الاتصالات في سوريا: رحلة ما بين الضغوط والتحوّل!

الكاتب: أحمد علي
يبدو أن كابل ألياف ضوئية واحد قد يحدد شكل الاقتصاد أكثر مما تفعل عناوين السياسة، لأن الاتصال لم يعد خدمة يومية فحسب، بل صار قناة لمرور البيانات والاستثمارات، وحين تتزاحم القوى الكبرى على هذه القناة تتحول الأبراج والمحولات إلى مساحة نفوذ حساسة. في سوريا التي تحاول مؤسساتها لملمة آثار حرب طويلة، عاد ملف الاتصالات إلى الواجهة بوصفه اختباراً لقدرة دمشق على اختيار شركائها من دون أن تُدفع إلى خيارات ضيقة.
الجدل الذي أثارته تقارير عن رسالة أميركية إلى دمشق تطلب منها الامتناع عن التعاون مع الصين لدواعي الأمن الإقليمي لا يقتصر على أسماء الشركات، بل يلامس سؤالاً عن معايير الأمن والخصوصية، وعن ثمن السرعة في إعادة البناء حين تتقاطع حاجات الداخل مع اشتراطات الخارج.
وبين رواية أميركية تركز على المخاطر السيبرانية ورواية صينية ترفض اتهامات التجسس، تقف سوريا أمام قرار تقني يحمل في طياته حسابات سياسية واقتصادية.
التحول عن أنظمة الاتصالات الصينية
بحسب ما نقلته وكالة رويترز عن ثلاثة مصادر مطلعة، أبلغ فريق من وزارة الخارجية الأميركية وزير الاتصالات السوري عبد السلام هيكل خلال لقاء لم يُعلن عنه في سان فرانسيسكو أن توسيع الاعتماد على التكنولوجيا الصينية في قطاع الاتصالات يتعارض مع المصالح الأميركية ويثير مخاوف تتصل بالأمن القومي. وجاءت الرسالة، وفق المصادر، بينما تدرس دمشق شراء تجهيزات صينية لدعم أبراج الاتصالات وبنية مزودي خدمة الإنترنت المحليين، في وقت قال مسؤولون سوريون إن مشاريع التطوير حساسة للوقت وإن البلاد تبحث عن تنويع أكبر في الموردين.
وتضع رويترز هذا التطور في سياق تنسيق أميركي سوري منذ 2024، وهو العام الذي شهد تغييرات سياسية كبرى في دمشق انتهت بتولي أحمد الشرع الرئاسة بعد الإطاحة ببشار الأسد، ما يجعل ملف الاتصالات جزءاً من محاولة إعادة بناء علاقات اقتصادية جديدة.
من هذه الزاوية يبدو التحول عن أنظمة الاتصالات الصينية عنواناً لمدى قدرة الحكومة الجديدة على المواءمة بين احتياجات عاجلة ورسائل سياسية لشركاء محتملين.
شبكات منهكة تبحث عن نفَس
تصف مصادر رويترز واقع الاتصالات في سوريا بأنه شديد الهشاشة، فالتغطية ضعيفة خارج مراكز المدن وسرعات الاتصال في مناطق عديدة متدنية إلى حد لا يتجاوز بضعة كيلوبت في الثانية، وهو مستوى يضعف الخدمات العامة والتعليم الرقمي والتجارة الإلكترونية.
وهذه الصورة تفسر لماذا تتجه المؤسسات إلى حلول جاهزة وأقل كلفة، ولماذا تجد التكنولوجيا الصينية طريقاً واسعاً في أسواق تعاني ضيق الموارد.
وتشير رويترز إلى أن تقنية هواوي تمثل أكثر من نصف البنية التحتية لشركتي سيرياتيل وام تي ان، وهما المشغلان الرئيسيان في البلاد، استناداً إلى وثائق اطلعت عليها الوكالة ومصدر كبير في إحدى الشركتين. ويربط التقرير هذا الاعتماد بقيود سابقة حدت من وصول سوريا إلى تقنيات وخدمات غربية، لذلك فإن أي حديث عن التحول عن أنظمة الاتصالات الصينية يمر عبر السؤال عن البديل ومن سيتحمل كلفة الاستبدال أو إعادة التهيئة، وكيف ستدار مرحلة انتقالية من دون انقطاع واسع للخدمة.
حسابات واشنطن الأمنية والسياسية
تبرر واشنطن موقفها، وفق رد نقلته رويترز عن متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية: “نحث الدول على إعطاء الأولوية للأمن القومي والخصوصية على حساب المعدات والخدمات الأقل سعراً في جميع عمليات الشراء المرتبطة بالبنية التحتية الحيوية”. وأضاف المتحدث أن أجهزة الاستخبارات والأمن الصينية يمكنها قانونياً إلزام الشركات والمواطنين بتقديم بيانات حساسة أو منح وصول غير مصرح به إلى الأنظمة، وهي حجة ترتبط بالنقاش الدولي حول البيئة القانونية في الصين، حيث تنص المادة السابعة من قانون الاستخبارات الوطني على التزام المنظمات والمواطنين بدعم أعمال الاستخبارات والتعاون معها وفق القانون.
في المقابل، ترفض الصين بصورة متكررة الاتهامات التي تربط شركاتها بالتجسس، كما يرد في تقرير رويترز، ويظل الجدل قائماً عالمياً حول مدى كفاية الضمانات التقنية والقانونية في سلاسل التوريد. وعندما يُنقل هذا السجال إلى سوريا، يكتسب بعداً سياسياً لأن القرار لا يتعلق بتقنية داخلية فقط، بل بمسار اندماج اقتصادي وتموضعات إقليمية ودولية تتشكل بعد سنوات الحرب.
خيارات دمشق بين القيود
قالت وزارة الاتصالات السورية لرويترز إن القرارات المتعلقة بالمعدات والبنية التحتية تُتخذ وفق معايير فنية وأمنية وطنية بما يضمن حماية البيانات واستمرارية الخدمة، وأكدت أنها تعطي أولوية لتنويع الشراكات ومصادر التكنولوجيا بما يخدم المصلحة الوطنية. وهذه الصياغة تحاول تثبيت مبدأ السيادة التقنية مع ترك مساحة للتفاوض، من دون إعلان انحياز حاسم لأي طرف.
غير أن رويترز تنقل أيضاً أن مسؤولين سوريين أشاروا في لقاء سان فرانسيسكو إلى أن ضوابط التصدير والالتزام المفرط بها من قبل الشركات، يشكلان عائقاً أمام التعاون مع شركات أميركية، وهو ما يعكس حساسية بيئة العمل في سوريا حتى بعد خطوات أميركية لتخفيف بعض القيود خلال 2025.
وفي هذه المنطقة الرمادية قد يبدو التحول عن أنظمة الاتصالات الصينية هدفاً سياسياً أسهل من تنفيذه تجارياً، إلا إذا ترافق مع قنوات تمويل وضمانات توريد واضحة.
سوق الإعمار وسباق الموردين
على خط مواز، برزت استثمارات إقليمية تستهدف تحديث البنية التحتية الرقمية في سوريا، ففي شباط 2026 أعلنت مجموعة اس تي سي السعودية توقيع اتفاق لتنفيذ مشروع سيلك لينك باستثمار يقارب ثلاثة مليارات ريال سعودي، ويتضمن شبكة ألياف ضوئية تتجاوز 4500 كيلومتر إلى جانب مراكز بيانات ومحطات إنزال لكابلات بحرية، وفق بيانات رسمية.
ويُقدَّم المشروع بوصفه محاولة لربط سوريا إقليمياً ودولياً، ما يرفع حساسية قرارات المعيارية والأمن السيبراني لأن الشبكة قد تصبح ممراً لبيانات عابرة للحدود.
هنا تتضح مفارقة أساسية، فالمعدات الصينية غالباً ما تُعرض بأسعار منافسة، بينما تراهن واشنطن وحلفاؤها على معايير أمنية أعلى وعلى منظومات دعم وتشغيل طويلة الأمد، وبين الخيارين تحتاج دمشق إلى موازنة دقيقة بين الكلفة والاعتمادية والسيادة الرقمية.
أحد المسارات الممكنة يتمثل في تنويع الموردين تدريجياً بدلاً من الاستبدال الشامل، بما يسمح بتحديث أجزاء من الشبكة بسرعة مع تقليل مخاطر التعطل.
في النهاية يظل التحول عن أنظمة الاتصالات الصينية جزءاً من لوحة أكبر تتداخل فيها السياسة والاقتصاد الرقمي، فإذا نجحت دمشق في فتح قنوات توريد وتمويل متوازنة قد يتحول الملف إلى نموذج لبراغماتية جديدة، وإذا تعثر المسار قد تتكرر معضلة الاعتماد على طرف واحد بفعل القيود والشكوك التي تحاصر البدائل. وسيظل معيار النجاح تحسين الخدمة من دون ارتهان مستمر.
اقرأ أيضاً: العلاقات السورية الصينية منذ «بدء التكوين» حتى هذا الحين!









