سياسة

سوريا في معادلة “حماية الممرات”: ما الذي تكسبه/تخسره من حديث أوروبا عن تأمين البحار؟

ليس البحر السوري صفحة زرقاء على هامش الجغرافيا، بل وكما يبدو فهو نافذة تفتح على تجارة العالم ومخاوفه في آن واحد، نافذة ضيقة بعرض ساحل لا يضاهي سواحل المتوسط الكبرى، لكنها تلتحم بشريان ملاحي يمر من قناة السويس إلى قلب أوروبا، وتلتقط ارتدادات كل اضطراب يقع في المضايق البعيدة قبل القريبة.

وعلى الضفة الأخرى، يمر خطاب أوروبا عن تأمين البحار من باب الاقتصاد بقدر ما يمر من باب الدفاع، فالأولوية المعلنة هي حرية الملاحة واستمرارية سلاسل الإمداد، لكن الحزمة التي ترافقها تشمل أيضاً حماية البنية التحتية البحرية والكوابل تحت الماء، ومكافحة أنشطة غير مشروعة، وتوسيع أدوات المراقبة البحرية، وكل ذلك يترك لسوريا سؤالاً عملياً لا رومانسياً، ماذا تعني “حماية الممرات” لدولة تحاول استعادة عافيتها السياسية والاقتصادية، وتجلس على ساحل يجاور ملفات إقليمية متداخلة، من الهجرة إلى العقوبات إلى التنافس الدولي؟

حماية الممرات وتأمين البحار

تبدو فكرة حماية الممرات للوهلة الأولى تقنية، لكنها في الحقيقة تسمية مخففة لإدارة المخاطر على عقد الملاحة العالمية، فحركة التجارة الدولية تعتمد على البحر بصورة طاغية، إذ تشير تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن أكثر من 80 بالمئة من السلع المتداولة تُنقل بحراً.

ومع هذا الاعتماد تأتي هشاشة “نقاط الاختناق” البحرية، وهي الممرات الضيقة التي تختصر الزمن والكلفة مثل السويس وبنما، ثم تتحول عند التعطل إلى مصادر تضخم وتأخير وارتفاع في أسعار الشحن. ويربط تقرير حديث للأونكتاد عن نقاط الاختناق بين اضطرابات البحر الأسود، وتعطّل الملاحة في البحر الأحمر منذ أواخر 2023، وأثر ذلك على زيادة التعقيد والكلفة وإطالة المسافات، بما يحول البحر من طريق مختصر إلى طريق محفوف بضرائب غير مرئية يدفعها المنتج والمستهلك معاً.

في هذا السياق يظهر البعد الأوروبي، فالحديث عن حماية الممرات ليس نقاشاً نظرياً، بل تُرجم إلى عمليات بحرية محددة، أبرزها العملية الأوروبية ASPIDES التي أنشئت كعملية دفاعية استجابة لأزمة البحر الأحمر، وتؤكد وثائق مجلس الاتحاد الأوروبي أنها تهدف إلى حماية السفن وصون حرية الملاحة وفق القانون الدولي، وقد مُدِّد تفويضها حتى 28 شباط 2027 مع تمويل مشترك لتغطية التكاليف.

وعلى الرغم من أن مسرح ASPIDES بعيد عن الساحل السوري، فإن منطقها ينعكس في شرق المتوسط أيضاً، لأن أوروبا تنظر إلى الممرات بوصفها سلسلة مترابطة، فإذا اختنق باب المندب ارتفع الضغط على السويس، وإذا ارتفع الضغط على السويس انعكس ذلك على شرق المتوسط كله، بما فيه الموانئ السورية التي تستورد ما يبنى به الداخل ويؤكل ويُشغَّل.

لماذا تصعد أوروبا بحرياً

الملفت أن أوروبا لم تعد تتحدث عن البحر كمساحة تجارة فقط، بل كمساحة تهديدات مركبة، لذلك أقر مجلس الاتحاد الأوروبي في تشرين الأول 2023 استراتيجية بحرية محدثة وخطة عمل مرافقة، ويعرض البيان الرسمي أن الهدف هو امتلاك أدوات فعالة لمواجهة تهديدات جديدة ومتطورة، منها المنافسة الاستراتيجية والهجمات السيبرانية والهجينة التي تستهدف البنية التحتية البحرية، مع تركيز على حماية المصالح والاقتصاد والقيم.

والاستراتيجية لا تقف عند الإطار العام، بل تتحدث عن رفع وتيرة النشاط في البحر عبر تمارين أمنية بحرية وتعزيز العمليات البحرية القائمة مثل Atalanta وIrini، كما تربط مكافحة الأنشطة غير القانونية بالبعد الأمني، وتشمل في ذلك تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة.

الأكثر دلالة هو انتقال النقاش الأوروبي إلى عمق البحر، تحت سطحه، حيث تمر كوابل الإنترنت والطاقة. في شباط 2025 قدمت المفوضية الأوروبية والممثل الأعلى “خطة عمل لأمن الكوابل” تتبنى دورة مرونة كاملة تقوم على الوقاية والكشف والاستجابة والإصلاح والردع، وتذكّر الصفحات الرسمية للمفوضية بأن كوابل الاتصال البحرية تحمل 99 بالمئة من حركة الإنترنت العابرة للقارات، ما يحولها إلى شريان يومي لحياة الأوروبيين واقتصادهم.

وهذا التحول مهم لسوريا لأن شرق المتوسط ليس بحراً تجارياً فقط، بل حوض كثيف البنية التحتية والاعتبارات السيادية، وكل توسع في منظومات المراقبة والتأمين يخلق توازناً جديداً بين الدول الساحلية والقوى البحرية الفاعلة.

الساحل السوري بين المرافئ

سوريا تطل على المتوسط بساحل يقدَّر بنحو 193 كيلومتراً، وتظهر بيانات مرجعية منشورة عن كتاب حقائق العالم أن مياهها الإقليمية محددة بـ 12 ميلاً بحرياً. وهذا الساحل الصغير نسبياً يحمل مرفأين يشكلان بوابتها الأساسية، اللاذقية وطرطوس، ومع أن سنوات الحرب أضعفت القدرة التشغيلية والاستثمارية، فإن مؤشرات ما بعد التحول السياسي في أواخر 2024 أعادت فتح نقاش إعادة الاندماج الاقتصادي، ولو بحذر.

على المستوى الأوروبي، صدر قرار رسمي في شباط 2025 بتعليق عدد من الإجراءات التقييدية على قطاعات اقتصادية “رؤيةً للوضع في سوريا” بغرض دعم انتقال سياسي شامل والتعافي وإعادة الإعمار، وشمل ذلك تعليق إجراءات قطاعية في الطاقة والنقل وتسهيل معاملات مالية مرتبطة بهذين القطاعين وبالعمل الإنساني وإعادة الإعمار، مع التأكيد على أن قيوداً أخرى باقية مثل السلاح والسلع ذات الاستخدام المزدوج ومجالات مرتبطة بالأسلحة الكيماوية وتجارة المخدرات غير المشروعة.

وهذه التفاصيل ليست هامشية، لأنها تعني أن حركة السفن إلى الموانئ السورية قد تجد نافذة أوسع من السابق في بعض المجالات، لكنها ستبقى محكومة بمزيج معقد من الامتثال والعقود والتأمين والحذر المؤسسي لدى شركات الشحن.

وفي الداخل البحري السوري نفسه، تظهر ملامح استثمار وتشغيل جديدة في اللاذقية، إذ أعلنت “مجموعة موانئ أبوظبي” في نوفمبر 2025 عن اتفاق مع CMA CGM للاستحواذ على حصة أقلية في محطة اللاذقية، وذكرت أن الطاقة الحالية تقارب 250 ألف حاوية نمطية سنوياً مع خطة لرفعها إلى 625 ألفاً بنهاية 2026.

ووجود هذه الأرقام في البيان الاستثماري يدل على أن المرافئ السورية قد تتحول مجدداً إلى موضوع في دفاتر التجارة الإقليمية، وهنا يتقاطع ذلك مع حماية الممرات بوصفها شرطاً يسبق الاستثمار لا نتيجة تالية له.

مكاسب سوريا من الخطاب

الربح الأول المحتمل لسوريا من تصاعد خطاب حماية الممرات هو ربح غير مرئي لكنه بالغ الأثر، استقرار الكلفة والوقت. حين تتراجع مخاطر الملاحة في البحر الأحمر وتخف الحاجة إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، تنخفض عادةً كلفة التأمين وأيام الإبحار، وهو ما ينعكس على أسعار السلع ومدخلات الإعمار التي تعتمد على الاستيراد، كما يخفف ضغط الندرة الذي تعيشه الاقتصادات الهشة عندما تتباطأ سلاسل الإمداد. وتقرير الأونكتاد حول نقاط الاختناق يوضح كيف تتحول اضطرابات الممرات إلى ارتفاعات في أسعار الشحن تُمرَّر إلى المستهلك وتضغط على النمو.

الربح الثاني يتصل بإعادة تعريف سوريا لنفسها كممر وصول لا كطرف معزول، فكل توسع في نقاش حماية الممرات يفتح باباً للحديث عن معايير الموانئ والشفافية الجمركية وأمن الأرصفة، وهي ملفات يمكن أن تمنح دمشق، إذا اختارت سلوكاً إصلاحياً واضحاً، فرصة لبناء ثقة تجارية تدريجية مع أطراف مترددة. لا يَعِد هذا الخطاب بتطبيع تلقائي، لكنه يخلق بيئة يصبح فيها السؤال الأوروبي أقل أيديولوجية وأكثر عملية، كيف تُؤمَّن البضائع، وكيف تُفحَص، وكيف تُدار المخاطر، وكيف تُحترم قواعد البحر.

الربح الثالث مرتبط بالجانب الذي يبدو بعيداً عن سوريا لكنه يمسها اقتصادياً، حماية البنية التحتية البحرية العميقة. عندما تتعامل أوروبا مع الكوابل والأنابيب والمرافئ بوصفها أهدافاً محتملة لهجمات هجينة، فهي تضخ موارد في المراقبة والإنذار والإصلاح السريع، وهذا قد يرفع مستوى الأمان التقني في حوض المتوسط، ويقلل احتمالات انقطاع واسع يضرب الاتصالات والتجارة في المنطقة ككل، وهو ما تؤكد عليه وثائق خطة أمن الكوابل الأوروبية بإطار الوقاية والكشف والاستجابة والردع.

خسائر محتملة ومخاطر جانبية

الخسارة الأولى المحتملة لسوريا هي أن حماية الممرات قد تأتي على شكل تشدد رقابي لا يميز دائماً بين التجارة المشروعة والتجارة المحفوفة بالتعقيد السياسي. زيادة التفتيشات والتدقيقات، وتوسع تبادل المعلومات البحرية، قد يدفع شركات الشحن إلى “الإفراط في الامتثال” عبر تجنب الموانئ التي تحمل سمعة مخاطر، حتى وإن خُففت بعض العقوبات، وهو سلوك معروف في الأسواق المالية واللوجستية عندما يصبح الخطأ مكلفاً.

وقرار الاتحاد الأوروبي بتعليق بعض العقوبات في النقل والطاقة يوازيه تصريح واضح بأن إجراءات أخرى باقية، ما يعني أن الباب لا يُفتح على مصراعيه بل يُفتح بقدر، ويظل احتمال الإغلاق قائماً إذا تدهورت الظروف السياسية.

الخسارة الثانية تتعلق بتحول البحر إلى مساحة ازدحام سياسي. فالاستراتيجية الأوروبية المحدثة تتحدث عن تكثيف النشاط في البحر، وعن تعزيز العمليات البحرية، وعن تعاون أكبر مع الحلفاء بما في ذلك الناتو، وكل ذلك يزيد من فرص الاحتكاك غير المقصود في البحار المتقاربة سياسياً.

وبالنسبة لسوريا، أي توتر في شرق المتوسط قد ينعكس على المرافئ والتأمين البحري والسياحة الساحلية وحركة الاستثمار، حتى لو لم تكن هي مركز الخلاف المباشر، لأن الأسواق لا تنتظر اكتمال الوقائع لتعيد تسعير المخاطر.

الخسارة الثالثة حساسة لكنها واقعية، حين تربط أوروبا حماية الممرات بمكافحة أنشطة غير مشروعة، فإن الضغط قد يتجه نحو ملفات بعينها تراها مؤسسات أوروبية ضمن أولوياتها، مثل الاتجار غير المشروع بالمخدرات الذي يظهر ضمن ما أبقاه الاتحاد الأوروبي من “إدراجات” وعقوبات مرتبطة بسوريا.

أي تصعيد في هذا المسار قد يؤدي إلى مزيد من التدقيق على شحنات متجهة إلى المرافئ السورية أو خارجة منها، بما يرفع كلفة التجارة المشروعة أيضاً ويخلق تشابكات قانونية معقدة.

في المحصلة، حماية الممرات ليست جائزة تمنح أو عقوبة تُنزَل، بل إطارٌ يغيّر قواعد اللعبة حول سوريا. الرابح والخاسر يتحدد بمدى قدرة الدولة على تقديم مرافئها كمساحات امتثال وثقة، وبمدى قدرة أوروبا على الفصل بين التأمين كضرورة اقتصادية وبين التسييس كأداة ضغط، وبينهما يقف البحر السوري مثل مرآة، يعكس ما يجري بعيداً، ويُظهِر أثره قريباً

اقرأ أيضاً: العالم على حافة الصمت الرقمي!.. ماذا لو انقطع الإنترنت؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى