أعمال واستثمار

سوريا الغنية بالنفط: من حقل العمر إلى امتداد الجزيرة

إعداد: لمى ابراهيم

النفط والغاز من أهم الموارد التي يعتمد عليها الاقتصاد السوري سواء في تشغيل المصانع وتوفير الخدمات والسلع والنقد الأجنبي، وعرفت سوريا بغناها بالحقول النفطية التي حققت لها اكتفاءً ذاتياً قبل سنوات الحرب، ويعد حقل العمر النفطي في مقدمة هذه الحقول من حيث الإنتاج والمساحة، يليه حقول أخرى لا تقل أهمية وتنتشر غالبيتها في شمال شرقي سوريا.

في هذا المقال، سنتعرف إنتاج حقول النفط في سوريا قبل الحرب وكيف أصبحت اليوم، وسننطلق من الحديث عن حقل العمر، في استعراض عام لوضعه الحالي، إلى جانب الحديث عن باقي الحقول والتحديات التي يعاني منها قطاع النفط السوري اليوم.

حقل العمر النفطي

حقل العمر النفطي هو أهم وأكبر الحقول النفطية في سوريا من حيث المساحة وكمية الإنتاج، يقع في قلب الصحراء السورية على الضفة الشرقية لنهر الفرات، ويبعد حوالي 10 كيلومترات عن مدينة الميادين في محافظة دير الزور.

ومنذ اكتشافه عام 1987، كان الحقل من أولويات الحكومة السورية في عهد الرئيس حافظ الأسد أو ابنه بشار… لكن، مع اندلاع الحرب في سوريا، تحوّل هذا الحقل من مركز إنتاج قوي إلى ساحة صراع، تعاقبت عليه قوات مختلفة وتعرّض للكثير من التخريب، ورغم الظروف القاسية بقي صامداً.

النزاع على حقل العمر

في تشرين الثاني 2013، سيطر “الجيش الحر” على حقل العمر، ولكن سرعان ما تعرّض لهجوم من تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في آب 2014، وبعد سنوات من سيطرة التنظيم عليه، تمكنت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” المدعومة من التحالف الدولي من السيطرة على الحقل في تشرين الأول 2017 -لا زالت تسيطر عليه حتى اليوم-، ولكن هذا لم يمنع من استمرار استهدافه ما أثر على إنتاجه واستقراره.

في حزيران 2021، تعرض الحقل لهجوم مدفعي استهدف قاعدة أمريكية فيه، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة وتوقف الإنتاج، في تموز 2022، تجددت الهجمات الصاروخية على القاعدة الأمريكية في الحقل، ما أسفر عن انفجارات عنيفة وتوقف الإنتاج مرة أخرى.

كمية الإنتاج

تشير التقديرات إلى أن حقل العمر يحتوي على مخزون حوالي 760 مليون برميل من النفط الخام، وهذا رقم كبير يجعله الأكبر في سوريا من حيث حجم المخزون والمساحة.

قبل عام 2011، كان الحقل ينتج ما يقارب 80 ألف برميل من النفط يومياً، لكن بعد ذلك انخفض الإنتاج، واليوم، لا ينتج الحقل إلا أقل من 5% من طاقته الأصلية، أي أقل من 4 آلاف برميل يومياً.

ولكن وجود كمية كبيرة من مخزون النفط فيه يعطي سوريا فرصة مهمة لتأمين حاجتها من الطاقة، والمساهمة في تحسين الوضع الاقتصادي إذا أُعيد استغلاله بشكل فعال.

اقرأ أيضاً: ما هي تفاصيل الخطة الأمريكية السورية لتطوير قطاع الطاقة السورية؟!

النزاع على الذهب الأسود في سوريا

رغم أن سوريا لم تكن يوماً من كبار منتجي أو مصدّري النفط والغاز في العالم، إلّا أنها كانت تملك دوراً مهماً على مستوى المنطقة، ففي عام 1995، بلغ إنتاجها النفطي حوالي 600 ألف برميل يومياً، قبل أن يبدأ هذا الرقم في التراجع تدريجياً، ليصل في عام 2011 إلى نحو 380 ألف برميل يومياً، وكان النفط يمثل في تلك الفترة ما يقارب 35% من عائدات التصدير و20% من إيرادات الدولة، لذا فكان مصدراً مهماً للاقتصاد السوري.

اليوم وبعد 14 عام من النزاع، تغيّرت الصورة بشكل ملحوظ، فالإنتاج لا يتجاوز حدود 80 إلى 100 ألف برميل يومياً، والجزء الأكبر منه يقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، ولكن هذا الواقع ليس شيء جديد بل هو امتداد لأسلوب قديم كان يتّبعه النظام السابق، حيث كان يحصل على جزء من النفط عبر وسطاء، وبطرق معقدة وغير مباشرة، حتى من خارج مناطق سيطرته

“بحسب وزارة النفط السورية هناك 78 حقل نفط موزعين على كامل الأراضي السورية بينها 35 حقلاً تحت سيطرة الحكومة السورية بينما تسيطر قسد على 43 حقلاً آخر”.

تتركز الحقول الأغنى إنتاجاً في مناطق تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، بينما توجد المصافي والمنشآت الأساسية الخاصة بالتكرير في وسط البلاد وعلى الساحل، وهي مناطق تخضع لسيطرة الحكومة السورية.

لفهم المشهد الحالي بشكل أوضح، علينا أن نعود إلى عام 2017، عندما بسطت قوات “قسد” نفوذها على مناطق رئيسية في محافظات الرقة، الحسكة، ودير الزور.

هذه المناطق تحتوي على أكبر الحقول النفطية، مثل حقل “العمر” الذي تحدثنا عنه، وحقلي “رميلان” و”السويدية” في الحسكة. هناك أيضاً حقل غاز “الطابية” القريب من منشأة “كونوكو”، والذي كانت قد طوّرته شركة “TotalEnergies” قبل الحرب.

كانت إدارة هذه الحقول قبل الحرب بيد شركتين رئيسيتين: شركة الفرات للبترول AFPC، التي كانت تنتج حوالي 90 ألف برميل يومياً، وشركة دير الزور للبترول DZPC التي كانت تنتج نحو 20 ألف برميل… أما اليوم، فالإنتاج الكلي من هذه الحقول لا يتجاوز 100 ألف برميل يومياً، ويتراوح بين 45 إلى 50 ألف برميل من الفرات، ونحو 50 ألف من دير الزور.

وفي شباط الماضي، أعلنت وزارة النفط السورية بدء استلام النفط من مناطق قسد وتحديداً في محافظتي الحسكة ودير الزور، وذلك بعد توقفها لعدم أسابيع عقب سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول.

أما في المناطق الخاضعة للحكومة، فهناك مصفاتا تكرير رئيسيتان في بانياس وحمص، كانت هاتان المصفاتان في السابق قادرتين على تلبية كامل احتياجات السوق المحلية من المشتقات النفطية، لكن الحرب ألحقت بهما أضراراً كبيرة، كما تراجعت قدرتهما التشغيلية بسبب انخفاض كميات النفط الخام المتاحة.

“مصفاة بانياس التي يمكنها تكرير 120 ألف برميل يومياً كانت تعمل لفترة طويلة بأقل من طاقتها وتعطلت لفترة بعد توقف الإمدادات الإيرانية ثم عادت للعمل مؤخراً، أما مصفاة حمص فطاقة تشغيلها القصوى تبلغ 110 آلاف برميل يومياً لكنها منذ 2017 لا تعمل إلا بـ30% من قدرتها تقريباً”.

اقرأ أيضاً: صناعة الإسمنت في سوريا: حجر الأساس في مرحلة إعادة الإعمار

حقول النفط في سوريا

تحدثنا في البداية عن حقل العمر النفطي، وإلى جانبه يوجد عدة حقول نفطية مهمة في سوريا مثل حقل السويدية في محافظة الحسكة، والذي كان ينتج قبل الحرب قرابة 90 ألف برميل نفط يومياً، ما جعله من أكبر الحقول في سوريا.

“في تشرين الأول 2023 تعرض حقل السويدية لهجوم استهدف محطات للغاز والكهرباء بداخله ما تسبب بانخفاض إنتاجه بشكل كبير ووصل إلى 7 آلاف برميل فقط”.

حقل التنك أيضاً من الحقول المهمة، يقع في بلدة الشعيطات بريف دير الزور الشرقي ،يحتوي على احتياطي يقارب 250 مليون برميل من النفط عالي الجودة… وقبل الحرب، كان ينتج نحو 40 ألف برميل يومياً وعاد لهذا الإنتاج في عام 2018 بعد أن قلّ إلى 11 ألف برميل يومياً في 2016، وكان يشكّل وحده حوالي 40% من إنتاج سوريا من النفط، ومع حقل العمر، كانت هذه المنطقة توفر أكثر من 85% من إنتاج النفط الخام السوري.

أما حقل التيم فقد ساهم بحوالي 50 ألف برميل يومياً، وهو رقم مشابه لما كان ينتجه حقل الورد، ما يؤكد أن دير الزور كانت ولا تزال خزان سوريا النفطي الأهم.

أما في وسط البلاد، يقع حقل شاعر النفطي بين محافظتي حمص وحماة، في عام 2011، كان هذا الحقل ينتج نحو 9 آلاف برميل نفط يومياً وقرابة 3 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً وتُقدَّر احتياطيات الغاز فيه بأكثر من 30 مليار متر مكعب،

حقول النفط البحرية قبالة الساحل السوري تمثل كذلك جزءاً مهماً من الموارد الطبيعية في البلاد، والتي جذبت اهتمام العديد من القوى الدولية، خاصة روسيا… في عام 2013، نجحت روسيا في تأمين نفوذ كبير على هذه الموارد من خلال توقيع اتفاقية مع الحكومة السورية للتنقيب عن النفط والغاز بقيمة 100 مليون دولار، ولكن لا يوجد معلومات دقيقة تتعلق بإنتاج النفط البحري لوحده في سوريا.

بالنسبة لاحتياطي نفط سوريا، تقول التقديرات أن هناك احتياطياً مؤكداً يقدّر بنحو 2.5 مليار برميل، يتوزع بين دير الزور والحسكة بشكل أساسي، إضافة إلى بعض الحقول في الرقة وتدمر، لكن تحقيق الاستفادة الفعلية من هذه الموارد يتطلب استثمارات ضخمة وتقنيات متطورة لإعادة تأهيل القطاع النفطي المدمر.

وفيما يخص الغاز الطبيعي، فقد شهد تراجعاً ملحوظاً كذلك، قبل الحرب، كانت سوريا تنتج حوالي 8.4 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنتاج حالياً 3 مليارات متر مكعب، يستخدم أغلبه لتوليد الكهرباء، ومن أبرز الحقول الغازية “حقل أيبلا”، الذي كانت تديره شركة “Suncor” الكندية قبل مغادرتها البلاد عام 2011.

ورغم التراجع الكبير في الإنتاج، لا تزال الحقول الموجودة تمثل أملاً في استعادة جزء من قدرات سوريا النفطية والغازية مستقبلاً، إذا ما توفرت الاستثمارات والإرادة السياسية لإعادة الإعمار.

واقع قطاع النفط والتحديات

يعاني قطاع النفط في سوريا من تحديات كبيرة، أهمها تقسيم السيطرة بين جهات مختلفة، كما أن البنية التحتية للقطاع تعرضت لأضرار كبيرة بسبب القصف، التخريب، والسرقة، طوال سنوات الحرب

“تقدر كلفة الأضرار بحوالي 6.1 مليار دولار، منها 3.2 مليار للسرقة والتخريب و2.9 مليار بسبب القصف”.

إلى جانب ذلك، نقص الخبرات الفنية بسبب هجرة معظم المختصين قبل وأثناء الحرب زاد المشكلة، كما أن الوضع الأمني لا زال غير مستقر، ويوجد تهديدات عدة باستهداف المنشآت النفطية لزعزعة الاستقرار.

رغم هذه التحديات الصعبة، يبقى قطاع النفط عنصراً أساسياً في الاقتصاد الوطني، وتعمل الحكومة على إعادة تأهيل القطاع عبر خطط طويلة الأمد، في حين تظل العوامل الجيوسياسية والاقتصادية مؤثرة في مستقبله.

اقرأ أيضاً: الفوسفات في سوريا: بين لعنة السياسة وآمال إنعاش الاقتصاد!

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى