سياسة

سوريا وجمعية الأمم المتحدة: من صمت 1967 إلى خطاب العودة… كيف تغيّر المشهد؟

الكاتب: أحمد علي

لعقود طويلة، كان مقعد سوريا حاضراً باسم الدولة وغائباً بصوت الرئيس. منذ صيف 1967، لم يعلُ منبرَ نيويورك خطابٌ رئاسي سوري واحد. بدا الأمر وكأنه عهدٌ غير مكتوب بين دمشق والمنبر الدولي: حضورٌ دبلوماسي روتيني، وغيابٌ كامل لرسائل القمة. اليوم، ومع أنباء الدعوة الموجهة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع لإلقاء كلمة سوريا في الدورة المقبلة، ينهض السؤال القديم بروحٍ جديدة: لماذا غاب الصوت الرئاسي السوري كل هذه السنين؟ ولماذا يعود الآن؟ بين خطاب نور الدين الأتاسي عشية النكسة، ومسعى الرئيس الجديد للصعود إلى المنصة ذاتها، تمتد حكاية سوريا وجمعية الأمم المتحدة كخيط طويل يربط التحوّلات الداخلية بتقلبات الإقليم وتوازنات القوى العالمية.

سوريا وجمعية الأمم المتحدة: الجذور الأولى وصدمة 1967

كانت سوريا من الدول المؤسسة للأمم المتحدة عام 1945، واستعادت مقعدها باسم “الجمهورية العربية السورية” بعد انتهاء تجربة الجمهورية العربية المتحدة عام 1961. ومع أنّ دبلوماسيتها نشطت عبر المندوبين والوزراء، ظل الحضور الرئاسي نادراً حد الاستثناء. في حزيران 1967، اعتلى الرئيس نور الدين الأتاسي المنصة مخاطِباً العالم بعد “حرب الأيام الستة”، في آخر ظهور رئاسي سوري حتى يومنا هذا كما توثّق سجلات وأرشيفات متعددة. ومنذ تلك اللحظة الرمزية، انقطع الخيط بين رأس الدولة السورية ومنبر الجمعية العامة، فيما ظل التمثيل قائماً بمستويات أدنى.

من حافظ إلى بشار: خطاب الدولة عبر المندوبين… لا الرؤساء

أرسى عهد حافظ الأسد معادلة تعاملٍ حذرة مع الأمم المتحدة: انخراط دبلوماسي نشِط في قضايا الجولان وفلسطين، مع امتناع منهجي عن الخطاب الرئاسي في نيويورك. كانت القراءة في دمشق أن القرارات الأممية، كحال القرارين 242 و338، لا تقترن بآليات تنفيذ تضمن إعادة الحقوق، وأن المنابر لا تغيّر موازين القوى على الأرض. في مرحلة بشار الأسد، ورغم لحظات انفتاح وجيزة مطلع الألفية، أعادت أحداث 2005 ثم 2011 صياغة المشهد: عزلة متنامية، إدانات متكررة في الجمعية العامة، وعجزٌ مزمن في مجلس الأمن بسبب توازنات الفيتو. بقي المقعد الرسمي سورياً، لكن الصوت الرئاسي ظل غائباً، فيما تولّت الوفود الدبلوماسية إدارة الاشتباك السياسي والحقوقي مع خصوم دمشق داخل أروقة الأمم المتحدة. ويمكن تتبّع كثافة هذا الاشتباك عبر وثائق وكتب رسمية في مكتبة الأمم المتحدة الرقمية خلال العقد الماضي، من مراسلات الأزمة إلى بيانات الشجب والرد.

لماذا طال الغياب كل هذا الزمن؟

لا يفسَّر الغياب بقرارٍ بروتوكولي فحسب، بل بتراكم أربع حلقات مترابطة: أولاً، أولوية الحسابات الأمنية والإقليمية في دمشق على حساب الرمزية الخطابية الدولية. ثانياً، نظرة ريبة إلى فاعلية الأمم المتحدة حين تصطدم مصالح القوى الكبرى بمطالب دولٍ أضعف. ثالثاً، كلفة الحضور الرئاسي في قاعةٍ قد تُستقبل فيها سوريا بصدام علني وحملات انسحاب احتجاجي، خصوصاً بعد 2011. رابعاً، تآكل الشرعية الدولية للنظام السابق وتصلّب جبهة العقوبات. هكذا تكرّس “عُرف الامتناع” على مدى نصف قرن، وظلت سوريا حاضرة بنصوص المندوبين، غائبةً بأصوات الرؤساء.

لحظة انعطاف: أحمد الشرع بين الشرعية الدولية وذاكرة الحرب

تنقل التقارير خلال الأسابيع الأخيرة أن أحمد الشرع، الذي تولّى الرئاسة الانتقالية عقب سقوط سلطة بشار الأسد أواخر 2024، يستعد لإلقاء كلمة سوريا في نيويورك هذا الخريف. إن تحقق ذلك، فسيكون أول خطاب رئاسي سوري في الجمعية العامة منذ يونيو 1967، في سابقة تحمل أثقال الماضي وتحديات الحاضر معاً. ورغم الجدل الحاد حول خلفيته وصلاته السابقة التي وضعته على لوائح الإرهاب لدولٍ عدّة، تشير معطيات جديدة إلى تبدّلٍ في المقاربة الإقليمية والدولية تجاه شخص الشرع، بدفعٍ من براغماتية “استقرار أولاً”، وتحت ضغط فراغ السلطة وتحديات الأمن والاقتصاد وإدارة التنوّع الأهلي.

هذا التحوّل لا يُقرأ في ضوء نيويورك وحدها، بل عبر مسار كثيف من الترتيبات على الأرض: تفاهمات معلنة ومؤجلة مع قوى الأمر الواقع، وضغوط من جيران متداخلين في الملف السوري، ومساعٍ للتخفيف من قيود السفر والعقوبات بما يتيح مشاركة الشرع في الاستحقاقات الأممية دون إسقاط شامل لأطر الملاحقة. وهو مسارٌ ملتبس حتى اللحظة ويتأرجح بين الحاجة الدولية لصوتٍ سوري مركزي وبين حساسيات قانونية وسياسية ما تزال قيد التفاوض.

ماذا يعني خطابٌ بعد نصف قرن؟

إذا وقف الشرع على منبر الجمعية العامة، فسيجد نفسه أمام امتحان ثلاث طبقات متزامنة:  امتحان الداخل حيث تنتظر مكوّناتٌ اجتماعية وسياسية وإثنية إشارات تطمينٍ واضحة حول دورها في  السلطة والعدالة الانتقالية؛ امتحان الإقليم حيث ترتبط ملفات اللاجئين وإعادة الإعمار وضبط الحدود بتفاهمات مع تركيا والعراق ولبنان والأردن، ومعادلات الصراع المعقّد في الشمال الشرقي؛ وامتحان المجتمع الدولي الذي سيقرأ الخطاب بوصفه بيان السياسة الخارجية لسوريا الجديدة: حدود الانخراط، مقاربة مكافحة الإرهاب، التعامل مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، ومسار الإصلاح الدستوري والانتخابات.

لذلك، يرى البعض أن العودة إلى منصة 1967 ليست مجرّد احتفالٍ رمزي، بل اختبار نوايا وخطط أمام جمهور عالمي يعرف جيداً أثمان الحرب السورية، ويطلب جدولاً زمنياً مقنعاً للانتقال السياسي وحماية المجتمع ومحاسبة الانتهاكات.

بين الماضي والمستقبل: كيف تُعاد صياغة علاقة سوريا بالأمم المتحدة؟

لكي تتحوّل العودة المحتملة من واقعة بروتوكولية إلى استراتيجية دائمة، تحتاج دمشق الجديدة إلى ثلاثة مسارات متوازية: أولاً، استعادة الثقة المؤسسية عبر الانخراط الشفاف مع آليات الأمم المتحدة المختصّة بحقوق الإنسان والإغاثة والعدالة الانتقالية، بما في ذلك التعاون مع لجان التحقيق وآليات المفقودين؛ ثانياً، تثبيت قنواتٍ سياسية مع الدول المؤثرة لتفادي شلل مجلس الأمن عبر مقاربات عملية في ملفات المعابر والمساعدات والعودة الطوعية للاجئين؛ ثالثاً، إعادة تعريف “المصلحة الوطنية” في اللغة الأممية: خطاب يوازن الأمن بالحقوق، والسيادة بالمساءلة، ويقدّم تصوّراً عملياً لعودة الاقتصاد السوري إلى الدورة العالمية دون إعادة إنتاج منظومات الفساد والزبائنية التي مزّقت العقد الاجتماعي قبل 2011 وبعدها. هنا يمكن لـ سوريا وجمعية الأمم المتحدة أن تنتقلا من علاقة اضطرارية إلى شراكة مضبوطة تعترف بحدود المنظمة وطاقتها معاً.

في نهاية المطاف، لم يكن غياب نصف قرن عن منبر الجمعية العامة مجرد سجالٍ حول جدوى الخطابة في قاعةٍ أممية، بل انعكاساً لخياراتٍ كبرى في السياسة السورية: كيف ترى دمشق ذاتها، وكيف ترى العالم، وكيف يراها العالم. إن عودة الصوت الرئاسي، إن تمّت، ستكون بمثابة إعلان نوايا أكثر منها حسماً للمسائل المعلّقة. وما بين صورة الأتاسي عام 1967 وصورة الشرع المرتقبة، يمتد تاريخٌ ثقيل يتطلب شجاعة مراجعةٍ لا شجاعة خطابٍ فحسب. وعند هذه النقطة، ينبغي أن يكون حاضراً لدى دمشق أن المنبر ليس نهاية الطريق، بل بدايته، فهو اختبارٌ مفتوحٌ على إمكان الفشل كما النجاح، وعلى قدرة سوريا على أن تُصغي وهي تتحدث…

اقرأ أيضاً: سوريا والتصعيد في لبنان: حيادٌ صعب أم مواجهة محتومة؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى