سوريا مجدداً في الحسابات الأوروبية.. هنغاريا تتحرك من عمّان إلى دمشق

بقلم: ريم ريّا
وسط تحولٍ إقليمي يتسم بإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، يبرز اهتمام هنغاريا بدخول السوق السورية عبر الأردن كمؤشر يستحق التوقف عنده. فالتصريحات التي أدلى بها السفير الهنغاري في عمّان “بيتر جولت ياكاب“، خلال لقائه رئيس غرفة تجارة الأردن “خليل الحاج توفيق“، لا يمكن قراءتها كخبر عابر، بل كإشارة إلى توجه محسوب نحو اختبار الفرص المتاحة في سوريا من خلال منصة إقلبمية مستقرة.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل نحن أمام خطوة استكشافية محدودة، أم بداية تموضع أوروبي مبكر في سوق يعاد فتحه تدريجياً أمام الاستثمارات؟
العلاقات بين هنغاريا وسوريا.. خلفية سياسية ومسار اقتصادي
تاريخياً، احتفظت العلاقات بين البلدين بمستوى من التواصل الدبلوماسي والتعليمي، وإن لم تكن في صدارة الشراكات الاقتصادية الكبرى.
وبالرغم من سنوات الحرب التي أضعفت حضور العديد من الدول الأوروبية في سوريا، اتخذت “بودابست” موقفاً أقل تصادماً مقارنةً ببعض شركائها داخل الاتحاد الأوروبي، وأبقت قنوات التواصل مفتوحة في ملفات متعددة.
أما اليوم، ومع إعلان دمشق عن استقطاب استثمارات تقارب 28 مليار دولار خلال 10 أشهر وفقاً لتصريحات رسمية،ومع انخراط دول إقليمية في مشاريع استراتيجية، يبدو أن هنغاريا تراقب المشهد من زاوية براغماتية، وتسأل: هل يمكن دخول السوق في مرحلة مبكرة قبل تشكل المنافسة الكاملة؟ وهل يمنحها ذلك هامش حركة أوسع داخل الشرق الأوسط ؟
اقرأ أيضاً: من شتورا إلى دمشق.. كيف تدخل الصين بوابة الإعمار السوري؟
الحسابات السياسية واللوجستية.. لماذا الأردن؟
عند النظر للنية الهنغارية، فإن اختيار الأردن كبوابة نحو السوق السورية ليس تفصيلاً تقنياً، فالأردن يتمتع ببنية لوجستي متطورة ولو بشكل نسبي، وبيئة تنظيمية واضحة، وعلاقات متوازنة مع أطراف دولية وإقليمية مختلقة.
كما يشكل بفضل موقعه معبراً طبيعياً إلى الجنوب السوري، ما يمنح الشركات الأجنبية نقطة انطلاق أقل تعقيداً. لكن المسألة لا تتوقف عند النقل والتخزين. اختبار الأردن يحمل بعداً سياسياً كذلك.
فالتحرك عبر دولة عربية مجاورة يخفف من حساسية الانخراط المباشر ، ويمنح الشركات فرصة اختبار السوق عبر شراكات محلية، بدل استثمارات رأسمالية كبيرة منذ البداية.
هنا يتماهى سؤال مع المشهد المطروح، هل تعكس هذه المقاربة حذراً أوروبياً من المخاطر القانونية؟ أم أنها نموذج إدارة المخاطر الاقتصادية الطبيعية في بيئة انتقالية؟
الأرجح أن العاملين حاضران معاً. الشركات الأوروبية تميل تقليدياً إلى التدرج، عبر بناء شبكات تجارية أولاً، ثم الانتقال فيما بعد إلى استثمارات مباشرة إذا توافرت شروط الاستقرار.
اللافت، أن الاهتمام الهنغاري جاء في وقت أعلنت فيه دول أخرى عن تحركات استثمارية واضحة داخل سوريا، من بينها السعودية التي كشفت عن مسار تعاون استثماري يشمل قطاعات استراتيجية مثل الطيران والمياه والبنية التحتية والاتصالات، إلى جانب الصين التي تتخذ لبنان نقطة انطلاق لها نحو سوريا.
هذا التوازي يفتح باباً نحو تحليل أوسع: هل يشهد الاقتصاد السوري مرحلة إعادة تموضع إقليمي تبنى فيها التحالفات الاقتصادية الجديدة؟
واذا كانت بعض الدول تدخل مباشرة في استثمارات كبيرة، بينما تفضل أخرى العبور عبر دول الجوار، فهل يعكس ذلك اختلافاً في تقدير المخاطر أم اختلافاً في الطموح؟
لماذا تختار الدول الأخرى جوار سوريا للانطلاق نحوها؟
هنغاريا، ليست حالة استثنائية فهناك تجارب سابقة، إذ فضلت دول كبرى العمل عبر دول مجاورة عند التعامل مع أسواق تمر بمرحلة انتقالية.
الجوار يوفر بيئة اختبار، وبنية مصرفية، وقنوات تمويل أقل تعقيداً، كما يسمح بإدارة العمليات التجارية ضمن أطر قانونية أوضح وأكثر استقراراً.
من منظور اقتصادي بحت، هذه مقاربة تتسم بالعقلانية، لأنها تستند إلى تقليل المخاطر، توزيع الكلفة، بناء الثقة بشكل تدريجي. أما من منظور سياسي، فهي وسيلة لتجنب الاصطفافات المباشرة ريثما تتوضح صورة المشهد النهائي.
لكن السؤال الأهم يبقى سورياً بالدرجة الأولى: متى تتحول اللقاءات الدبلوماسية والاهتمامات المعلنة إلى مشاريع ملموسة تنعكس على الإنتاج وفرص العمل وحركة السوق الداخلية؟
ربما الإجابة لا تتعلق بإرادة الدولة وحدها، بل بمجموعة عوامل تشمل البيئة التشريعية، وضمانات الاستثمار، واستقرار مسارات التبادل التجاري.
بالمحصلة، اهتمام هنغاريا بالعبور إلى السوق السورية عبر الأردن ليس حدثاً معزولاً، بل جزءٌ من ديناميكية أوسع تعكس إعادة تقييم إقليمية لموقع سوريا الاقتصادي.
ليبقى السؤال: هل هذا الاهتمام سيتحول إلى شراكات طويلة الأمد، أم سيبقى في إطار الاستكشاف الحذر؟، وهو ما ستحدده المرحلة المقبلة.









