المجتمع السوري

سوق البالة: من الحركة النشطة إلى التضييق

تصّنف سوق البالة على أنها الملاذ الآمن لذوي الدخل المحدود في كافة المحافظات السورية، ونأخذ إدلب هنا نموذجاً، وتعتبر مصدر رزق للعديد من الأسر، وانخفاض محالها بالفترة الأخيرة في مدينة إدلب نتيجة ضغط الجمارك عبر ارتفاع سعر التعرفة للاستيراد والتي تم فرضها في مطلع العام الحالي أرخت بثقلها على هذا السوق الشعبي وقوضت الحركة فيه وأحزنت قلوب بعض السوريين الذين كانوا يقضون حوائجهم منهم سواء بائعه أو مشترين.

كيف كان الإقبال على سوق البالة قبل رفع التعرفة الجمركية في إدلب وكيف أصب بعدها، وما سبب الإقبال السوري على أسواق الثياب المستعملة؟

حال سوق البالة قبل رفع التعرفة الجمركية في إدلب

البالة هي جملة حزم من الألبسة المستعملة يتم جمعها بعد تصنيفها وغسلها وتمر بمراحل من التعقيم والترتيب والفرز، ليتم طرحها بعدها في الأسواق للبيع، أو يتم تصديرها بأسعار رخيصة من دول يرتفع فيها دخل المواطن، أو تشهد انتعاش اقتصادي. وهناك من البالة ما هو غير مستعمل من البضائع التي انتهت فترة تألقها وكونها رائجة، أو المخزنة والتي كسدت في الأسواق.

في ظل ما شهدته في السابق أسعار الملابس في الأسواق المحلية العادية من ارتفاع كبير بالمقارنة بالوضع الاقتصادي والمعيشي في مناطق الشمال قبل التحرير، شهدت سوق البالة إقبالاً ملحوظاً ولافتاً إذ وجدت الناس في إعادة بيع الملابس المستعملة مصدر رزق لها، وعزا وقتها تجار الملابس ارتفاع أسعارها، إلى ارتفاع عالمي في أسعار القماش، وارتفاع تكاليف الشحن، بالإضافة لتوقف العديد من معامل وورشات صناعة الألبسة في تركيا بسبب الزلزال من جهة، وصعوبات استيراد الملابس من جهة أخرى.

في مناطق المحرر بالنسبة للبضائع التركية كان يتم استيرادها من المعامل التركية الواقعة في الجنوب التركي، حيث توقفت هذه المعامل عن الإنتاج بسبب الزلزال، ليتم استيراد البضائع من اسطنبول ومناطق أخرى بعيدة نوعاً ما، فكان يستغرق وصول البضاعة من سبعة إلى ثمانية أيام، وفي تصريح لتاجر ملابس مستعملة لأحد وسائل الإعلام قال إن “البالة” في الأعوام السابقة لاقت رواجاً كبيراً، ولم تقتصر على فئة من فئات المجتمع، إلا أن هذه التجارة تراجعت بشكل كبير في العامين الماضيين، وذلك لتراجع نوعية البضاعة المستوردة، وصعوبات تتعلق بالاستيراد من أوروبا.

أما بالنسبة للبضائع المستوردة من حلب آنذاك، فكان يتم نقل البضاعة من حلب إلى لبنان، ثم تصل إلى مرسين في تركيا عن طريق البحر، ليتم إدخالها فيما بعد إلى الشمال السوري، وتستغرق هذه العملية مدة تزيد عن 20 يوماً، وسط تكاليف نقل باهظة كثيراً، ما أدى لتراجع الألبسة الحلبية في أسواق الشمال السوري، حيث كان تأخر وصول البضائع من مناطق التصنيع للشمال السوري، يجبر التجار على استيراد البضائع قبل الموسم، ما يعني وقوع التجار بخسائر كبيرة في حال عدم بيع البضائع المستوردة

الطلب على البالة شهد تحسن في السنوات بسبب ارتفاع أسعار الملابس الجديدة، فكانت ربات المنازل تتوجهن لشراء الملابس المستعملة من أسواق البالة، وتضفن بعض اللمسات من “الرش والسيلان” لإعادة تجديدها وإظهارها بمظهر الملابس الجديدة، إلى جانب أن كثيراً من صغار الكسبة كانوا يجدون ضالتهم هناك بسبب فرق الأسعار بينها وبين الأسواق العادية فكانوا يستطيعون شراء بدل واحد على الأقل بسعر مناسب وجودة عالية.

اقرأ أيضاً: مهرجان حماة للتسوق: كيف تصبح المهرجانات جزءاً من سلسلة بناء الاقتصاد؟

إزالة الأكشاك.. كيف أثرت على البالة في إدلب

قرار إغلاق الأكشاك في المحافظة كان السبب الأبرز لتراجع العمل بالألبسة المستعملة، إذ كانت الأكشاك، أو ما يسمى بـ”البراكيات”، منتشرة بكثرة في أحياء مدينة إدلب حول الحدائق وعلى الأرصفة العامة قبل سقوط النظام، بسبب اكتظاظ المدينة حينها بالمهجرين والنازحين وارتفاع تكاليف إيجار المحال، كانت أغلبها عبارة عن أماكن لبيع الألبسة والأحذية والألعاب المستعملة بسبب قلة رأس مالها ومرابحها الجيدة، وبعد قرار إزالتها بشكل نهائي ترك الكثيرون العمل بها.

فبات البائعين يقومون بتصفية بضائعهم وبيعها بمرابح قليلة كي لا تكسد ويضطروا إلى بيعها كـ”بالة حرق”، وهي الألبسة أو الأحذية التي يشتريها بعض الأهالي بالكيلو وبسعر زهيد ليقوموا بحرقها في فصل الشتاء كوسيلة للتدفئة إلى جانب الحطب، ويبلغ سعر الكيلو منها بين 30 و40 ليرة تركية أي ما يعادل دولار واحد.

ألبسة البالة لم تعد تلبي احتياجات الأسر الفقيرة، بعد انحسار أكشاكها وقلة عددها عما كانت عليه ، فقد كانت ملاذ لهم وتُغنيهم عن الجديدة، وفي عرض للأسعار في تلك الأسواق بلغ أسعار البنطال الرجالي بجودة متوسطة 125 ليرة تركية، ما يعادل ثلاثة دولارات بشكل تقريبي، والقميص بـ60 ليرة تركية أي دولار ونصف، في حين تتراوح أسعار ألبسة الأطفال بين 50 و100 ليرة تركية، بعد أن كانت تُباع بنصف هذه الأسعار وبجودة أفضل بسبب كثرتها وكثرة العاملين بها.

في تصريح لأحد تجار الألبسة مستعملة في ريف إدلب للوسائل إعلام محلية، قال إنه: “منذ فرض الرسوم الجمركية على الألبسة المستعملة المستوردة والتي بلغت 4000 دولار للطن الواحد، أصبح هناك عبء إضافي وتكاليف ليست بالحسبان، وكأن فرض هذه الرسوم هو تمهيد لمنع استيرادها في المستقبل، بهدف التشجيع على شراء المنتجات الوطنية ودعم الاقتصاد المحلي، وفق ما يرى التاجر”.

اقرأ أيضاً: معركة هي الأولى من نوعها في سوق الهال.. ماذا جرى؟!

ما سبب الإقبال على الألبسة المستعملة في عموم سوريا

السبب الرئيسي والأهم هو العامل الاقتصادي وتدهور القدرة الشرائية للأسر، فالملابس الجديدة في عموم البلاد أسعارها مرتفعة بغض النظر عن سعر صرف الدولار وتكاليف الاستيراد، فالبالة هي الخيار الاقتصادي المتاح للعديد من الأسر، ناهيك عن جودة الملابس المستعملة في البالة وفي أحيان كثيرة هي افضل من المحلية الجديدة.

كما أن البالة فيها تشكيلات متنوعة من الملابس، فقد قال زبائن يواظبون على شراء ملابسهم من أسواق البالة، بإنهم يختارون ذلك في ظل غياب متاجر الماركات العالمية عن الأسواق بسبب القيود الاقتصادية، ويجدون ضالتهم في صيحات الموضة لكل الماركات الشهيرة وبسعر رخيص جداً.

عن نظرة المجتمع للبالة كيف اختلفت بين الماضي و الحاضر، إذ كان كثير من الناس يخفون أنهم يلبسون من سوق الملابس المستعملة حفاظاً على النظرة المجتمعية التي كانت تقيّم بناء على نوع الملابس ومكان شرائها.

بيّنت الباحثة الاجتماعية عائشة عبد الملك هذا الاختلاف وبررته قائلةً: “إن الأوضاع الاقتصادية للأفراد والتغيرات التي تطرأ عليها بعد الحرب، كفيلة بإحداث هذا التغيير في النظرة، وفي الأحكام التي لطالما ارتبطت سابقاً بشراء الملابس المستعملة، وبالتالي تغيير في السلوك والإقبال، فالحال في الوفرة ليس كما هو في الشدة”.

اقرأ أيضاً: المنتجات الأجنبية: هل تنجو المنتجات السورية من طوفان الإغراق؟

ختاماً، سوق البالة متنفس السوريين في سنوات الحرب، فقد أُلغيت طبقية الملابس فبات الجميع يلبس من نفس السلّة دون خجل، فالحرب غيرت الوضع المعيشي والاقتصادي وغيرت أماكن شراء الملابس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى