أعمال واستثمار

سوق الجمعة في دمشق… عندما تعود الذكريات مع الخوف قبل أن تعود الحجارة

بقلم: ريم ريّا

في سوريا هناك أماكن لا تقاس قيمتها بحجمها أو عدد متاجرها أو فخامتها أو بساطتها، بل بالذكريات التي تحملها. سوق الجمعة في دمشق أحدها. يكاد لا يوجد دمشقي لم يمر به ولو مرة، سواء لشراء قطعة أثاث مستعملة، أو لعبة لطفله، أو أدوات منزلية بأسعار معقولة، أو لمجرد قضاء ساعة يتجول بين الأكشاك ويراقب الناس. لطالما كان السوق كحال المدينة نفسها، بسيطاً، نابضاً بالحياة، مليئاً بالقصص والحكايات.

واليوم، مع الإعلان عن مشروع ترميمه، عاد اسمه إلى الواجهة، لكن هذه المرة لم يعد الحديث عن الأسعار أو البضائع، بل عن السؤال الذي يشغل بال الجميع، هل سيعود السوق إلى مجده السابق أم سيفقد روحه التي أحببناها؟

سوق الجمعة سكن الذاكرة قبل أن يصبح جزءاً من شوارع دمشق

لم يكن سوق الجمعة مجرد مكان للبيع والشراء، بل كان وجهة أسبوعية لكثير من العائلات. كان الناس يتوافدون على السوق لأنهم يعلمون أنهم سيجدون فيه كل ما يحتاجونه تقريباً، من ملابس وأدوات منزلية إلى تحف وأشياء نادرة وأدوات منزلية مستعملة. حتى أولئك الذين لم ينووا الشراء كانوا يذهبون إليه للاستمتاع بأجواء السوق، والاستماع إلى الباعة، ومراقبة المارة، والتمتع بروح دمشق الأصيلة التي نادراً ما نجدها في الأسواق الحديثة.

لقد أثرت سنوات الحرب والإهمال سلباً على السوق، كما هو الحال في العديد من أحياء العاصمة. فقد ساهمت أعمال الحفر، وتراجع الخدمات، وتدهور شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي في فقدان السوق بعضاً من رونقها السابق. ومع ذلك، فقد احتفظ السوق بمكانته في ذاكرة الناس، لأن قيمته لا تكمن في أرصفته أو مبانيه، بل في القصص التي نسجها على مر العقود.

اقرأ أيضاً: الحميدية والسقطية وغراند بازار.. ما القاسم المشترك بين الأسواق الثلاثة؟

الترحيب بالتجديد… ولكن الخوف من تجارب الماضي حاضر

عندما أعلنت محافظة دمشق عن مشروع تجديد السوق، رحب الكثيرون بالفكرة، إذ يحتاج السوق حقاً إلى بنية تحتية تليق بموقعه. مع ذلك، رافق هذا الترحيب حذر واضح بين التجار والسكان، ليس رفضاً للمشروع بحد ذاته، بل خوفاً من كيفية تنفيذه.

هذا الخوف ليس بجديد، فهو نابع من تجارب السوريين مع العديد من مشاريع الخدمات، حيث كانت الوعود كبيرة، لكن النتائج لم تكن دائماً على قدر التوقعات. لذا، يخشى البعض أن تغير أعمال التجديد مظهر السوق فحسب بدلاً من ترميمه، أو أن بعض الأفكار، كتغطيته بالكامل، ستزيد من الاكتظاظ وتؤدي إلى ازدياد عدد الباعة المتجولين. ويخشى آخرون من ضياع الهوية التاريخية للمكان وسط تصاميم حديثة لا تشبه دمشق القديمة ولا تحافظ على طابعها التقليدي.

يريد الناس تنميةً تحافظ على روح المكان

ما يقوله الدمشقيون اليوم يبدو بسيطاً وواضحاً، لا أحد يعارض تحسين الخدمات أو ترميم البنية التحتية، بل إن الجميع يطالب بذلك. ومع ذلك، يريدون أن يبقى سوق الجمعة، سوق الجمعة الحالي، على حاله الذي عرفوه لسنوات. إنهم يريدون سوقاً نظيفاً ومنظماً، لكنه لا يفقد سحره وحيويته، وأصوات الباعة، وعفويته التي تميزه عن أي مركز تجاري حديث.

فالأمر لا يتعلق بأحجار جديدة أو أرصفة، بل بالذاكرة. فالأماكن التي تنبض بالحياة في ذاكرة الناس لا تحتاج فقط إلى الإسمنت والحديد، بل تحتاج إلى من يدرك أن الحفاظ على روحها لا يقل أهمية عن ترميم شوارعها. إذا نجح مشروع الترميم في تحقيق هذه المعادلة، فلن يكون قد أعاد إحياء سوق محبوب فحسب، بل سيحفظ صفحة ثمينة في ذاكرة دمشق وأهلها.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى