سوريا تختنق: تلوث الهواء يهدد حياتنا!

إعداد: لمى ابراهيم
تلوث الهواء، ليس مشكلة حديثة العهد في العالم ولا في سوريا، إنها أزمة صنعها الإنسان بيده، بعقودٍ طويلة من الإهمال والصراعات والحروب والقرارات الكارثية، فباتَ القاتل والمقتول… اليوم سنتحدث عن تلوث الهواء في سوريا تحديداً، كيف ازداد في السنوات الماضية، وكيف أثرت الحرب عليه، وهل يوجد حلول أم أنّ الأوان قد فات!
تلوث الهواء في سوريا
صحيح أن الحرب أثرت على البيئة في سوريا ولكنها ليست هي السبب الرئيسي، فالموضوع أقدم من ذلك. قبل 2011 عانت البلاد من جفاف مدمر بين 2006 و2010، وتلويث صناعي واستنزاف المياه، بدون اتخاذ أي سياسات بيئية فعالة، ما أدى إلى نزوح الناس من الأرياف إلى المدينة بعد أن خسروا أراضيهم وأرزاقهم، وهذه الهجرة ضاعفت الضغط على المدينة المنهكة أصلاً وبيئتها.
أما خلال سنوات الحرب، فهناك أسباب عديدة أدت إلى تلوث الهواء في سوريا. العمليات العسكرية أدت إلى إطلاق كميات هائلة من الغازات السامة، مثل أكاسيد النيتروجين والكبريت، التي تسبب التهابات الجهاز التنفسي وأمراضاً مزمنة خاصة عند سكان المناطق التي تعرضت لضربات متكررة.
كما أثرت الحرب على مستويات انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بشكل متباين، على سبيل المثال، أدى تدمير المنشآت الصناعية، وتعطل إنتاج النفط والغاز، وانخفاض النشاط الاقتصادي إلى تراجع إجمالي الانبعاثات الكربونية مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
إضافة إلى ذلك، فقدت سوريا 20.4% من غطائها الشجري في الفترة بين عامي 2012 و2019 وكانت محافظتا اللاذقية وإدلب الأكثر تأثراً من هذه الخسارة، التي بلغت في اللاذقية 10% وفي إدلب 27% من مساحة الغطاء الشجري بين عامي 2011 و2014.
وقد ارتبط هذا الأمر بمجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية المختلفة المرتبطة بالصراع، منها حرائق الغابات المتكررة، وقطع الأشجار بصورة غير قانونية، والتوسع الزراعي، وإنتاج الفحم النباتي، وضعف مؤسسات الدولة في إدارة الموارد الطبيعية والتنمية البيئية.
لنأخذ حرائق الغابات مثالاً، فهي من الأسباب الرئيسية لاجتثاث الغابات، وقد ازداد تواتر اندلاعها وشدتها بشكل كبير خلال سنوات الحرب في سوريا. في عام 2016، دُمّرت أكثر من 251 ألف شجرة فاكهة في حرائق غابات اندلعت في مناطق من ريف اللاذقية، وفي عام 2020 وحده تسببت الحرائق في التهام ما يزيد عن 9 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية والغابات.
وما زاد الطين بلّة، الحرائق التي اندلعت مؤخراً في غابات اللاذقية ودمرت أكثر من 16 ألف هكتار من الغابات الحراجية، منها 2200 هكتار من الأراضي الزراعية، وأضرت بـ45 قرية. فقدان هذه المساحات الشاسعة من الغطاء النباتي يؤثر بشكل كبير على جودة الهواء.
اقرأ أيضاً: أزمة جفاف تهدد الأمن الغذائي في سوريا.. وخسائر القمح تصل إلى 75%
أضرار تلوث الهواء بالأرقام
إحصاءات رسمية في عام 2013، أكدت ارتفاع نسبة الأمراض التنفسية في سوريا، إلى 13% بسبب تلوث الهواء.
أجريت دراسة استقصائية عام 2015 وكشفت أن 72% من السكان كانوا يتنفسون هواءً ملوثاً بمستويات خطيرة من PM2.5، مقارنة بـ69% عام 2010. المناطق الأكثر تضرراً كانت حلب، دمشق، والغوطة الشرقية، حيث تكدست المواد السامة بفعل سنوات من القصف المتكرر والانفجارات المتواصلة.
الجسيمات الدقيقة (PM2.5) هي جسيمات مجهرية تنتج عن الانفجارات، حرائق الغابات، واحتراق بقايا المصانع المدمرة، تخترق أعماق الرئتين وتصل إلى مجرى الدم لتسبب أمراضاً مزمنة وتزيد من خطر الإصابة بالسرطان والسكتات الدماغية.
بين عامَي 2010 و2017، ارتفعت الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء بنسبة 17%، بإجمالي 7,684 حالة وفاة. أمراض الجهاز التنفسي، مثل الربو والالتهابات الحادة، أصبحت أكثر شيوعاً خصوصاً بين الأطفال والمسنين.
والآن بعد أن تحدثنا عن تلوث الهواء في سوريا عموماً، سنقف قليلاً عند دمشق وشمال شرقي سوريا كنموذجين.
في عام 2024، وُضعت سوريا في قائمة الدول الأكثر تلوثاً، في دراسة أعدتها شركة (IQ Air) السويسرية، وقبلها، أظهرت دراسة لمجموعة من المختصين السوريين، أن التلوث في دمشق يتجاوز الحد المسموح عالمياً بـ11 ضعفاً.
فدمشق تشهد تصاعداً مستمراً في مستويات التلوث البيئي، خاصة التلوث الهوائي، وبحسب موقع “accu weather” المتخصص بقياس جودة الهواء، يبلغ مؤشر جودة الهواء في مدينة دمشق “53”، وهو سيء بحسب تصنيف الموقع بسبب ارتفاع نسبة تلوث الهواء، لأن درجة الجودة المقبولة تُحدد بمؤشر “48” وما دون، أما الدرجة الممتازة فيكون مؤشرها “13” وما دون.
ويعود ارتفاع مؤشر تلوث الهواء للاكتظاظ السكاني، ودخان الآليات والمولدات الكهربائية، ووسائل النقل ولعوادم المصانع حول المدينة، وكذلك الانبعاثات الناتجة عن التفجيرات، ما أدى إلى تلوث الهواء وارتفاع تراكيز العوالق الهوائية والغبار بنسبة كبيرة، وارتفاع نسبة غاز CO2 في الجو.
معاون وزير الإدارة المحلية لشؤون البيئة، يوسف شرف كشف في تصريح إعلامي أن انبعاثات عوادم السيارات مسؤولة بنسبة 60-70% عن تلوث الهواء في دمشق، خاصة السيارات القديمة والميكروباصات التي تعمل بوقود الديزل (المازوت)، ونسبة الكبريت العالية في الوقود (0.7%) تزيد من انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت (SO₂) والجسيمات الدقيقة (PM2.5 وPM10).
وأضاف أن المصانع غير المرخصة في بعض المناطق تطلق معادن ثقيلة مثل الرصاص، الذي يتجاوز الحدود المسموح بها عالمياً، والكسارات والمقالع تزيد من الغبار والعوالق الهوائية، خاصة في المناطق المحيطة بدمشق.
أما فيما يتعلق بالمولدات الكهربائية العشوائية بسبب انقطاع الكهرباء المتكرر، فأوضح أنها انتشرت في الأحياء السكنية، وتعمل لساعات طويلة، وتطلق أكاسيد النيتروجين (NOx) والكبريت (SOx)، ما يزيد من تلوث الهواء، ويسبب أمراضاً تنفسية.
أما في شمال شرقي سوريا فقد أصبح التلوث البيئي تحدياً خطيراً يؤثر مباشرة على صحة السكان، مع تزايد واضح في معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية والسرطانية، وضعف المناعة.
أكثر مصادر التلوث شيوعاً في المنطقة تشمل الأدخنة الناتجة عن السيارات، المولدات، المعامل، حرائق النفايات، والغبار المنتشر، إضافة إلى الاستخدام الواسع للحراقات البدائية لتكرير النفط، خاصة في دير الزور، الرقة، وأرياف الحسكة.
هذه العمليات تطلق كميات كبيرة من الجسيمات الدقيقة والغازات السامة في الهواء، مثل أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكربون، فضلاً عن مركبات الهيدروكربونات العطرية المسرطنة.
كما ساهمت حرائق الغابات وتدمير المحميات في زيادة تدهور الوضع البيئي… ومع انهيار خدمات النظافة، أصبح حرق النفايات أمراً شائعاً، ما تسبب في انبعاث مركبات سامة مثل الديوكسينات والفورانات التي تؤثر على الجهازين العصبي والمناعي.
ارتفعت نسبة الإصابة بالسرطان في شمال شرق سوريا من 3% إلى 8% منذ بداية الأزمة، بزيادة قدرها 5% بحسب أحدث الإحصاءات المحلية.
اقرأ أيضاً: الكوكب يزداد قسوة: مناخ متحوّل وسوريا منسية في تقارير الإنصاف العالمي
تأثير تلوث الهواء على صحتنا
يرتبط تلوث الهواء بشكل مباشر بتدهور صحة الجهاز التنفسي، ويعد من أبرز العوامل التي تفاقم الأمراض المزمنة مثل الربو والحساسية التنفسية، فكلما تدهورت جودة الهواء، ازداد خطر الإصابة بمشكلات صحية حادة ومزمنة.
هذه الملوثات التي تنتشر في الهواء تُضعف وظائف الرئتين تدريجياً، وتتسبب في زيادة احتمالية الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي، تطور التحسس التنفسي، تفاقم حالات الربو، صعوبة التنفس والسعال والصفير، وضعف القدرة على التنفس العميق إضافة إلى السرطان المميت.
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن تلوث الهواء يتسبب في نحو سبعة ملايين حالة وفاة مبكرة سنوياً على مستوى العالم، مع تحذيرات من أن هذه الأرقام مرشحة للارتفاع بنسبة تزيد على 50% بحلول عام 2050.
هل يوجد حلول؟
بحسب يوسف شرف، معاون وزير الإدارة المحلية لشؤون البيئة، فإن هناك خطة شاملة لدراسة الواقع البيئي ووضع أسس متينة لمعالجته، وهو ما تعمل عليه وزارة الإدارة المحلية والبيئة بالتعاون مع وزارة التعليم العالي.
تشمل هذه الخطة مراقبة دورية لمصادر التلوث، التعامل مع شكاوى المواطنين، وتفعيل قانون البيئة بما يتناسب مع ظروف البلاد الحالية، إضافة إلى دمج مفاهيم التنمية المستدامة في مشاريع إعادة الإعمار.
ومن بين الخطوات المطروحة تحسين وسائل النقل، تقنين استخدام المولدات العشوائية، دعم الطاقة الشمسية في المنازل والمحال، وتشديد شروط الترخيص البيئي للمنشآت الصناعية.
أما بالنسبة للحلول البسيطة التي يمكن أن نطرحها فهي زيادة الغطاء النباتي الأخضر، كيف؟
المعالجة النباتية هي تقنية بيئية تعتمد على أنواع معينة من النباتات -وأحياناً نباتات معدّلة وراثياً- لها قدرة على امتصاص الملوثات من الهواء، التربة، أو المياه.
بعض النباتات تمتص الغازات السامة مثل الفورمالديهايد والبنزين من الهواء، وأخرى تلتقط الجسيمات الدقيقة والمعادن الثقيلة عبر أوراقها، وهناك نباتات تفرز إنزيمات تحلل المركبات السامة إلى مواد أقل ضرراً. والأهم، أن هذه النباتات تساهم في تعزيز جودة الهواء من خلال زيادة الأوكسجين وتلطيف المناخ.
كيف يمكن تطبيق هذه التقنية في سوريا؟
هناك عدة مسارات يمكن تطبيقها، مثل إعادة تأهيل المناطق الصناعية باستخدام نباتات مقاومة للسموم لتنظيف التربة والهواء، وتحويل الشوارع المدمّرة إلى ممرات خضراء، تزرع فيها نباتات قادرة على امتصاص الملوثات وتنقية الهواء.
كما يمكن إنشاء أسطح خضراء فوق المباني والمدارس، لخفض حرارة المدن والحد من التلوث، ودمج المساحات الخضراء في مشاريع إعادة الإعمار، لتكون الأحياء السكنية الجديدة صديقة للبيئة منذ البداية.
والأهم من ذلك تشجيع المبادرات المجتمعية الصغيرة، مثل زراعة النباتات على الشرفات والنوافذ، لتحويل الأحياء إلى شبكة من “الفلاتر الحية”.
ورغم أن هذه الطريقة بطيئة مقارنة بالحلول الصناعية، إلا أنها منخفضة التكلفة، آمنة، مستدامة… في بلد مثل سوريا مثقل بتبعات الحرب ونقص الموارد، قد تكون النباتات الخضراء هي الحليف الصامت والفعال في معركة استعادة التوازن البيئي وتحسين جودة الهواء وصحة السكان.
اقرأ أيضاً: سوريا عطشى: أزمة المياه تهدّد حياة الملايين والمستقبل مخيف!









