سوريا على أجندة مجلس الأمن: ماذا بقي عملياً من القرارين 2254 و2118؟

الكاتب: أحمد علي
يعود الملف السوري إلى أوراق مجلس الأمن في آب 2026 عبر مسارين عمر أحدهما أكثر من عشر سنوات والآخر يقارب ثلاثة عشر عاماً. التوقع المؤقت لبرنامج المجلس، الصادر في الأول من آب، ينتظر تقريراً عن تنفيذ القرار 2268 وما يتصل به من القرار 2254، وتقريراً شهرياً من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عن تنفيذ القرار 2118. الوثيقة ليست برنامجاً نهائياً للجلسات، إذ ستقر رئاسة الدنمارك جدول الشهر بعد مشاورات الأعضاء، لكنها تكشف أن المرجعيتين القديمتين ما زالتا تحملان الملف السوري رغم تغير السلطة والمؤسسات وخريطة النزاع.
السؤال لم يعد ما إذا كان القراران موجودين في الأرشيف الدولي. كلاهما ما زال نافذاً ولم يعتمد مجلس الأمن نصاً يحل محلهما. السؤال هو أي أجزاء منهما تستطيع إنتاج أثر في سوريا الحالية. القرار 2254 صيغ عام 2015 لإدارة تفاوض بين حكومة بشار الأسد ومعارضة موزعة بين الداخل والخارج، وحدد مساراً دستورياً وانتخابياً ضمن جدول زمني انتهى منذ سنوات. أما القرار 2118 فأنشأ التزاماً مستمراً بكشف البرنامج الكيميائي وتدمير مواده والتحقق منه، وقد اكتسب هذا الالتزام أهمية جديدة بعد العثور على مواد ومنشآت لم تكن معلنة سابقاً.
القراران 2254 و2118 في آب
لا يتضمن التوقع المؤقت حتى الآن إعلاناً عن جلستين جديدتين أو نية لاعتماد قرار بشأن سوريا. الموجود هو التزام تقريري متكرر. التقرير السياسي والإنساني يُرفع استناداً إلى القرار 2268 الصادر في شباط 2016، الذي طلب من الأمين العام إبلاغ المجلس كل ثلاثين يوماً عن وقف الأعمال القتالية وتنفيذ القرار 2254. والتقرير الكيميائي يُرفع شهرياً بموجب الفقرة الثانية عشرة من القرار 2118، عبر الأمين العام وبالاستناد إلى عمل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
هذا التفصيل يوضح مقدار الاستمرارية المؤسسية داخل المجلس. ما زالت آلية الإبلاغ عن وقف إطلاق نار صيغت لحرب عام 2016 قائمة، رغم أن مجموعة الدعم الدولية لسوريا والمهام الميدانية التي ارتبطت بها لم تعد تعمل بالصيغة نفسها. كما يستمر التقرير الكيميائي للشهر الرابع والخمسين بعد المئة، لأن القرار 2118 ربط الملف بدورة تحقق لا تنتهي بتغير الحكومة أو إعلان تدمير المخزون الذي سُجل أول مرة.
يمكن للمجلس أن يناقش التقارير أو يكتفي بتلقيها، وقد يضيف جلسة إذا فرضت التطورات ذلك. لذلك لا تعني عودة سوريا إلى أوراق آب أن الأعضاء يستعدون لإطلاق عملية سياسية جديدة أو تعديل القرارين. حتى مطلع الشهر لم يظهر مشروع قرار يحدّث المرجعية السياسية، ولم تُعلن محاولة لاستبدال الجدول الزمني القديم بخطة دولية جديدة. الاستمرار الحالي يحافظ على حضور الأمم المتحدة ويمنع سقوط الالتزامات، لكنه لا يساوي توافقاً على الخطوة التالية.
يكشف هذا الوضع فارقاً بين القرارين. القرار 2254 اعتمد على ضغط الدول المؤثرة على الأطراف السورية وعلى قبولها التفاوض تحت رعاية الأمم المتحدة. لم يضع وسيلة تنفيذ تلقائية عندما انتهت مهلة الستة أشهر للحكم والدستور، أو مهلة الثمانية عشر شهراً للانتخابات. القرار 2118 ربط سوريا بالتزامات محددة بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وطلب تقارير شهرية عن التصريح والتفتيش والتدمير، وأبقى احتمال اتخاذ إجراءات بموجب الفصل السابع عند عدم الامتثال، وإن كان أي تحرك داخل المجلس يحتاج إلى توافق سياسي.
2254 بعد تغير الخريطة
اعتمد مجلس الأمن القرار 2254 بالإجماع في 18 كانون الأول 2015. دعا النص إلى عملية سياسية بقيادة سورية وتيسير أممي، وإلى إنشاء حكم ذي مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية، ثم وضع دستور جديد وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة. وربط المسار بوقف إطلاق نار شامل وتحسين وصول المساعدات والإفراج عن المحتجزين وتهيئة ظروف العودة الآمنة للاجئين، مع تأكيد وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها.
انتهت المهل التي وضعها القرار من دون إنجاز الدستور أو الانتخابات التي وصفها. تعطل مسار جنيف، ثم لم يحقق مسار اللجنة الدستورية التي انطلقت عام 2019 اختراقاً قبل سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024. بعد ذلك اختفى الأساس الذي بُنيت عليه صيغة التفاوض القديمة، فلم تعد المسألة حواراً بين وفد حكومي يمثل الأسد ووفد معارض يسعى إلى هيئة حكم انتقالية، وأصبحت البلاد أمام سلطة انتقالية جديدة تحاول توحيد مؤسسات ومناطق وقوى مسلحة كانت في مواقع متباعدة خلال الحرب.
لم يسقط القرار 2254 مع هذا التحول، لكن استخدامه تغير. بيانات الأمم المتحدة ومداخلات دول مجلس الأمن تتحدث الآن عن «المبادئ الأساسية» للقرار أكثر مما تتحدث عن تنفيذ بنوده حرفياً. تتكرر الإشارة إلى قيادة السوريين للعملية، وشمول جميع المكونات، ووضع دستور دائم، وإجراء انتخابات حرة، والحفاظ على وحدة الدولة. أما الجدول الزمني القديم وتركيبة الوفود ومسار التفاوض الذي نشأ قبل عقد، فلم يعد أي منها قادراً على تنظيم المرحلة كما صيغ أول مرة.
شهد تموز 2026 خطوات مؤسسية وضعتها الأمم المتحدة داخل هذا الفهم الجديد. عقد مجلس الشعب الانتقالي جلسته الأولى في 12 تموز، وعُينت المحكمة الدستورية العليا خلال الشهر. وقال نائب المبعوث الخاص كلاوديو كوردوني أمام مجلس الأمن إن المؤسستين تمثلان محطتين في انتقال حدد إطاره الإعلان الدستوري الصادر في آذار 2025. وأوضح أن المجلس الانتقالي سيشارك في التحضير لدستور دائم وانتخابات شاملة في نهاية المرحلة الانتقالية.
تعطي هذه التطورات للقرار 2254 امتداداً عملياً، لكنها لا تثبت اكتمال شروطه. بلغ عدد أعضاء مجلس الشعب القائمين 206 أعضاء، بينهم 22 امرأة، أي أكثر بقليل من 10%. ورحبت الأمم المتحدة بتوسيع التمثيل بعد التعيينات الرئاسية، مع استمرار تساؤلات بشأن مشاركة النساء ومدى شعور جميع المجتمعات بأنها ممثلة. كما بقيت مقاعد مرتبطة بالسويداء غير مكتملة، وظلت قضايا الشمال الشرقي والقيادة العسكرية والموارد والتعيينات الإدارية موضوع تفاوض.
ينتقل الاختبار من تشكيل المؤسسات إلى طريقة عملها. القرار 2254 اشترط عملية سياسية ذات مصداقية، ولا يمكن قياس المصداقية بعدد الهيئات المنشأة وحده. ستظهر في استقلال مجلس الشعب والمحكمة عن السلطة التنفيذية، وفي مساحة التشاور حول الدستور، وفي قدرة القوى الكردية وأهالي السويداء وبقية المكونات على المشاركة من دون أن يفرض السلاح أو التدخل الخارجي النتيجة. كما ستظهر في معالجة الاعتقال والمفقودين والعدالة الانتقالية، وهي ملفات لم يُفصل فيها القرار بالكامل لكنها أصبحت ضرورية لبناء الثقة التي كان يفترض أن تسبق التسوية.
تستطيع الأمم المتحدة تقديم الخبرة والمساعدة الانتخابية وفتح قنوات مع القوى السورية، وقد أعلن مكتب المبعوث استعداده لنقل عمله من جنيف إلى دمشق. لكن المنظمة لا تملك فرض شكل الدستور أو موعد الانتخابات ما لم توافق السلطات السورية والأطراف الفاعلة، ولا يستطيع مجلس الأمن تحويل القرار إلى جدول عمل من دون تفاهم بين أعضائه. لذلك بقي 2254 معياراً دولياً للحكم على الانتقال أكثر من كونه خطة تنفيذ جاهزة.
هذا البقاء له أثر سياسي. تتمسك الدول بالقرار لأنه النص الوحيد الذي أُقر بالإجماع وضم مبادئ تقبلها مواقف متعارضة، كما يمنع الاعتراف بأي انتقال مغلق بوصفه أمراً داخلياً لا يخضع لمعايير المشاركة والانتخابات. وفي المقابل، يسمح اتساع عباراته لكل طرف بأن يركز على الجزء الذي يناسبه. دمشق تشدد على القيادة السورية والسيادة، وتبرز دول أخرى الشمول والانتخابات والإشراف الأممي، بينما تستخدم قوى دولية بند مكافحة الإرهاب أو وحدة الأراضي لتثبيت أولويات مختلفة.
2118 ما زال يعمل
يحتفظ القرار 2118 بوظيفة أوضح. اعتمده المجلس بالإجماع في 27 أيلول 2013 بعد هجوم الغوطة الكيميائي، وألزم سوريا بتنفيذ قرار منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الذي وضع برنامجاً لتفكيك مخزونها ومنشآتها. نُقلت المواد التي أعلنتها الحكومة السورية إلى خارج البلاد ودُمرت تحت التحقق الدولي، لكن المنظمة لم تعتبر التصريح الأولي دقيقاً وكاملاً بسبب الثغرات والتناقضات التي ظهرت خلال اثني عشر عاماً.
تغيرت العلاقة مع دمشق بعد كانون الأول 2024. تؤكد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن الالتزامات القانونية تبقى قائمة مهما تغيرت الحكومة، لكنها وصفت وصول السلطات الجديدة بأنه فرصة لمعرفة الحجم الكامل للبرنامج السابق. بدأت فرقها منذ آذار 2025 زيارة مواقع وإجراء مقابلات وجمع عينات، وأبدت السلطات تعاوناً أوسع شمل الوصول إلى البلاد والوثائق والأشخاص المرتبطين بالبرنامج.
أنتج هذا التعاون نتيجة مباشرة في أيار 2026 عندما عثرت بعثة المنظمة على أسلحة ومواد لم تكن معلنة. عدلت سوريا تصريحها في 15 حزيران ثم قدمت تصحيحين في 18 و22 حزيران، وأضافت منشأة لإنتاج الأسلحة الكيميائية ومادة مكتشفة تُستخدم في إنتاج عوامل الأعصاب وذخائر كيميائية فارغة، إلى جانب موقعي تخزين في القطيفة وحمص. أقر المجلس التنفيذي للمنظمة اتفاقيتي التحقق من الموقعين في 8 تموز.
قدمت دمشق أيضاً خطة لتدمير قنابل جوية كيميائية مصنفة ضمن الفئة الثالثة في منشأة القطيفة، ووافقت المنظمة على ترتيبات التحقق. وبحلول 24 تموز كانت الموافقات اللازمة لبدء التدمير متوافرة، لكن التقرير لم يقل إن العملية انتهت. كما بقيت سلامة الفرق وحفظ الأدلة ومنع الحوادث شروطاً أساسية، لأن المواد المكتشفة تحمل خطراً أمنياً وبيئياً، ولأن بعضها قد يرتبط بتحقيقات في استخدام السلاح الكيميائي.
تمنع هذه الوقائع إغلاق الملف استناداً إلى تدمير المخزون المعلن قبل أعوام. من أصل 26 مسألة عالقة سجلتها المنظمة منذ 2014، حُلت سبع فقط قبل سقوط النظام السابق، وبقيت 19 مسألة من دون حل حتى تقرير تموز 2026. وتقول المنظمة إن خطورتها ترتبط بكميات محتملة من عوامل الحرب الكيميائية والذخائر غير المعلنة أو غير المتحقق منها. وإلى جانب 27 موقعاً معلناً، تشير المعلومات المتاحة إليها إلى أكثر من مئة موقع إضافي ربما شارك في أنشطة مرتبطة بالبرنامج.
استعادت سوريا في 9 تموز حقوقها وامتيازاتها داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بعدما اعتبر المجلس التنفيذي أن التعاون والتعديلات والتحضير للتدمير تبرر هذه الخطوة. الاستعادة لم تعنِ أن الملف أُغلق أو أن المسائل التسع عشرة حُلت. القرار نفسه شجع السلطات على متابعة تحديد ما بقي والتصريح عنه وتدميره تحت الرقابة، فيما أكد التقرير أن العمل ما زال جارياً وأن الإعلان الأولي لا يمكن اعتباره كاملاً.
يبقى جانب المساءلة أكثر تعقيداً. عمل المنظمة لا يقتصر على إزالة المواد، فهو يحاول تحديد الوقائع والمسؤولين في حوادث ثبت فيها استخدام مواد سامة، ويحفظ المعلومات لتسليمها إلى الآلية الدولية المحايدة والمستقلة وجهات التحقيق المختصة. انتهت ولاية آلية التحقيق المشتركة بين الأمم المتحدة والمنظمة عام 2017 بسبب انقسام مجلس الأمن، لكن فريق التحقيق وتحديد الهوية داخل المنظمة واصل العمل. التعاون السوري الجديد يسهل الوصول إلى الأدلة، ولا يضمن وحده تحويل النتائج إلى محاكمات.
يظهر هنا ما بقي عملياً من القرار 2118. توجد فرق ومواقع واتفاقات تفتيش وخطط تدمير وتقارير شهرية، ويمكن قياس التقدم بمواد مصرح عنها ومخازن مؤمنة وذخائر دُمرت ومسائل أُغلقت. تعطل المجلس سياسياً لا يلغي العمل الفني، لكنه يحد من قدرته على فرض نتائج عندما يظهر عدم امتثال أو خلاف بشأن المسؤولية. لهذا يتقدم الملف الآن عبر المنظمة والسلطات السورية أكثر مما يتقدم عبر قرارات جديدة في نيويورك.
تضع أجندة آب القرارين أمام واقعين مختلفين. 2254 بقي الإطار السياسي المقبول دولياً، لكنه فقد مواعيده وآليته القديمة ويحتاج إلى ترجمة تتفق مع الانتقال القائم. 2118 بقي إطاراً تنفيذياً حياً، بل أصبح أكثر أهمية بعد اكتشاف مواد ومنشآت جديدة. لن يعيد مجلس الأمن بناء سوريا من خلال تكرار الرقمين في جلساته، لكنه يستطيع تحديد ما إذا كان سيكتفي بوراثة لغة الحرب السابقة أو سيستخدم المرجعيتين لدعم دستور وانتخابات شاملة، وإنهاء الوجود الأجنبي، وإغلاق البرنامج الكيميائي بصورة موثقة.
المطلوب في المسار السياسي هو تحويل مبادئ 2254 إلى معايير معلنة للمرحلة الحالية، تتضمن من يشارك في صياغة الدستور وكيف تُضمن المنافسة الانتخابية واستقلال المؤسسات. والمطلوب في المسار الكيميائي هو تمويل التفتيش والتدمير وحفظ الأدلة حتى تُغلق المسائل التسع عشرة على أساس التحقق. ما بقي من القرارين ليس متساوياً، فالأول يعيش في تفسير مبادئه، والثاني يعمل عبر إجراءات يمكن متابعتها. جلسات آب، إذا عُقدت، ستكشف ما إذا كان المجلس مستعداً للانتقال من الإحاطة الشهرية إلى تحديد نتائج يريد الوصول إليها.
اقرأ أيضاً: مجلس الأمن يعود إلى الملف السوري: هل تغيّرت أولويات المجتمع الدولي في 2026؟









