سوريا في مجلس الأمن: «فيتو» أم فصل جديد في الملف السوري؟!
تخفيف العقوبات على سوريا: مفترق طرق بين فكّ العُقد وبناء الثقة!

حتى الجبالُ حين تنحسر عنها الثلوجُ تكشف تضاريساً طال عليها الصمت؛ والسياسة ليست سوى فنّ إزاحة تلك الطبقات بحذر.. ما جرى خلال الأيام الماضية يشبه ذوباناً سريعاً في طبقات عقوباتٍ تراكمت لأكثر من عقد. مشروع قرار أمريكي طُرح على مجلس الأمن ليتدارس تخفيف العقوبات على سوريا، وليس إلغاءها، بما يفتح كُوى محسوبة إلى الداخل السوري ويختبر قدرة النظام المالي العالمي على التعامل مع دمشق من دون أن يخرق حواجز مكافحة الإرهاب والامتثال.
بحسب تقريرٍ نشرته ذا ناشيونال، جرى تعميم النص على أعضاء المجلس في 9 تشرين الأول الجاري، وهو نصٌّ “يرفع التجميد عن الأصول عندما تُقدَّم إلى الحكومة السورية” ويُعيد فتح بعض قنوات التعامل المالي مع مؤسساتها الرسمية، مع تشديدٍ صريحٍ على استمرار ملاحقة أي صِلاتٍ مع تنظيمَي داعش والقاعدة.
كما يقترح تخفيفاً انتقائياً لقيودٍ على نقل معدّاتٍ تقنية لأغراض محدّدة مثل إزالة الألغام والتخلّص من الأسلحة الكيميائية وحماية المنشآت النووية، وهي مجالات تحتاجها البلاد للانتقال من هندسة النجاة إلى هندسة التعافي.
تخفيف العقوبات على سوريا: ما الذي يتغيّر فعلاً؟
التحوّل المقترح لا يعني فتح سدود المال على مصاريعها، بل تشذيباً دقيقاً لما يُسمّى “أثر التجميد الشامل” الذي جعل المصارف الدولية شديدة التهيّب من أي تعاملٍ يمسّ سوريا. وفي تقرير ذا ناشيونال، توضح مايا أونغار، الباحثة المتخصّصة في الأمم المتحدة لدى مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group)، أنّ جوهر الفكرة “تطمين المؤسسات المالية بأنّ رفع التجميد يشمل الحكومة السورية حتى لو كان بين مسؤوليها أفرادٌ خاضعون لعقوبات، لكن المصارف ستبقى حذرة بحكم بقاء كياناتٍ مصنّفة مثل «هيئة تحرير الشام» على لوائح الإرهاب”.
ذلك التوازن – فتح نافذة امتثالٍ أوسع من جهة، وإبقاء بوابة مكافحة الإرهاب محكمة من جهةٍ أخرى – هو بيت القصيد في تخفيف العقوبات على سوريا كما يُصاغ اليوم.
من “هندسة الامتثال” إلى “هندسة التعافي”
حين تُبدّل العقوبات هيكلها، تتبدّل خرائط اللاعبين أيضاً. تخفيف القيود على تدفّق الأموال إلى الحكومة يعني إمكان تفعيل أدواتٍ ماليةٍ مُهمّشة مثل الاعتمادات الموثّقة، والحسابات المرهونة (escrow)، والعقود المشروطة بأهدافٍ إنمائية واضحة. لكن التجربة تُنبّه إلى أنّ “إنهاء الأثر الفعلي للعقوبات أصعب من قرارها السياسي”، لأنّ شبكات الامتثال داخل المصارف تسير وفق مبدأ “الإحاطة بالمخاطر”، لا وفق عناوين البيانات السياسية.
هذا ما شدّدت عليه مجموعة الأزمات الدولية في قراءتها لمسارات رفع القيود، مؤكدةً أنّ الطريق إلى عودةٍ طبيعية للتمويل تمرّ عبر توضيحاتٍ تنظيميةٍ دقيقة وإشارات موثوقة من الهيئات الأممية والجهات الرقابية.
هل يُفتح باب السلاح… أم تُقفل المسارب غير المشروعة؟
السؤال الأكثر حساسية لدى الجمهور العام: هل يعني القرار المُرتقب تكثيف استيراد السلاح إلى سوريا؟ الإجابة، وفق النصّ المُتداول، هي العكس تقريباً. المشروع لا يشرعن تجارة الأسلحة، بل يُحدّد استثناءاتٍ ضيّقة للغاية تحت إشراف الأمم المتحدة لأغراضٍ تقنية غير قتالية: إزالة الألغام، التعامل مع الإرث الكيميائي، ورفع معايير الحماية النووية.
هذا يعني أن ما سيُتاح—إن اعتُمد القرار—هو استيراد “الوسائل” لا “الذخائر”: معدّات كشفٍ ومعدّات هندسية وروبوتات تفكيك، ومواد كيميائية مسيطر عليها ضمن سلاسل توريدٍ مُراقَبة، وليس أسلحةً فتاكةً تغيّر موازين القوى. وبذلك، يمكن القول إن تخفيف العقوبات على سوريا في شقّه الأمني يهدف إلى تقليص حاجة البلاد إلى مسارب تسليحٍ غير مشروعة، لا إلى توسعتها.
“اقتصاد العقوبات” وصداع المصارف
جزءٌ كبيرٌ من الأزمة كان ولا يزال “نفسياً – قانونياً”: المصارف تبتعد حتى عمّا هو مسموح، خشيةً من عواقب خطأٍ صغير. تقارير مجموعة الأزمات الدولية دعت مراراً إلى مقاربةٍ تدريجية تُشجّع المصارف على إعادة تقييم المخاطر حين تصدر إيضاحاتٌ أممية واضحة، مؤكدةً أنّ التعقيد اللوجستي والقانوني لعمليات رفع العقوبات يمكن أن يُبقي آثارها قائمة حتى بعد القرارات السياسية.
ومن غير المتوقع أن يعود التمويل الخاص بقفزةٍ واحدة، لكن وضوح “أين يبدأ المسموح وأين ينتهي المحظور” سيُحرّك تدريجياً عجلة الائتمان وعمليات التسوية عبر المصارف المراسلة.. هكذا تُفهم الإشارة المتكرّرة إلى “طمأنة المستثمرين” في تفسير أونغار لجوهر النص المقترح.
توازنات مجلس الأمن: لحظة نادرة من التلاقي
في لعبة الفيتو، التفاصيل تصنع المصائر. مصدرٌ أممي نقلته ذا ناشيونال أفاد بأنّ الصين “واثقة” من شقٍّ في النصّ يتعلّق بشطب أسماء مسؤولين سوريين من لوائح العقوبات الأممية، في لحظةٍ تبدو نادرة من التوافق بين الأعضاء الدائمين.
ومع أنّ كياناتٍ مصنّفةً كـ «هيئة تحرير الشام» تبقى مستهدفةً بالعقوبات كمنظمات، فإنّ قدرة مجلس الأمن على إنتاج قرارٍ يُوازن بين متطلبات الأمن ومقتضيات التعافي الاقتصادي قد تفتح باباً لقراراتٍ مكملة في ملفاتٍ إنسانية وتجارية أخرى، من شحن الحبوب إلى تمويل الطاقة. وهنا تبدو عبارة تخفيف العقوبات على سوريا عنواناً لمرحلة اختبارٍ أوسع: هل يمكن للمنظومة الدولية أن تُصمّم مساراً “مُراقَباً” لإعادة إدماجٍ مالي لا يتساهل مع الإرهاب؟
ماذا يعني ذلك للمواطنين؟
إذا مرّ القرار، سيظهر الأثر أولاً في “الهوامش” لا في “المتوسط”: شركات تحويلاتٍ أكثر استعداداً لاستعادة قنواتٍ نظامية، اعتماداتٌ تُفتح لمشاريع بنى تحتية صغيرة في المياه والكهرباء والصحة، عقود صيانةٍ تتدفّق إلى مطاراتٍ ومرافئ ومرافق حيوية. لكن الأسعار لن تهبط سريعاً، والرواتب لن ترتفع فجأة.
التجربة العالمية تقول إن إعادة تدوير الاقتصاد بعد عقوباتٍ طويلة تحتاج إلى شهورٍ من العمل على سلاسل التوريد، ومزيدٍ من الوضوح التنظيمي، وإرادة سياسيةٍ تقرن التمويل بإصلاحاتٍ حقيقية في الشفافية والحَوْكمة. في هذا السياق، يصبح تخفيف العقوبات على سوريا فرصةً مشروطة: من دون إدارةٍ رشيدة، قد يتحوّل التيسير المالي إلى مجرّد “تنفّسٍ قصير” لا يبدّل قواعد اللعبة.
من سيُقلّص الاعتماد على السلاح… وكيف؟
لأن الاستثناءات التقنية لا تتيح شراء السلاح، فإن الحديث عن “مِن مَن ستُخفِّض سوريا استيراد السلاح” يأخذ معنىً آخر: تقليص الاعتماد على قنواتٍ سوداء باتت تغذّي اقتصاد العنف أكثر مما تخدم الأمن العام. إذا تدفّقت المعدات الهندسية والقدرات التقنية تحت إشراف الأمم المتحدة، ستتراجع الحاجة إلى شراء عتادٍ عسكري لأغراضٍ غير قتالية كان يُغطي عجز الدولة في إزالة الألغام وحماية البنى التحتية.
أي إن تخفيف العقوبات على سوريا، بصيغته المطروحة، يُعيد تعريف “الأمن” من كونه سباق تسليحٍ إلى كونه سباق كفاءةٍ وقدرةٍ تقنية، وهو انقلابٌ هادئ على منطق السوق السوداء.
المخاطر المحتملة: غسل سمعةٍ وتمويلٌ مزدوج؟
يبقى الخطر قائماً بأن يستخدم البعضُ نافذةَ التيسير لتمرير معاملاتٍ تطلّ برأسها على مناطق رمادية: شركاتٌ واجهة، عقودٌ توريدٍ مُضلِّلة، وتدفّقاتٌ تتسرّب إلى كياناتٍ باقية على القوائم السوداء. لهذا السبب يدفع خبراء مجموعة الأزمات الدولية إلى وضع “حواجز سلامة” واضحة: قنوات دفعٍ مُحدّدة، تدقيقٌ سابق ولاحق، لوائح مورّدين مصادق عليهم، وقدرٌ من الشفافية العامة يتيح للمجتمع الدولي تتبّع الأثر.
ما التالي؟
حتى لو حصد القرارُ الأصواتَ اللازمة، ستُقاس القيمة الحقيقية بما يلي: هل تتّجه المصارف الدولية الكبرى إلى تعديل سياسات “التخلّص من المخاطر”؟ هل تصدر الأمم المتحدة ووكالاتها التنفيذية أدلةَ امتثالٍ تفصيلية تُطمئن القطاع الخاص؟ هل تُقرن الحكومة السورية—أياً يكن توصيفها السياسي—النافذةَ المالية بإشاراتِ حَوْكمةٍ وإصلاحٍ تُقنع الشركاء بأنّ المال سيذهب حيث يجب؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي سترسم حدود تخفيف العقوبات على سوريا بين أن يكون ممرّاً عبورياً نحو التعافي أو مجازفةً تُعيد إنتاج العطب.
اقرأ أيضاً: هل مات قرار مجلس الأمن 2254 باستقالة بيدرسن؟









