سياسة

سوريا تعيد فتح سفارتها في طرابلس.. لماذا أصبحت ليبيا مهمة لدمشق الجديدة؟

الكاتب: أحمد علي

أعاد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في 30 آب 2026 افتتاح سفارة سوريا في طرابلس بعد إغلاق دام أكثر من 14 عاماً. رافق الافتتاح توقيع اتفاق لإعادة تفعيل اللجنة العليا السورية الليبية المشتركة، وقال الجانبان إن الخطوة تستهدف تنظيم أوضاع السوريين وتطوير التعاون الاقتصادي والتنموي. وتقدر دمشق عدد أفراد الجالية السورية في ليبيا بنحو مئتي ألف شخص موزعين على مناطق عدة، ولا سيما طرابلس وبنغازي، وهو رقم يجعل الوظيفة القنصلية للبعثة أثقل من رمز استعادة العلاقات.

أصبحت ليبيا مهمة لدمشق الجديدة لأنها تجمع أربعة ملفات لا تنفصل بسهولة. مواطنون يحتاجون إلى جوازات ووثائق وحماية، وعمال وأصحاب أعمال يربطون سوقين، ومهاجرون ولاجئون يواجه بعضهم مخاطر العبور والاحتجاز، ودولة ليبية ما زالت سلطاتها موزعة بين غرب وشرق. فتح السفارة في طرابلس يعيد للدولة السورية نافذة رسمية، لكنه لا يصل تلقائياً إلى كل سوري ولا يحول اللجنة المشتركة إلى تجارة. نجاح الخطوة سيتوقف على قدرة دمشق على خدمة الناس في بلد منقسم من دون الانزلاق إلى محاوره.

إغلاق بدأ بالاعتراف السياسي

أغلقت السفارة بعد أن اعترفت السلطات الانتقالية الليبية بالمعارضة السورية في 2012، فتحول المبنى إلى جزء من انقسام عربي أوسع حول شرعية دمشق. بعد التحرير وسقوط نظام الأسد بدأت العلاقة تتحرك في الاتجاه المعاكس، ورفعت الراية السورية مجدداً في طرابلس خلال 2025 قبل استكمال الافتتاح الرسمي. لذلك يحمل الحدث معنى إعادة تمثيل دولة لا عودة النظام القديم إلى موقعه.

لكن استئناف البعثة لا يمحو آثار الانقطاع. سجلات مدنية وقنصلية تحتاج إلى تدقيق، ووثائق انتهت، وولادات وزيجات ووفَيات وقعت خلال سنوات غياب الخدمة، وأشخاص تعاملوا مع ترتيبات بديلة. على السفارة أن تنشر منذ البداية أي وثائق تعترف بها وكيف تُصحح القيود ومن يحق له الحصول على الخدمة. كل غموض قد يحول استعادة الدولة إلى طوابير ووسطاء وسوق جديدة للابتزاز.

مئتا ألف سوري يجعلون القنصلية سياسة دولة

التقدير السوري للجالية أوسع من أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لدى المنظمات الدولية، لأن الجالية تشمل عمالاً وأسرهم وأصحاب أعمال وأشخاصاً بوضع قانوني مختلف. لذلك لا يجوز مقارنة الرقمين كأن أحدهما ينفي الآخر. الأهم هو تحويل التقدير إلى قاعدة خدمات تحصي الموجودين طوعاً وتحمي بياناتهم، وتحدد أين يتركزون وما أكثر المعاملات إلحاحاً.

الأولوية العملية هي إصدار الجواز ووثيقة المرور وتصديق الشهادات وتسجيل الوقائع المدنية وتقديم المساعدة للموقوفين أو المفقودين. ويمكن حجز المواعيد إلكترونياً ونشر الرسوم ومدة الإنجاز، مع أيام قنصلية متنقلة إلى المدن البعيدة. عندما تكون الجالية بهذا الحجم، تصبح جودة الخدمة جزءاً من شرعية الدولة الجديدة أمام مواطنيها. أما الاكتفاء باحتفال الافتتاح فيعيد الشكل الدبلوماسي من دون الوظيفة التي يطلبها الناس.

طرابلس بوابة وبنغازي ضرورة

تقع السفارة في العاصمة حيث حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً، وهذا المسار الطبيعي للاعتماد الدبلوماسي. لكن جزءاً كبيراً من السوريين يعيش أو يعمل في الشرق، وتخضع الحركة بين المناطق لواقع أمني وإداري متغير. كانت محادثات سابقة قد أشارت إلى فتح قنصلية في بنغازي بعد السفارة، وهو اقتراح عملي إذا نُفذ بتنسيق لا يحول التمثيل إلى اعتراف سياسي متنافس.

يمكن لدمشق أن تفصل بين التمثيل السيادي والخدمة القنصلية. تبقى السفارة في طرابلس مرجع العلاقة الرسمية، بينما يعمل مكتب أو فريق قنصلي في بنغازي بموافقة الأطراف المعنية لتقديم الوثائق والمتابعة. هذا يخفف كلفة السفر والخطر على المواطنين ويمنع اعتمادهم على سماسرة. وهو أيضاً اختبار لدبلوماسية سورية تتعامل مع الواقع الليبي المركب من دون أن تعلن انحيازاً في نزاع لا تملك مصلحة في دخوله.

ليبيا سوق عمل لا محطة عبور فقط

يُختزل حضور السوريين في ليبيا أحياناً بمسار الهجرة إلى أوروبا، لكن كثيرين يعيشون فيها للعمل في التجارة والمطاعم والبناء والصحة والحرف. يمكن لتسوية الإقامة والوثائق أن تنقل جزءاً من هذا النشاط من الاقتصاد غير الرسمي إلى عقود ودفع وضرائب وحماية. كما يمكن لرجال الأعمال السوريين والليبيين إعادة بناء روابط في الغذاء والدواء والمواد الإنشائية والخدمات المهنية.

غير أن الحديث عن فرصة اقتصادية يحتاج أرقاماً. يجب أن تضع اللجنة المشتركة مسحاً للتجارة الحالية والعقبات البنكية والنقل والتأشيرات والاعتماد الفني، ثم تختار قطاعات قليلة قابلة للتنفيذ. التوقيع على مذكرات واسعة لا يعوض غياب وسيلة دفع أو شحن منتظم. ويمكن أن تبدأ المكاسب من إجراءات بسيطة مثل الاعتراف بالشهادات المهنية، وتسهيل تسجيل الشركات، وخط جوي موثوق، وآلية لحل نزاعات العقود.

الهجرة ملف حماية لا مقايضة أمنية

تسجل المنظمة الدولية للهجرة وجود أكثر من تسعمئة ألف مهاجر من جنسيات متعددة في ليبيا، ويواجه بعضهم الاستغلال والاحتجاز والاتجار. نظمت المنظمة في 2025 أول رحلة عودة إنسانية طوعية لسوريين من ليبيا، ما يبين وجود فئة ترغب في الرجوع لكنها تحتاج إلى مسار آمن ووثائق واستقبال. السفارة تستطيع التحقق من الهوية والتواصل مع الأسر ومراقبة الطوعية، لكنها لا يجب أن تتحول إلى أداة لترحيل جماعي.

أي تعاون أمني بين البلدين ينبغي أن يفصل مكافحة التهريب عن تجريم المهاجر. الشخص الذي لا يملك وثيقة قد يكون ضحية فقدها أو انتهائها، وليس مهرباً. وتحتاج دمشق إلى خط طوارئ واتفاق يسمح بالوصول القنصلي إلى أماكن الاحتجاز، وقائمة علنية بإجراءات العودة، وتنسيق مع المنظمات الدولية. قياس النجاح بعدد العائدين وحده يشجع الضغط، بينما المعيار الصحيح هو عدد الحالات التي حُلت بأمان وموافقة ومعرفة بالمصير بعد الوصول.

اللجنة المشتركة تحتاج جدولاً لا ذاكرة

قال الجانب الليبي إن اللجنة العليا أنتجت في السابق اتفاقات ومذكرات، وإن إعادة تفعيلها تفتح مجالات اقتصادية وتنموية. المشكلة أن اللجان القديمة كثيراً ما جمعت عناوين واسعة ثم تعطلت بتغير السياسة. إعادة الاسم وحدها لا تضمن نتيجة. يجب أن تُحدّث العضوية والاختصاصات، وتحدد اجتماعات دورية وفرقاً قطاعية ومواعيد لنشر ما نُفذ وما تعثر.

يمكن أن تبدأ الأجندة بثلاث حزم. حزمة قنصلية لتسوية أوضاع السوريين، وحزمة اتصال تشمل الطيران والدفع والتحويل، وحزمة تجارة واستثمار تختار منتجات وخدمات محددة. لكل حزمة مسؤول ومؤشر وموعد. كما ينبغي إشراك غرف التجارة والجالية والنقابات لا الوزارات فقط. اللجنة التي تسمع من المستخدمين تكتشف العائق الحقيقي، بينما اللجنة التي تتبادل الخطب تعيد إنتاج الانقطاع في صورة اجتماعات.

دمشق تختبر دبلوماسية بلا محاور

ليبيا منقسمة سياسياً وأمنياً، وتتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية. تستطيع سوريا أن تخدم مواطنيها وتبني تعاوناً مع المؤسسات الليبية من دون تبني طرف ضد آخر. وهذا يقتضي لغة دقيقة وزيارات موزونة وامتناعاً عن استخدام الجالية في الاستقطاب. كما يقتضي الاعتراف بأن الترتيبات التي تُبرم في طرابلس قد تحتاج إلى قنوات تنفيذ إضافية في الشرق.

هذه المقاربة تخدم دمشق أيضاً. الدولة الخارجة من عزلة طويلة تحتاج إلى علاقات تقوم على الوظيفة والمصلحة أكثر من الاصطفاف الأيديولوجي. إذا نجحت في ليبيا، تقدم نموذجاً لبعثات أخرى تعاد هيكلتها حول المواطن والتجارة والتعاون الفني. وإذا دخلت الانقسام المحلي، قد تصبح أوراق السوريين رهينة تبدل السلطة مرة أخرى. الحياد العملي ليس انسحاباً من السياسة، بل حماية للمصلحة السورية من تقلبها.

كيف يُقاس نجاح الافتتاح

خلال ستة أشهر يمكن نشر عدد الجوازات والوثائق المنجزة ومتوسط الانتظار والحالات القنصلية في الشرق والغرب، مع حماية الخصوصية. ويمكن إعلان موعد خدمة دورية في بنغازي، وخط للطوارئ، وقائمة رسوم موحدة، وآلية شكاوى. كما يمكن للجنة المشتركة أن تنشر محضراً مختصراً وخطة عمل بدل الاكتفاء بصور التوقيع.

وخلال عام يجب أن تظهر نتائج أعمق مثل تسوية أوضاع قانونية، وانخفاض الاعتماد على الوسطاء، واتفاقات نقل ودفع قابلة للاستخدام، وزيادة تجارة موثقة لا تقديرات عامة. ليس المطلوب أن تحل السفارة انقسام ليبيا أو كل مشكلات الهجرة، بل أن تمنع هذا الواقع من محو حقوق السوريين. حين يشعر المواطن في طرابلس وبنغازي أن الدولة وصلت إليه، يصبح افتتاح المبنى تحولاً دبلوماسياً حقيقياً.

أهمية ليبيا لدمشق الجديدة تبدأ من نحو مئتي ألف سوري وليست محصورة في العلاقات الرسمية. السفارة تستطيع إعادة الوثيقة والحماية والاتصال، واللجنة المشتركة قد تفتح تجارة وعمل ونقلاً. لكن موقعها في طرابلس يفرض حلاً لخدمة الشرق، وواقع الهجرة يفرض ضمانات تمنع أن تصبح العودة قسرية أو أن تُختزل الجالية في ملف أمني.

ستنجح الخطوة إذا بقيت سوريا خارج الاستقطاب الليبي وحولت الافتتاح إلى مؤشرات خدمة واتفاقات قابلة للاستخدام. عندها تصبح ليبيا مساحة لاستعادة وظيفة الدولة وعلاقة اقتصادية محتملة. أما إذا بقيت السفارة علماً ولجنة بلا جدول، فستعود الدبلوماسية قبل أن تعود إلى المواطنين.

اقرأ أيضاً: سمرة النداف: كنت مجبرة على المواي تاي وليبيا كانت بطولة صعبة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى