سوريا بلا مخيمات في 2027.. أصعب عام يبدأ الآن

الكاتب: أحمد علي
تبدو الخيمة خفيفة حين تُطوى، لكنها تحمل فوق قماشها سنوات كاملة من حياة معلقة وأليمة؛ حياة في تفاصيلها مدرسة مؤقتة، وعمل موسمي، ودين عند الدكان، وبيت بعيد لا يعرف صاحبه إن بقيت له فيه نافذة.. لهذا لا يبدأ الخروج من المخيم عند وصول الحافلة، ولا ينتهي عندما تغادر آخر عائلة بابه.
حددت الحكومة السورية أيلول 2027 موعداً للوصول إلى بلد بلا مخيمات. تقول البيانات المنشورة إن نحو 141 ألف عائلة ما زالت تقيم فيها، وإن لجنة شُكلت بالمرسوم رقم 59 أغلقت أكثر من مئتي مخيم، فيما تتواصل قوافل العودة منذ نحو شهرين. العنوان كبير ومطلوب. إنما العام الفاصل بين الوعد وموعده هو الأصعب، لأن ما تبقى ليس نقل الناس وحدهم، بل إعادة المكان إليهم.
موعد يضغط على الخطة
يوجد في إدلب وحدها 786 مخيماً يضم نحو 458 ألفاً و250 شخصاً، وفي حلب 391 مخيماً ضمن الخطة. وإذا وُزعت 141 ألف عائلة بالتساوي على عام واحد، فالمطلوب انتقال قرابة 11 ألفاً و750 عائلة كل شهر. وهذا حساب تقريبي، لا هدف حكومي معلن، لكنه يكشف حجم الإيقاع اللازم حتى لو مضت قافلة تضم أربعة آلاف إلى ستة آلاف عائلة كما يجري التحضير.
غير أن عدّ المغادرين أسهل من معرفة أين استقروا. قد يُغلق مخيم لأن سكانه عادوا إلى بيوتهم، وقد يُغلق بعد انتقالهم إلى سكن غير مكتمل أو تجمع جديد لا يحمل اسم المخيم. لذلك يجب نشر مصير الأسر بعد ثلاثة أشهر وستة، لا رقم الخيام التي فُككت فقط.
العودة أبعد من رحلة حافلة
تضع المفوضية السامية للاجئين قاعدة واضحة للعودة، وهي أن تكون طوعية ومبنية على معرفة وآمنة وكريمة. كلمة طوعية هنا ليست تفصيلاً حقوقياً. فالعائلة التي تُوقف عنها الخدمة أو تُغلق خيمتها قبل أن يصبح البديل صالحاً لا تختار فعلياً، حتى لو وقعت ورقة تقول إنها راغبة.
وتبين بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن الحواجز تبدأ من السكن والخدمات والعمل، وتمتد إلى الوثائق وحقوق الملكية والذخائر غير المنفجرة. كما أفاد مخبرون محليون بأن سكان 83 في المئة من المجتمعات المشمولة لجؤوا إلى الدَّين لتغطية حاجاتهم. البيت الذي لا يمنح دخلاً قد يعيد أهله إلى النزوح ولو كان سقفه قائماً.
المأوى والخدمة والدخل
تقدير البنك الدولي يضع كلفة إعادة بناء الأصول السورية المتضررة عند نحو 216 مليار دولار، بينها 75 ملياراً للمباني السكنية. لا يعني ذلك أن إنهاء المخيمات ينتظر إعادة الإعمار كلها. يمكن البدء بمنح ترميم صغيرة، ومساكن انتقالية قريبة من القرى الأصلية، وإصلاح شبكات الماء والكهرباء والمدارس والعيادات قبل القوافل لا بعدها.
قصة العودة في اليرموك تقدم المعنى ببساطة. عادت الكهرباء، فصار ضخ الماء ممكناً، وعمل البراد، واتسع ما يستطيع متجر صغير بيعه. خدمة واحدة أعادت إلى البيت وظيفة وإلى الحي حركة. التعافي المبكر ليس زينة تضاف إلى الإغاثة، بل الجسر الذي يمنع الأسرة من العودة إلى الخيمة.
الركام يسبق المفتاح
تقول الأرقام الحكومية إن سوريا تضم نحو 50 مليون متر مكعب من الأنقاض، أزيل منها ثلاثة ملايين خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026. الفارق لا يصف بطء الشاحنات وحده، بل حجم الطرق والأحياء التي لا تزال غير قابلة للسكن. ويضاف إليه فحص الألغام وإثبات الملكية وترميم السجل المدني والعقاري.
يمكن للخطة أن ترتب القرى بحسب جاهزيتها، ثم تنشر لكل منطقة ما أنجز في الماء والكهرباء والمدرسة والطريق والسكن. عندها تعرف الأسرة ما الذي تعود إليه، ويعرف الممول أين يضع المال. أما القافلة التي تسبق هذه المعلومات فقد تنقل المشكلة من صف خيام ظاهر إلى بيوت متفرقة لا يراها أحد.
صفر خيمة يحتاج إلى مقياس آخر
النجاح الحقيقي له مؤشرات بشرية. نسبة الأسر التي بقيت في مناطقها بعد ستة أشهر، وعدد الأطفال الذين عادوا إلى المدرسة، والمنازل التي أصبحت آمنة، وفرص الدخل، والوثائق المستخرجة، والشكاوى التي عولجت. كما يحتاج إلى قناة مستقلة تسمح للعائلة برفض موعد غير مناسب من دون خسارة حقها في المساعدة.
إغلاق المخيم يحرر أرضاً ويختصر كلفة ويُنهي رمزاً ثقيلاً للحرب. لكنه قد يخفي الفشل إذا لم تُنشر نتائج ما بعد الإغلاق. المطلوب أن تتحول عبارة سوريا بلا مخيمات من حملة زمنية إلى عقد واضح مع العائدين، فيه حق الاختيار وخدمة قبل الوصول ومتابعة بعده.
وفي الختام، قطعت الخطة مسافة ملموسة بإغلاق أكثر من مئتي مخيم وإطلاق قوافل متواصلة، لكن الكتلة الأصعب ما زالت أمامها. نحو 141 ألف عائلة لا تحتاج إلى عنوان جديد فقط، بل إلى أسباب تجعل الاستقرار ممكناً في اليوم التالي والشهر التالي.
قد تختفي آخر خيمة في أيلول 2027، غير أن النزوح ينتهي حقاً عندما لا يضطر صاحبها إلى نصبها مرة أخرى، فهنا يبدأ أصعب عام، وهنا أيضاً يُقاس الوعد.
اقرأ أيضاً: إدلب: «الخدمة المؤقتة» في المخيمات… شتاء يفضح كل شيء









