المجتمع السوري

سوق الجمعة بدمشق: وجه تراثي يُعاد إحياؤه وسط مخاوف!

بقلم هلا يوسف

حركة لا تهدأ، وروائح البهارات والقهوة، وأصوات الباعة في المكان، وبسطات على طول الطريق وعلى الجانبين، هذا هو سوق الجمعة أو سوق حي الشيخ محيي الدين بدمشق، حيث تتنفس البضائع قبل أن تشتريها، وتشتري حاجياتك بأسعار أقل من جميع المحلات الأخرى. غير أن سنوات الحرب مرت عليها وغيرت معالمها، فتركت طرقاتها محفرة وبحاجة للصيانة، وشبكات مياه وكهرباء وصرف صحي غير قادر على تلبية احتياجات السوق، كما ازدادت الفوضى مع انتشار البسطات وتراجع مستوى الخدمات.

أما اليوم، فقد انتشعت ذاكرة المكان مع إعلان محافظة دمشق عن مشروع لإعادة تأهيل السوق، لتبدأ معها أسئلة عديدة حول قدرة المحافظة على تطوير السوق دون المساس بوجهه التراثي.

من سوق أسبوعي بسيط إلى واحد من أشهر أسواق دمشق

لم يكن سوق الجمعة بالشكل الذي نعرفه اليوم. ففي بدايته كان سوقاً صغيراً يقام مرة واحدة فقط كل أسبوع، بعد انتهاء صلاة الجمعة. حيث كان الباعة يفرشون بضائعهم على الأرصفة وفي الشوارع المحيطة مستغلين زحمة الصلاة، وخروج المصلين وزوار مقام الشيخ محيي الدين ابن عربي، ليبيعوا الخضار والفواكه والملابس والأدوات المنزلية والسلع المستعملة.

ومع الازدحام الذي كان يشهده السوق، وزيادة أعداد الزوار، تحول إلى سوق دائم، غير أنه احتفظ باسمه القديم الذي ارتبط بيوم الجمعة. وتم منحه اسم آخر من قبل الدمشقيين فكان يسمى باسم “سوق البركة”، لأن بعض الباعة كانوا يضيفون كمية بسيطة إلى الميزان عند البيع، في لفتة تعكس روح الثقة والود التي كانت تميز العلاقة بين التاجر والزبون.

وقد أخذ السوق بالتوسع مع توسع مدينة دمشق، حتى امتد من جامع الركنية إلى جادة العفيف، ووصل إلى أجزاء من ركن الدين، ليتحول إلى سوق شعبي مفتوح وكبير في المدينة. أما المهن، فبدورها توسعت للمهن والحرف التقليدية مثل تبييض الأواني النحاسية، وإصلاح بوابير الكاز، وصناعة القباقيب الخشبية، وهي مهن اختفى كثير منها مع مرور الزمن.

لذلك ينظر الدمشقيون إلى سوق الجمعة كجزء من ذاكرة المدينة التي تجمع بين التجارة والحياة الاجتماعية والتراث الشعبي، وليس على أنه سوق عادي.

مشروع كبير… والسوق ينتظر بداية التنفيذ

كما ذكرنا في البداية، بدت معالم الشيخوخة على السوق خلال السنوات الماضية، فقد عانت الطرقات من الحفريات وقلة النظافة، وتهالكت شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، حتى أن حركة المتسوقين أصبحت أكثر صعوبة بسبب الازدحام وانتشار البسطات بطريقة عشوائية.

ولمعالجة هذه المشكلات، أعلنت محافظة دمشق عن مشروع متكامل لإعادة تأهيل السوق. وتشمل الخطة استبدال شبكات المياه والكهرباء والاتصالات والصرف الصحي، وترميم أرضيات السوق بحجر “اللبون”، وإنشاء سقف يغطي السوق بتصميم مستوحى من سوق الحميدية، إلى جانب توحيد واجهات المحال وتحسين الإنارة وتنظيم أماكن البسطات.

وهدف المحافظة من هذه الحركة إعادة المكانة التراثية للمكان، وتحويله إلى واجهة حضارية لدمشق، إلا أنه لم يتم تحديد موعد بدء التنفيذ، بينما عُرف فقط أن عمليات التأهيل ستستغرق عام ونصف تقريباً.

إلا أن أصحاب المحال يقولون إنهم لم يحصلوا حتى الآن على معلومات كافية حول تفاصيل التنفيذ أو مراحله، ويتمنون أن يكون هناك تواصل أكبر معهم، لأنهم سيكونون أول المتأثرين بأي تغيير يحدث داخل السوق.

بين الأمل والقلق… ماذا يخشى التجار؟

بالرغم من الترحيب الكبير بفكرة تطوير السوق من قبل معظم أصحاب المحال، إلا أنهم يشعرون بالقلق بسبب التأثيرات التي قد تكون سلبية عليهم نتيجة المشروع. فيؤكدون أن إعادة تأهيل السوق ستقضي على الكثير من المشكلات التي يعانون منها، غير أن التخوف من ارتفاع إيجارات المحال التجارية كبير، خصوصاً أن أي تحسن في البنية التحتية يرفع عادةً القيمة العقارية للمكان.

وهذا الأمر قد يضع أصحاب المحال الصغيرة أمام أعباء جديدة، لأن زيادة الإيجار ستدفع بعضهم إلى رفع أسعار البضائع لتعويض التكاليف، بينما قد يعجز آخرون عن الاستمرار في السوق إذا أصبحت الإيجارات أعلى من قدرتهم.

كما يخشى بعض التجار من تراجع حركة البيع خلال فترة تنفيذ المشروع، لأن أعمال الصيانة قد تعيق وصول الزبائن، وهو ما قد يؤثر على دخلهم لأشهر طويلة.

وتبرز أيضاً مخاوف أخرى تتعلق بالبسطات، إذ يرى بعض العاملين أن تنظيمها أمر ضروري، بينما يخشى أصحابها أن يفقدوا أماكن عملهم أو مصادر رزقهم إذا لم تؤخذ أوضاعهم في الحسبان.

التطوير الحقيقي هو الذي يحافظ على روح السوق

يرى خبراء الاقتصاد والتراث العمراني أن نجاح المشروع لن يرتبط فقط بتحسين شكل السوق فقط، بل بقدرته على الحفاظ على هوية السوق ودوره الاجتماعي. حيث أن أي تطوير يرفع الإيجارات بشكل كبير قد يؤدي مع مرور الوقت إلى خروج التجار القدامى، ودخول أنشطة تجارية جديدة تستهدف فئات مختلفة من الزبائن، مما يفقد السوق ميزته التي رافقته طوال السنين الماضية وهي “رخص أسعار بضائعه”.

لذلك يقترح المختصون وضع ضوابط تحمي التجار القدامى من الزيادات الكبيرة في الإيجارات، وتقديم تسهيلات تساعدهم على الاستمرار، لأنهم ليسوا مجرد مستأجرين، بل جزء من تاريخ السوق وذاكرته.

كما يشير الخبراء إلى فكرة أن تحديث الأسواق التاريخية لا يعني إزالة هويتها أو تغيير شكلها بالكامل، بل تحسين الخدمات مع الحفاظ على الطابع العمراني والتراثي الذي يمنح المكان قيمته، لأن دمشق بتاريخها العريق تحتوي على الكثير من الأسواق التي تعد جزء من شخصيتها التاريخية.

في النهاية، يوجد الكثير من المشاريع التطوير التي تستهدف تحديث المواقع والأسواق التاريخية، غير أن التحدي الحقيقي هو الحفاظ على الوجه التراثي لهذه الأماكن، مع تجديد وتحسين الخدمات، وهذا ما ينطبق على سوق الجمعة الذي يجب الحفاظ على أهم ميزاته وهي “بساطته ورخص أسعاره”.

اقرأ أيضاً: تراث الجزيرة السورية والحلويات الشعبية

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى