سوريا في مناظرات الدوحة.. تجربة تعليمية تتجاوز النتائج

بقلم: ريم ريّا
أتت مشاركة سوريا الأولى في البطولة الدولية لمناظرات المدارس باللغة العربية في الدوحة بوصفها حدثاً يتجاوز كونه نشاطاً طلابياً عابراً، ليشكّل مؤشراً على عودة تدريجية لحضور الشباب السوري في المحافل الفكرية الدولية. فهذه المشاركة، رغم حداثتها والنتائج المتواضعة على مستوى المنافسة، تعكس مساراً جديداً يركز على تنمية مهارات التفكير النقدي والحوار المنهجي لدى جيل نشأ في ظروف استثنائية، ويبحث اليوم عن أدوات للتعبير، والمساءلة، وبناء الرأي العام بلغة عقلانية.
مشاركة سوريا في مناظرات الدوحة
تعتبر البطولة الدولية لمناظرات المدارس باللغة العربية (ISDC) واحدة من أبرز الفعاليات التعليمية الفكرية على مستوى العالم العربي، الهدف من هذه البطولة هو تعزيز ثقافة الحوار المنهجي، إلى جانب تنمية مهارات التفكير النقدي ما يبني القدرة على التحليل والإقناع لدى طلاب المدارس.
تُنظم البطولة بشكل سنوي وبمشاركة فرق مدرسية من دول متعددة، وسط بيئة تنافسية تحاكي قضايا واقعية تمس المجتمعات العربية والعالمية. تدار هذه المناظرات وفقاً لقواعد “المناظرة الاحترافية”، والتي تضمن تكافؤ الفرص واحترام الرأي والرأي الآخر.
أهمية هذه الفعالية لا تقتصر على التنافس بحد ذاته، بل تكمن في كونها منصة تدريب عملي على المواطنة الفكرية، وصناعة الرأي المسؤول، وإعداد جيل قادر على النقاش العقلاني بمعزل عن الخطاب الإقصائي أو الانفعالي.
اقرأ أيضاً: الشباب السوري على مفترق من التيه: بين ضياع الأمس وحُلم اليوم
آراء المشاركات حول المناظرة
الطالبات السوريات المشاركات عبرّن عن تجاربهن بوضوح وصراحة، حيث قالت الطالبة ماريا عماد المصري من محافظة حمص:
“إن السوريين اليوم يملكون صوتاً مسموعاً ورأياً يُحترم، وهم قادرون على المناظرة والمحاججة في قضايا متنوعة، من بينها الفن، والقوانين الجائرة، والتبرع بالأعضاء”.
فيما أكدت الطالبة جودي خالد أطرش من محافظة حلب أن “الاحتكاك بثقافات متعددة والتعرف على طرق تفكير مختلفة لكل مجتمع، وخاصة في مقاربة القضايا من منظور سوق العمل، شكّلا تجربة غنية ومميزة“.
من جهتها، أعربت الطالبة لانا أكرم الحمود المشاركة من محافظة السويداء عن إعجابها “بالتنوع الثقافي وتعدد الآراء بين مؤيد ومعارض، وطريقة التعاطي مع الأفكار المختلفة خلال الجولات”. كما أوضحت الطالبة مدى جهاد هنيدي من السويداء كذلك أن “التجربة لم تكن سهلة، واستلزمت جهداً كبيراً في التحضير، لكنها كانت تجربة عظيمة ومثرية بغض النظر عن النتيجة النهائية“. وأضافت أن هذه الشهادات قيمة نوعية للمشاركة، كونها تنقل التجربة من مستوى الخبر إلى مستوى الوعي الذاتي لدى المشاركين، وتكشف أثر المناظرات في بناء الثقة بالنفس، واحترام التعدد، والقدرة على التعبير المنطقي بعيداً عن الانفعال.
ماذا يضيف هذا النوع من المشاركات إلى سوريا
بصراحة وواقعية، لا يمكن تحميل مشاركات المناظرات الدولية أكثر مما تحتمل بالرغم من جماليتها، فهي لن تغير الواقع الاقتصادي والسياسي في سوريا بشكل مباشر، لكن أهميتها تكمن في أنها تمس قطاعاً حيوياً غالباً مهمل في هذه البلاد، وهو قطاع التعليم وبناء رأس المال البشري.
هذا النوع من المشاركات يضيف إلى سوريا كوادر شابة مدربة على التفكير النقدي، وصياغة الحجج إلى جانب التنبيه بأهمية العمل الجماعي. وكل هذه مهارات أساسية لقطاعات الإعلام والتعليم والقانون والإدارة العامة، وحتى سوق العمل الخاص.
لكن فعالية هكذا برامج تكمن في إعادة دمج سوريا ثقافياً وفكرياً في المسرحين العربي والدولي بعد انقطاع دام لعقد من الزمن، لكن هذه المرة ليس عبر الخطاب الرسمي، بل من خلال طلاب قادرين على تمثيل بلادهم بلغة عقلانية وصياغة حديثة.
توصيات بسيطة لدعم هكذا مناظرات داخل البلاد
في سوريا، يجب دعم هذه المناظرات المدرسية والجامعية عبر برامج مخصصة لذلك ومدروسة بعناية، إلى جانب تضمينها ضمن الأنشطة التعليمية. كذلك يجب إجراء دورات تأهيل مدربين متخصصين من أجل تدريب كوادر قادرة على إدارة وتنظيم هكذا مناظرات.
من أجل إنجاح هكذا برامج في سوريا، يتحتم عقد شراكات مع مؤسسات إقليمية ودولية في مجال المناظرات والحوار. إضافةً إلى ذلك، من المهم ربط هذه المشاركات بسياق أوسع من إصلاح التعليم، بحيث تُستثمر مخرجاتها في تطوير مهارات الطلاب على المدى الطويل، لا الاكتفاء بتمثيل شكلي في البطولات. فالاستثمار في العقل، مهما بدا بطيئاً، يبقى أقل كلفة وأكثر جدوى من إعادة ترميم ما يهدمه غياب التفكير.









