحس التراثي الثقافي لدى الجهات المعنية بالمشروع، فهل تنجح الخطة الحكومية في إعادة تأهيل السوق بما يتوافق مع هويته العمرانية والتراثية، أم أنها ستخلق حالة جديدة من التخبّط الاقتصادي والاجتماعي لدى المواطنين والتجار؟
اقرأ أيضاً: عمالة الأطفال في سوريا .. بين الحاجة والإهمال









