سياسة

«نامت الخرائط ثم استيقظت».. الساحل السوري بوصفه ممراً عراقياً إلى المتوسط؟!

الكاتب: أحمد علي

قد يبتسم القارئ حين نقول له إن الخرائط تنام ثم تستيقظ لكن هذا ما حدث حقيقة في الحالة السورية الراهنة. ونقول ربما لا تحتاج الخريطة إلى أكثر من أزمة واحدة كي تستيقظ. فقد عادت بانياس إلى الواجهة، لا بوصفها ميناءً سورياً عادياً، بل كاحتمال عراقي على المتوسط.. بدأ الأمر بصهاريج فيول، لكن السؤال صار أكبر من الصهاريج: هل يبحث العراق عن باب آخر حين يضيق باب الجنوب؟

وسوريا، المتعبة بما يكفي، وجدت نفسها أمام فرصة لا تخلو من كلفة. فالطريق موجود، نعم، لكن الممر لا يولد إلا حين يجد أمناً وإدارة ومصلحة قادرة على حمايته…

منذ نيسان 2026 أخذ العراق ينقل الفيول براً عبر سوريا إلى ميناء بانياس، ثم توسع الحديث بعد أزمة مضيق هرمز والحرب الإيرانية إلى تصدير خام ونفتا عبر المرافئ السورية. الرقم الذي لا يجوز القفز فوقه أن العراق يصدر عادة نحو 3.6 ملايين برميل يومياً، وكان نحو 3.4 ملايين منها يخرج قبل الأزمة من مرافئ البصرة الجنوبية. عندما يتعرض هذا الباب للضغط، لا يعود البحث عن ممر بديل مسألة فنية فقط. يصبح سؤال أمن اقتصادي.

هنا تدخل سوريا من زاوية لم تكن حاضرة بقوة منذ سنوات. بلد منهك، بنية نفطية متضررة، وميناء متوسط الحجم على الساحل. ومع ذلك، يكفي أن تكون بانياس قادرة على استقبال جزء من التدفق العراقي كي يعود السؤال القديم بصورة جديدة. هل يمكن أن يتحول الساحل السوري إلى منفذ عراقي على المتوسط؟

الساحل السوري بين الحاجة العراقية والفرصة السورية

الساحل السوري ليس اكتشافاً جديداً في حسابات الطاقة العراقية. خط كركوك بانياس يعود إلى خمسينيات القرن الماضي، وكان واحداً من أقدم شرايين النفط في المنطقة. امتد الخط لمسافة تقارب 800 كيلومتر، وربط حقول كركوك بميناء بانياس على المتوسط، بطاقة تاريخية تقارب 300 ألف برميل يومياً. ثم توقف عملياً بعد عام 2003، بفعل الحرب والأضرار والتحولات السياسية والأمنية.

الجديد أن العودة لم تعد كلاماً أرشيفياً. في نيسان 2025 أرسل العراق وفداً إلى دمشق لدراسة إمكان إعادة تشغيل خط نفطي كان ينقل الخام عبر سوريا إلى موانئ المتوسط. وفي خريف 2025 اتفقت بغداد ودمشق على تعيين مستشار دولي لتقييم حالة خط كركوك بانياس، وتشكيل لجنة فنية مشتركة لفحص جاهزية الخط ومحطات الضخ وخيارات التأهيل. هذا لا يعني أن الخط عاد. يعني فقط أن الفكرة خرجت من الذاكرة إلى جدول العمل.

بعد ذلك جاءت أزمة هرمز لتمنح المسألة معنى أكثر إلحاحاً. نقل الفيول العراقي عبر بانياس لم يعد تجربة محدودة في ظروف عادية، بل جزءاً من بحث بغداد عن تنويع مخارجها. وكالة رويترز نقلت في 19 حزيران 2026 عن مسؤولين عراقيين وسوريين أن العراق يستعد لتوسيع التصدير عبر الموانئ السورية ليشمل الخام والنفتا، وأن الشحنات يمكن أن تبدأ عند حدود 50 ألف برميل يومياً من الخام. كما يجري تجهيز مساحات تفريغ إضافية في بانياس لاستيعاب الحركة الجديدة.

هذه الأرقام صغيرة إذا قيست بإجمالي صادرات العراق. لكنها كبيرة إذا قيست بوظيفة سوريا الجديدة. فالمسألة لا تبدأ من حجم التدفق، بل من الاعتراف العملي بأن الطريق السوري صالح للاستخدام في لحظة ضغط. هذا وحده يضع دمشق في مكان مختلف. لم تعد فقط بلداً يحتاج إلى الطاقة، بل يمكن أن يصبح ممراً للطاقة.

الصهاريج لا تصنع ممرّاً دائماً

ينبغي ألا نخلط بين فتح طريق طارئ وبناء ممر إقليمي. الصهاريج تستطيع أن تكسر الاختناق مؤقتاً، لكنها لا تصنع استراتيجية طويلة الأمد. الطريق البري عبر سوريا مكلف، بطيء، وحساس أمنياً. رويترز تحدثت عن طوابير صهاريج امتدت لأكثر من 30 كيلومتراً قرب بانياس، وعن حادث تصادم قرب حمص أدى إلى تسرب آلاف الليترات من الوقود، وعن احتجاجات قطعت الطريق أمام صهاريج عراقية في شمال شرق سوريا بسبب تدهور المعيشة وارتفاع أسعار الوقود.

هذه ليست هوامش. هي جوهر الاختبار. الممر الذي يعتمد على آلاف الشاحنات يومياً يبقى هشاً أمام الطريق والحاجز والاحتجاج والحادث. كما أن الطرق السورية نفسها خرجت من سنوات الحرب مثقلة بالتلف، وتحتاج إلى صيانة وحماية وتنظيم. لذلك يظهر خط الأنابيب كخيار منطقي، لا لأنه أسهل، بل لأنه أقل فوضى على المدى الطويل.

لكن خط الأنابيب ليس قراراً سياسياً فقط. هناك بنية متضررة، وقطاعات تحتاج إلى استبدال لا إلى ترميم، ومحطات ضخ تحتاج إلى فحص، وتمويل، وضمانات أمنية، واتفاق واضح على الرسوم والسيطرة والإدارة. تقديرات منشورة حول إعادة تأهيل الشبكة تتباين كثيراً، من حديث عن مئات ملايين الدولارات في بعض التقديرات إلى أرقام أعلى بكثير إذا شمل المشروع خطوطاً جديدة وبنية أوسع. هذا التباين بحد ذاته يقول إن المشروع لم يدخل بعد منطقة اليقين.

والأهم أن سوريا نفسها ليست مساحة واحدة سهلة. السيطرة على الطريق، واستقرار الحدود، ووضع البنية المالية، وإمكانات الشركات المنفذة، كلها شروط لا يمكن تجاوزها. حتى الدراسات التي ترى في سوريا فرصة لعبور النفط تقر بأن هشاشة البنية التحتية والحوكمة والأمن تجعل تحويل البلد إلى مركز عبور مهمة صعبة. الممر لا يعيش بالخريطة. يعيش بالإدارة.

من يستفيد، ومن يدفع الكلفة؟

بالنسبة إلى العراق، تبدو المصلحة واضحة. الاعتماد شبه الكلي على الجنوب يجعل الدولة حساسة لأي اضطراب في الخليج ومضيق هرمز. لذلك تعمل بغداد في أكثر من اتجاه، عبر البصرة، وتركيا، وسوريا، ومشاريع أخرى مطروحة. الخلافات حول خط كركوك جيهان مع تركيا تضيف سبباً جديداً للبحث عن بدائل. الاتفاق الحالي مع تركيا يقترب من محطة حساسة في 27 تموز 2026، وأنقرة أبدت اعتراضها على تمديده بالشروط القائمة، بينما كان الخط نفسه متوقفاً لفترة طويلة قبل استئناف محدود. حين تضيق المخارج، يصبح كل مخرج آخر ذا قيمة سياسية قبل أن يكون تجارياً.

بالنسبة إلى سوريا، الفائدة المحتملة متعددة. رسوم عبور، حركة في مرفأ بانياس، تشغيل منشآت، حضور تفاوضي مع بغداد، وربما موقع جديد في شبكة الطاقة الإقليمية. في بلد يحتاج إلى موارد وإلى إعادة تأهيل بنيته الاقتصادية، لا تبدو هذه المكاسب صغيرة. لكنها ليست مجانية. فتح الطريق أمام النفط العراقي يعني أيضاً مسؤولية أمنية وتنظيمية وبيئية. التسربات والحوادث لا تبقى شأناً عراقياً إذا حدثت على الأرض السورية.

هناك طرف ثالث حاضر ولو لم يظهر في كل بيان، وهو سوق الطاقة نفسه. أوروبا والبحر المتوسط وكل الدول التي تراقب خطوط الإمداد تفهم أن كل طريق جديد يقلل الضغط على الخليج يملك قيمة. لكن هذا لا يعني أن الطريق السوري سيزاحم البصرة أو جيهان سريعاً. الأرجح أنه يبدأ كمسار احتياطي، ثم يثبت أو يتراجع بحسب الكلفة والاستقرار والقدرة على تحويل النقل من الصهاريج إلى الأنابيب.

القول إن الساحل السوري قد يصبح ممراً عراقياً إلى المتوسط لا يعني أن المشروع قد حُسم. هذا هو الوهم الذي يجب تجنبه. ما يمكن قوله بحذر أن العراق بدأ يختبر سوريا عملياً كمخرج غربي، وأن دمشق وجدت في ذلك فرصة لإعادة إدخال بانياس إلى حسابات الطاقة. ما لا يمكن الجزم به هو أن هذا الاختبار سيتحول إلى خط دائم قبل حل عقد التمويل والأمن والسيادة والإدارة.

الخلاصة ، سوريا عادت إلى خريطة الطاقة من باب الحاجة العراقية، لا من باب الوفرة السورية. وهذا فرق مهم. إذا بقي المسار صهاريج على طرق متعبة، فسيظل حلاً اضطرارياً لا أكثر. وإذا تحولت الفكرة إلى خط مؤهل، ورسوم شفافة، وأمن مستقر، وإدارة قادرة، فقد يصبح الساحل السوري واحداً من مخارج العراق إلى المتوسط. عندها لن تكون بانياس مجرد ميناء يستقبل شحنة. ستكون دليلاً على أن الجغرافيا، حين تجد شروطها السياسية والاقتصادية، تستطيع أن تستعيد معناها.

اقرأ أيضاً: اللاذقية وصيف استثنائي.. كيف تستعد عاصمة الساحل السوري لاستقبال آلاف الزوار؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى