سوريا والغاز: “تريليونات” محتملة… لكن من يغامر بالاستثمار؟

الكاتب: أحمد علي
تبدو الطاقة في سوريا اليوم وعداً كبيراً يطلب أدلة قبل التصديق، فالحديث عن غاز قادر على دعم التعافي الاقتصادي يتقاطع مع بلد تضررت شبكاته وتبدلت مؤسساته خلال سنوات الحرب. وبين محاولات جذب شركات كبرى وإعادة تشغيل الحقول، يبقى السؤال عملياً: هل يمكن تحويل الإمكانات إلى إنتاج قابل للتمويل، أم أن المخاطر ستبتلع العائد؟
في البداية لا بدّ من القول إن ملف الغاز ليس جيولوجياً فقط، إنه اختبار لقدرة الدولة على تنظيم عقود قابلة للنفاذ، وتمكين التحويلات المالية، وتأمين المعدات، وربط الإنتاج بسوق وخدمات لوجستية تعمل دون انقطاعات. ولذلك يصبح الحديث عن الثروة المحتملة ناقصاً ما لم يُقرأ مع تفاصيل القانون والعقوبات والتأمين والبنية التحتية.
سوريا والغاز وأرقام الاحتياط
تتجاور في نقاش سوريا والغاز أرقام تعكس درجات مختلفة من اليقين، فتقديرات أقدم مبنية على بيانات ما قبل الحرب تحدثت عن احتياطي غاز في حدود مئات المليارات من الأمتار المكعبة، منها تقدير أمريكي منشور عام 2015 عند نحو 240 مليار متر مكعب. وفي المقابل، ظهرت في مطلع العام الجاري 2026 تصريحات لمسؤولين سوريين تتحدث عن “تريليونات” من الأمتار المكعبة في مناطق غير مستكشفة بما يكفي، مع توجه لمنح تراخيص تنقيب جديدة.
هذه الفجوة لا تعني تناقضاً بقدر ما تكشف الفرق بين احتياطيات مؤكدة وموارد محتملة. فالموارد لا تتحول إلى احتياطي قابل للتمويل إلا عبر مسح زلزالي حديث وحفر تقويمي وبيانات إنتاج تجريبية يمكن تدقيقها. ومع أن الأرقام الكبيرة ترفع سقف الاهتمام، إلا أنها لا تخفف وحدها مخاطر التنفيذ.
تعقيدات القانون وحقوق الامتياز
من المعروف أن المستثمر لا يدخل الحقل قبل أن يفهم من يملك حق التوقيع، وكيف تُحمى حقوقه إذا تغيرت السياسات أو ظهرت نزاعات على الملكية. ففي بلد يتعافى، قد تكون الحاجة أكبر إلى إطار واضح لمنح الامتيازات، وإلى قواعد شفافة للإتاوات والضرائب، وإلى قنوات موثوقة لحل النزاعات.
وما يزيد الأمر تعقيداً أن تخفيف العقوبات لا يلغي التدقيق القانوني، إذ تشير إرشادات أمريكية مرتبطة بالرخصة العامة GL 25 إلى أن نطاقاً واسعاً من المعاملات صار مسموحاً، بما يشمل الاستثمار الجديد وخدمات الطاقة، لكنه لا يجيز التعامل مع أفراد أو كيانات مدرجة على قوائم العقوبات ما لم تكن مشمولة باستثناء محدد، ولا يرفع الحجز عن ممتلكات كانت محجوبة قبل تاريخ معين.
بنية تحتية متعبة ومجزأة
حتى لو استقرت القواعد القانونية، يبقى السؤال عن القدرة التشغيلية، فخطوط نقل الغاز ومحطات المعالجة وشبكات الكهرباء هي ما يحول الحقول إلى طاقة متاحة. وصف البنك الدولي الشبكة الكهربائية بأنها توفر ساعات قليلة يومياً، مع خسائر فنية عالية ونقص في الصيانة وقطع الغيار وتضرر محطات فرعية. وهذه العوامل تؤثر مباشرة في تشغيل منشآت الغاز وفي قدرة محطات التوليد على استيعاب أي زيادة.
في هذا السياق، تظهر أهمية حلول قصيرة الأجل لتأمين الغاز لمحطات الكهرباء، ونقل تقرير صحافي أن قطر ستزود سوريا بنحو مليوني متر مكعب يومياً من الغاز إلى محطة دير علي عبر الأردن بهدف رفع التوليد بنحو 400 ميغاواط يومياً وتحسين ساعات التغذية. ومثل هذه الترتيبات توضح أن استقرار الكهرباء قد يسبق توسع الإنتاج والتصدير.
العقوبات والتأمين والمصارف
لا شك أن التغير في بيئة العقوبات فتح نافذة لكنه في الواقع لم ينهِ الحسابات الدقيقة، فقد أعلن الاتحاد الأوروبي تعليقاً لإجراءات مقيدة في قطاعات الطاقة والنقل، مع استثناءات تسمح بمعاملات مصرفية مرتبطة بهذه القطاعات وبالأنشطة الإنسانية وإعادة الإعمار. وفي الولايات المتحدة، أعلنت وزارة الخزانة إنهاء برنامج العقوبات الخاص بسوريا وتحويله إلى إطار يركز على محاسبة أطراف محددة، مع التنبيه إلى أن سلطات أخرى قد تبقي قيوداً على جهات بعينها.
كل هذه التفاصيل تنعكس على التأمين والتمويل. وكان قد نبّه تحذير صادر عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية شركات الشحن والمال والتأمين إلى أن شحنات المنتجات النفطية إلى سوريا قد تخلق مخاطر عقوبات كبيرة، وأن من يسهل التحويلات أو الخدمات اللوجستية أو التأمين المرتبط بها قد يتعرض للاستهداف. لذلك قد يظل تسعير المخاطر مرتفعاً، وقد تفرض المؤسسات المالية شروط امتثال إضافية قبل فتح الاعتمادات أو تمويل المعدات.
سلاسل الإمداد ومخاطر السوق
يحتاج العمل في سوريا والغاز سلسلة إمداد دقيقة لأن المعدات المتخصصة لا بدائل محلية لها غالباً. أي تعطّل في الشحن أو التمويل أو التخليص يترجم إلى توقف مكلف، ما يجعل أداء الموانئ والطرق عاملاً حاسماً في كلفة المشروع وفي قدرته على الالتزام بعقود التسليم.
وأشار تحليل اعتمد على بيانات تتبع السفن إلى أن الزيارات الموثقة إلى موانئ سورية ارتفعت في تموز 2025 بنسبة 338% مقارنة بتموز 2024 بعد تخفيف العقوبات، مع بقاء نشاط غير معلن بالكامل بسبب اعتبارات الامتثال والمخاطر. وهذا يلمح إلى تحسن في اللوجستيات، لكنه لا يعني تلقائياً سلاسل إمداد مستقرة ما لم تتضح قواعد الدفع والتأمين والمعايير الرقابية.
أما السوق، فينقسم بين طلب داخلي كبير على الكهرباء والوقود وبين طموح للاندماج في تجارة الغاز الإقليمية. وأشارت تحليلات بحثية إلى أن سوريا قد تصبح مستقبلاً جزءاً من ترتيبات عبور أو تجارة إقليمية للغاز، لكن ذلك يبقى رهناً بتسويات سياسية وبقدرة الدولة على حماية خطوط النقل وإدارة ملفات بحرية معقدة. لذلك يميل كثير من المستثمرين إلى مسارات تدريجية تبدأ بإعادة تأهيل منشآت قائمة ورفع الكفاءة، قبل إنفاق كبير على تنقيب عالي المخاطر.
في المحصلة، لا يفتقر الملف إلى العناوين الكبيرة، لكنه يحتاج إلى معادلة ثقة تُبنى خطوة بخطوة. فما يُغري المستثمر ليس رقم احتياطي محتمل فقط، بل وضوح في الامتثال، وتحسن ملموس في الكهرباء، وممرات لوجستية قابلة للاعتماد، وآلية شفافة لمنح التراخيص وتقاسم العائد. وحين تقترب هذه الشروط من الواقع، تصبح سوريا والغاز فرصة قابلة للفحص، أما حين تبتعد، فيبقى السؤال عن الاستثمار معلقاً، ويظل القرار النهائي رهناً بتوازن المخاطر والعوائد المتوقعة.
اقرأ أيضاً: هل حقّقت سوريا الفائدة المرجوّة من الغاز الأذربيجاني؟!









